الأكثر قراءة

إصدارات أسبوعية

ردود فعل الأحزاب السياسية في أوروبا علي الانسحاب الأمريكي

جريدة الحرة بيروت

 المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات  ـ ألمانيا وهولندا ECCI

خاص ـ يتمركز ما يقدر بنحو 80 ألف إلى 100 ألف من أفراد الخدمة الأمريكية في جميع أنحاء أوروبا، وذلك حسب التناوب. تعمل هذه القواعد على تعزيز وجود حلف الناتو في أوروبا، حيث تستضيف القوات الأمريكية وتدعم التدريب والعمليات المشتركة مع الحلفاء.

لا يمنع قانون الدفاع الأمريكي لعام 2026 سحب القوات من أوروبا، ولكنه يفرض إجراء مشاورات وتقديم مبررات لإجراء تخفيضات كبيرة، مما يجعل مثل هذه الخطوة أكثر صعوبة. يمثل خفض عدد القوات المقرر بخمسة آلاف جندي حوالي 14% من إجمالي عدد أفراد الخدمة المتمركزين في ألمانيا. يقول شون بارنيل، المتحدث باسم البنتاغون: “إن القرار يأتي في أعقاب مراجعة شاملة لوضع القوات التابعة للوزارة في أوروبا، وهو اعترافًا بمتطلبات الواقع والظروف على الأرض”.

هل يستطيع ترامب سحب أعداد كبيرة من القوات الأمريكية من أوروبا؟

أشار العديد من المحللين والخبراء إلى أن تشريعًا دفاعيًا أمريكيًا، أصبح قانونًا خلال العام 2026، يفرض قيودًا على البنتاغون من إجراء تخفيضات كبيرة في عدد القوات المنتشرة في أوروبا. بموجب المادة 1249 من قانون تفويض الدفاع الوطني لعام 2026، فإن الإدارات مقيدة في كيفية استخدامها لأموال البنتاغون لخفض أعداد القوات.

وبحسب القانون، لا يمكن للبنتاغون استخدام ميزانيته لخفض مستويات القوات في أوروبا إلى أقل من 76000 جندي لأكثر من 45 يومًا إلا إذا استوفى شروطًا معينة. وتشمل هذه الإجراءات التصديق على أن التخفيضات تصب في مصلحة الأمن القومي الأمريكي، والتشاور مع حلفاء الناتو بشأن هذه الخطوة مسبقًا، وتقديم تقرير مفصل إلى الكونجرس. كما توجد فترة انتظار، مما يعني أنه لا يمكن إجراء تخفيضات كبيرة في أعداد القوات على الفور.

يؤكد المحللون إلى أنه بالإضافة إلى الحدود القانونية، فإن سحب القوات من أوروبا أمر معقد ومكلف. أفاد تحليل أجرته ليانا فيكس من مركز الأبحاث الأمريكي المستقل “مجلس العلاقات الخارجية” إلى أن القوات الأمريكية في ألمانيا مندمجة في هياكل القيادة العالمية، مما يعني أن نقلها أمر معقدًا لوجستيًا ومكلفًا ويمكن أن يضعف الجاهزية العسكرية.

من الجانب الألماني، قلل المسؤولون من شأن التأثير الفوري لفقدان 5000 جندي، حيث وصف وزير الدفاع بوريس بيستوريوس هذه الخطوة بأنها “متوقعة”، وحث أوروبا على تحمل المزيد من المسؤولية عن أمنها. أشار النقاد والسياسيون إلى أن التهديد بعدم نشر صواريخ توماهوك على الأراضي الألمانية يشكل خطرًا أكبر من سحب القوات، لأنه يترك برلين مع فجوة صاروخية لا يمكنها سدها بمفردها.

ردود فعل الأحزاب السياسية في أوروبا

يعمل مسؤولون أوروبيون ومسؤولون أمريكيون آخرون، ومشرعون، ومراكز أبحاث موالية للجمهوريين، على إيجاد سبل لإقناع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالإبقاء على الولايات المتحدة في حلف شمال الأطلسي رغم التوترات الشديدة بشأن الحرب مع إيران.

