الأكثر قراءة

رحيل غراهام… هل يزيد قوة ترامب وخطورة المواجهة مع روسيا؟

جريدة الحرة بيروت

بقلم : د. خالد العزي مدونة د. خالد العزي

كان رحيل السيناتور ليندسي غراهام، أحد أبرز الأصوات المناهضة لروسيا داخل المؤسسة السياسية الأمريكية، حدثًا أثار الكثير من التساؤلات حول مستقبل السياسة الخارجية للولايات المتحدة، خصوصًا في ظل مشروع قانون جديد يحمل اسمه، ويهدف إلى فرض عقوبات غير مسبوقة على روسيا وشركائها التجاريين.

الغياب… انفراج لروسيا أم ارتداد عكسي

يطرح غياب غراهام سؤالًا أساسيًا: هل يؤدي رحيله إلى تراجع النهج المتشدد تجاه موسكو، أم أن غيابه سيمنح أفكاره قوة إضافية ويحوّلها إلى جزء من السياسة الأمريكية القادمة؟ وهل يعني تمرير هذا القانون أن الرئيس دونالد ترامب يعيد الولايات المتحدة إلى مسار قريب من عهد جو بايدن في التعامل مع روسيا؟

ترك غراهام خلفه إرثًا سياسيًا مثيرًا للجدل. فقد كان من أبرز الداعمين لتقديم مساعدات عسكرية كبيرة لأوكرانيا، وكان يرى أن الإنفاق على القوات المسلحة الأوكرانية يمثل استثمارًا يخدم المصالح الأمريكية. كما ارتبط اسمه بمشروع قانون يمنح الرئيس الأمريكي صلاحيات واسعة لفرض عقوبات على روسيا والدول التي تتعامل معها.

أبرز المناهضين للسياسة الروسية

بالنسبة لغراهام، الذي اعتُبر أحد أبرز قادة التيار المناهض لروسيا في مبنى الكابيتول، كان هذا المشروع حلمًا صعب التحقيق بعدما تعثر تمريره أكثر من مرة. إلا أن وفاته المفاجئة أعادت المشروع إلى الواجهة، وأصبح من المتوقع أن يحمل القانون اسمه، ليكون بمثابة إرث سياسي يخلّد موقفه من موسكو. لكن مستقبل هذا القانون يبقى مرتبطًا بتفاصيله النهائية، فكما يقال إن الشيطان يكمن في التفاصيل، فإن صياغة البنود هي التي ستحدد مدى تأثيره الحقيقي، ومدى قربه من الأهداف التي كان يسعى إليها غراهام.

لقد كان غراهام يسير في خط سياسي واضح يقوم على مواجهة روسيا وإيران. وكان من الشخصيات التي مارست ضغطًا سياسيًا داخل واشنطن لدفع الإدارة الأمريكية نحو مواقف أكثر تشددًا تجاه طهران، حتى إنه لعب دورًا في إقناع ترامب باتخاذ مواقف عسكرية ضد الجمهورية الإسلامية. لكنه، رغم نفوذه، لم يتمكن خلال حياته من ضمان تمرير العقوبات المشددة ضد روسيا.

صاحب مشروع العقوبات ضد روسيا

يقوم مشروع القانون على تحويل الرسوم الجمركية إلى أداة ضغط سياسي، حيث يمنح البيت الأبيض القدرة على فرض رسوم كبيرة على المنتجات الروسية، وكذلك على الدول التي تشتري منها موارد الطاقة مثل النفط والغاز واليورانيوم والفحم. ورغم أن حجم التجارة المباشرة بين روسيا والولايات المتحدة محدود، فإن العقوبات الثانوية قد تمتد آثارها إلى دول كثيرة، من الصين والهند إلى بعض الدول الأوروبية الحليفة للولايات المتحدة، والتي لا تزال تستورد الغاز الروسي.

كان غراهام، بين مجموعة من السياسيين المعروفين بتشددهم في الكونغرس، الأقل شهرة بين الجماهير، لكنه أثبت قدرة كبيرة على البقاء داخل دائرة النفوذ. فقد تراجع نفوذ شخصيات مثل جون ماكين وجو ليبرمان قبل وفاتهما، بينما بقي غراهام حاضرًا في قلب المشهد السياسي رغم الانتقادات التي لاحقته، حتى أطلق عليه بعض خصومه لقب “سيناتور أوكرانيا”.

