الأكثر قراءة

رحيل “الفقير النبيل”: موخيكا يُغادر وقلوبنا مثقلة بالخيبة

 

محمد سعد عبد اللطيف

جريدة الحرة ـ بيروت

في زمنٍ عربيٍّ مشحونٍ بالتطبيل لزعماء يعتلون العروش وهم بلا شرعية، ويقيمون الولائم على حساب الشعوب الجائعة، ويستعرضون قوتهم في الفضائيات بينما تنحني أوطانهم على ركب الذلّ والفقر والفساد… يرحل رجلٌ من طرازٍ نادر، لا يملك قصراً، ولا يختبئ خلف مواكب مصفّحة، ولا تسبقه كاميرات، ولا تلحقه أبواق.

مات أنبل وأنزه حاكم دولة على وجه الأرض في زمننا المعاصر، إنه رئيس أورجواي، خوسيه ألبرتو موخيكا كوردانو، الذي لُقّب بـ”أفقر رئيس في العالم”. لكنه في الحقيقة، كان أغناهم قلبًا، وأشدهم نقاءً وصدقًا.

لم يتوقف موخيكا، الذي توفي بعد معاناة طويلة مع مرض السرطان، عند التبرع بتسعين بالمائة من راتبه الشهري (12 ألف دولار) إلى الجمعيات الخيرية والمشروعات الناشئة، بل عاش حياة متقشفة، لم تختلف عن تلك التي كان يحياها قبل أن يتسلم الحكم في مطلع يناير 2010.

عاش في بيته الريفي البسيط، يصل إليه عبر طريق ترابي طويل، ورفض الانتقال إلى القصر الرئاسي. لم يحتج لأكثر من اثنين من الحرس، رغم أنه نجا من محاولات اغتيال، وأصيب بست رصاصات في شبابه. سيارته الوحيدة من طراز “فولكس فاجن بيتل” موديل 1987، كان يقودها بنفسه، ورفض ارتداء البدل الرسمية، واصفًا إياها بأنها “دهاء البشرية… ولعبة أرباب التجارة”.

ببساطته، وبزواجه الشفاف من رفيقة دربه لوسيا توبولانسكي، التي لم تسعَ لتكون “السيدة الأولى”، وبعفويته الصادقة، أصبح موخيكا رمزًا عالميًا للنزاهة. وحين تراجع الفساد في بلاده، لتحتل أورجواي المرتبة الثانية في قائمة الدول الأقل فسادًا في أميركا اللاتينية، لم ينسب الفضل لنفسه، بل قال كلمته الشهيرة: “أهم أمر في القيادة المثالية هو أن تبادر بالفعل، حتى يسهل على الآخرين تطبيقه.”

وحين سألته شبكة “سي إن إن” عن سر زهده، أجاب ببساطة من صقلته السجون: “سنوات السجن كانت بمثابة ورشة عمل صقلت قيمي. أنا لست فقيرًا، الفقراء هم من يحتاجون الكثير. أنا متقشف، أعيش كما يعيش أغلب المواطنين الذين صوتوا لي، وهذا يبقيني قريبًا منهم.”

وهكذا أعاد توزيع الثروة، ونجح مع حكومته في خفض معدلات الفقر من 37% إلى 11%. وفي شتاء 2011، عرض أجنحة من القصر الرئاسي لتأوي المشردين في بلاده، ثم فتح أبوابه لاحتضان مئة يتيم من أطفال سوريا، الذين شرّدتهم نيران الحرب.

لم يأتِ موخيكا إلى الحكم مصادفة، بل مرّ بتجربة سياسية عميقة؛ فقد كان مقاتلًا في منظمة توباماروس اليسارية، وسُجن 14 عامًا في زنزانات انفرادية. ثم شغل منصب وزير الثروة الحيوانية والزراعة والثروة السمكية، ثم عضوًا بمجلس الشيوخ، قبل أن يفوز بالانتخابات الرئاسية في نهاية 2009.

عارض التدخين، وحارب شركاته، لأنه كما قال: “التبغ يقتل المجتمعات.” رفض مشروع طاقة باستخدام الفحم مع البرازيل، إيمانًا ببيئة نظيفة، ودعا إلى السلام قائلاً: “كل دقيقة تنفق فيها البشرية ملياري دولار على الحروب، يمكن أن تُنقذ بها ملايين الأرواح… فلنزرع التسامح بدلًا من الجنون.”

موخيكا لم يكن رئيسًا فقط، بل كان ضميرًا يمشي على الأرض.

وفي عالمٍ عربيٍّ مثقل بديكتاتوريات لا ترى شعوبها إلا وقودًا لبقائها، كان موخيكا صفعة أخلاقية في وجه كل من يُنفق الملايين ليظهر بمظهر “الحاكم الصالح” وهو يدفن الحقيقة تحت كراسي السلطة.

موخيكا رحل، لكن صورته ستبقى: رجل من القرن الحادي والعشرين، عاش كما يحلم الناس، ومات كما يموت العظماء… دون مهرجانات، دون صخب، دون نفاق. فهل من متّعظ؟

https://hura7.com/?p=53994

الأكثر قراءة