إلا أن قراره المفاجئ بخفض القوات الأمريكية في ألمانيا يُعدّ أحدث مؤشر على أن هذه الجهود لها حدودها، وأن نجاحها ليس مضمونًا. يقول خبراء الدفاع إن الأوروبيين ليس لديهم خيار كبير سوى محاولة إبقاء الولايات المتحدة على متن السفينة، نظرًا لاعتمادهم الكبير على الولايات المتحدة لردع أي هجوم محتمل من جانب روسيا.

يوضح ماركوس سودر، زعيم حزب الاتحاد الاجتماعي المسيحي CSU: “يتعين على الحكومة الألمانية الآن التصدي بكل قوة لخطط الولايات المتحدة لخفض عدد القوات في ألمانيا. وتابع: “مهما بدا الأمر هادئًا ومتزنًا، فإن سحب الجنود مسألة خطيرة”. مضيفًا: “لذا، لا يكفي مجرد التغاضي عن الأمر واللامبالاة؛ بل يلزم التزام جاد”.

صرح سودر بأنه يجب بذل الجهود لتقليص عدد الجنود الذين تم الإعلان عن سحبهم، والبالغ 5000 جندي، بشكل كبير. وأضاف أنه يجب التأكيد على أهمية ألمانيا كقاعدة عسكرية للولايات المتحدة. وفي حال حدوث الانسحاب، فإن تعويض المناطق المتضررة أمر ضروري، ولا يجب تركها تواجه الأمر بمفردها.

أكد سودر أن الوضع غير المستقر يُظهر مدى أهمية تعزيز ألمانيا لقوتها العسكرية. وأوضح: “في الأساس، لا يوجد سوى بديل حقيقي واحد على المدى البعيد: أن تصبح ألمانيا أقوى”. وشدد على ضرورة إعادة العمل بالتجنيد الإجباري على المدى المتوسط، فالجيش المتطوع لن يكون كافيًا.

وصف سودر التهديد بسحب القوات الأمريكية، فضلًا عن احتمال قرار الحكومة الأمريكية بالتخلي عن نشر صواريخ متوسطة المدى في ألمانيا، بأنه “مزعج وخطير”، وأشار إلى أن الإعلانات الأمريكية تحدث أحيانًا أسرع من تنفيذها.

يقول ألكسندر هوفمان، رئيس الكتلة البرلمانية لحزب الاتحاد الاجتماعي المسيحي: “في برلين، هناك اعتبارات أمريكية بشأن سحب لواء قتالي أمريكي من فيلسيك في بافاريا”. وتابع: “إن سحب هذه القوات من فيلسيك، إن حدث، سيشكل ضربة قوية لبافاريا، وضربة قوية لمنطقة بالاتينات العليا، وضربة قوية للبنية الأمنية داخل حلف الناتو”.

أوضح هوفمان: “إنه لم يكن على علم بعد بقرار نهائي بشأن الانسحاب من فيلسيك”. وأضاف: “لا أملك سوى معلومات تفيد بأن الأمر قيد المناقشة. لم أتلقَّ تأكيدًا نهائيًا بعد”. وتابع قائلاً: “إنه من المهم إبقاء جميع قنوات الاتصال مفتوحة مع الولايات المتحدة وتوضيح أن وجود القوات الأمريكية على الأراضي الألمانية يصب في مصلحتهم”.

يخشى مانفريد ويبر، زعيم حزب الشعب الأوروبي ونائب رئيس الاتحاد الاجتماعي المسيحي، من إضعاف عسكري كبير لأوروبا بأكملها نتيجة انسحاب القوات من فيلسيك، قائلاً: “إذا سحبت أمريكا هذه القوات من أوروبا، فلن تتمكن أوروبا من الاستجابة السريعة للأزمات في القارة الأوروبية”.