الكاريزما التي تمتع بها غراهام

امتلك غراهام شخصية سياسية مميزة، فقد كان قادرًا على بناء علاقات مع مختلف مراكز النفوذ، حتى مع شخصيات متناقضة سياسيًا. واستطاع الحفاظ على علاقاته مع أطراف تختلف جذريًا في مواقفها، كما حدث بين ترامب وبعض خصومه السياسيين. ففي عهد ترامب، ظهر غراهام في بعض الأحيان كحليف قريب للرئيس، يتحمل الانتقادات من أجل تحقيق أهدافه السياسية. وفي ملف إيران، نجح في دفع الإدارة نحو مواقف أكثر تشددًا، إلا أن نتائج تلك السياسات بقيت موضع نقاش واسع داخل الولايات المتحدة.

تكريمًا لغراهام… ترامب يقر مشروعه ضد روسيا

كان غراهام يأمل في الحصول على دور مؤثر في السياسة الخارجية خلال إدارة ترامب، لكنه رحل قبل تحقيق ذلك، ليبقى اسمه مرتبطًا بقانون مناهض لروسيا قد يصبح أحد أبرز آثار مسيرته السياسية. ورغم أن البعض قد يرى أن ترامب اختار إرضاء شخصية سياسية راحلة بدل الحفاظ على تفاهمات سابقة مع موسكو، فإن حسابات ترامب تختلف؛ فبالنسبة له، لا يتعلق الأمر بروسيا وحدها، بل باستخدام أدوات الضغط الاقتصادي في مواجهة الشركاء والخصوم على حد سواء.

فترامب جعل من الرسوم الجمركية وسيلة رئيسية لإعادة التفاوض مع شركاء الولايات المتحدة التجاريين، إلا أن قرارات المحكمة العليا المتعلقة بصلاحيات الرئيس في فرض الرسوم أعادت التأكيد على أن هذه السلطة تعود أساسًا إلى الكونغرس. من هنا جاء مشروع قانون غراهام ليمنح الكونغرس دورًا أكبر، ويضع قيودًا على قدرة الرئيس في استخدام الرسوم الجمركية، خصوصًا تجاه دول كبرى مثل الصين والهند وبعض دول الاتحاد الأوروبي.

كان هذا أحد أسباب اعتراض ترامب سابقًا على المشروع، لأنه رأى فيه تقليصًا لهامش تحركه في السياسة الخارجية. لكن النسخ الجديدة من القانون قد تمنح الرئيس مساحة أكبر لإلغاء العقوبات أو تعديلها، ما يجعل تأثيره مختلفًا عن الصيغة الأصلية التي كان يدافع عنها غراهام. وبذلك تحولت أفكار غراهام بعد رحيله إلى أدوات سياسية يمكن أن يستخدمها ترامب في مفاوضاته التجارية والدبلوماسية مع دول مختلفة.

مواقف ترامب الحالية تجاه روسيا

يبدو أن ترامب أقل اندفاعًا نحو مواجهة روسيا مقارنة بغراهام، رغم استمرار التنافس في سوق الطاقة والسياسة الدولية. فقد عارض ترامب في مراحل مختلفة بعض المبادرات المناهضة لروسيا القادمة من الكونغرس. لكن رحيل غراهام لا يعني نهاية التيار المعادي لروسيا داخل الولايات المتحدة، فهناك شخصيات ومؤسسات كثيرة ما زالت تدفع باتجاه سياسة أكثر تشددًا تجاه موسكو.

ويبقى السؤال مفتوحًا حول مستقبل هذا القانون: هل سيصبح أداة تستخدمها الإدارات الأمريكية المقبلة في مواجهة روسيا وحلفائها؟ وهل سيمتلك الرؤساء القادمون الرغبة والقدرة على استخدام هذه الأدوات في حرب تجارية واسعة؟

قد يرحل أصحاب المشاريع السياسية، لكن آثارهم قد تستمر بعدهم. وكما يقال، حتى بعد زوال الخطر، قد يبقى أثره قائمًا، وهو ما يجعل قانون غراهام مرشحًا لأن يكون حاضرًا في السياسة الأمريكية لسنوات قادمة.

https://hura7.com/?p=81886

الأكثر قراءة