وصرح في بروكسل بأنه من الضروري بالتالي تقديم تعويض مناسب لكل من القوات الأمريكية والصواريخ متوسطة المدى، إما عن طريق القوات المسلحة الألمانية أو من خلال هيكل أوروبي. وأضاف: “لا يُعقل أن نكون نحن الأوروبيين عاجزين عن إنتاج وتطوير مثل هذه الصواريخ متوسطة المدى بأنفسنا”.

تقول سيمتجي مولر، وهي مشرعة بارزة من الحزب الاشتراكي الديمقراطي الألماني، الذي يشكل جزءًا من الائتلاف الحاكم: “إن ما يثير القلق ليس رقم 5000 جندي، بل الإشارة السياسية من واشنطن التي مفادها أن الشراكات طويلة الأمد والموثوقة تمامًا لم تعد ذات قيمة ويبدو أنها تخضع لقرارات تعسفية”.

كما يقول دبلوماسيون أوروبيون إنهم يخشون أن يقوم ترامب بمزيد من التحركات التي قد تختبر التحالف قبل قمة قادة الدول الـ 32 في أنقرة في يوليو 2026، خاصة إذا لم تنته الحرب الإيرانية بحلول ذلك الوقت”. كما قال دبلوماسي أوروبي، متحدثًا شريطة عدم الكشف عن هويته: “إن الهدف الأسمى لحلف الناتو وحلفائه الأوروبيين هو تجاوز قمة أنقرة، علينا أن نتعاون مع الأمريكيين إن أمكن، وأن نتعاون معهم إن اضطررنا لذلك”.

تداعيات الانسحاب على الناتو

إن إغلاق قواعد عسكرية بأكملها سيكون له تداعيات خطيرة على حلف الناتو، فقاعدة رامشتاين، على سبيل المثال، تُعد مركز قيادة الدفاع الجوي والصاروخي في أوروبا. علاوة على ذلك، تُعتبر قاعدة بوشيل الجوية في راينلاند بالاتينات الموقع الوحيد للأسلحة النووية في ألمانيا، على الرغم من أن الولايات المتحدة وألمانيا لم تؤكدا ذلك رسميًا.

تُعدّ منطقتا التدريب في غرافينوهر وهوهنفيلز ذواتي أهمية بالغة لتأمين الجناح الشرقي لحلف الناتو. وتضم غرافينوهر واحدة من أكبر وأحدث مناطق التدريب العسكري في العالم، حيث يتدرب فيها آلاف جنود الناتو سنويًا لتعزيز التعاون عبر الحدود. كما تتلقى القوات المسلحة الأوكرانية تدريباً في هذه المنطقة على استخدام الأسلحة المتخصصة.

سيشهد الدعم المقدم لأوكرانيا تغييرًا كبيرًا، مما قد يحدّ من التدخل الأمريكي. يقع مركز تخطيط العمليات الأوكرانية في فيسبادن، ويهدف إلى أن يكون مقرًا لتنسيق التدريب وتوريد الأسلحة إلى أوكرانيا .

كما تجتمع مجموعة الاتصال الدفاعية الأوكرانية بانتظام في رامشتاين، وقد أصبحت هيئة تنسيق رئيسية للمساعدات العسكرية الغربية لكييف. لذا، فإن إغلاق هذه المواقع لن يحدّ من قدرات الولايات المتحدة فحسب، بل سيضر بمصالحها.

هل ستغلق ألمانيا القواعد الأمريكية؟

من الناحية القانونية البحتة، قد يكون الإغلاق الأحادي الجانب من جانب ألمانيا ممكنًا. فبينما يمنح اتفاق وضع القوات الولايات المتحدة الحق في الحفاظ على وجود دائم للقوات في ألمانيا الغربية السابقة، يمكن لألمانيا إنهاء هذا الاتفاق بإشعار مدته سنتان. لكن هذا غير واقعي. فبينما يناقش الحزب الاشتراكي الديمقراطي SPD بالفعل تقييد استخدام هذه المواقع، فمن غير المعقول أن تتصادم الحكومة الألمانية مع الحكومة الأمريكية إلى هذا الحد، لا سيما وأن ذلك سيترتب عليه عواقب سلبية على ألمانيا.

https://hura7.com/?p=78641

الأكثر قراءة