الأكثر قراءة

رسائل بكين قبل لقاء شي وترامب

جريدة الحرة بيروت

بقلم : د. خالد العزي مدونة د. خالد العزي

في العاصمة الصينية بكين، انطلقت أعمال منتدى شيانغشان الأمني، في وقت يشهد فيه العالم تصاعدًا في الحروب والتوترات الدولية. المنتدى، الذي يحمل اسم منطقة حديقة شيانغشان التي استضافت أولى فعالياته، أصبح خلال السنوات الماضية منصة أمنية مهمة تعكس رؤية الصين تجاه القضايا الدولية والإقليمية.

ويُنظر إلى المنتدى باعتباره النظير الصيني لمنتدى شانغريلا، الذي يُعقد سنويًا في سنغافورة ويجمع مسؤولين وخبراء في القضايا الأمنية والعسكرية. وبينما تتميز نقاشات شانغريلا بمساحة أكبر من الانفتاح، يبدو منتدى شيانغشان أكثر التصاقًا بالرؤية الصينية تجاه النظام الدولي والأزمات التي يشهدها العالم.

وزير الدفاع الصيني يطرح رؤية بكين

كان خطاب وزير الدفاع الصيني الأدميرال دونغ جون من أبرز محطات اليوم الأول. فقد دعا إلى البحث عن التوافق في عالم أنهكته الحروب، مؤكدًا أن الدول مطالبة بالتعاون من أجل إنهاء الصراعات بدل تعميق الانقسامات.

وشدد دونغ كذلك على ضرورة أن تؤدي دول الجنوب العالمي دورًا أكبر في معالجة النزاعات الدولية. والصين، بطبيعة الحال، تضع نفسها ضمن هذا الإطار، وتسعى إلى تقديم نفسها باعتبارها طرفًا قادرًا على التعبير عن مصالح هذه الدول ومواقفها في النظام الدولي.

وفي جوهر خطابه، دافع الوزير الصيني عن فكرة التعددية القطبية، منتقدًا في الوقت نفسه ما وصفه بسياسات التكتلات ومحاولات تشكيل تحالفات تستهدف أطرافًا أخرى.

لغة حذرة قبل لقاء شي وترامب

ورغم حدة بعض الرسائل السياسية، حرص دونغ جون على عدم توجيه انتقادات مباشرة إلى دول بعينها. وربما لم يكن ذلك مفاجئًا، خصوصًا أن بكين كانت تستعد في ذلك الوقت لزيارة الرئيس شي جين بينغ إلى الولايات المتحدة ولقائه بالرئيس دونالد ترامب.

كان اللقاء المرتقب يحمل أهمية خاصة في ظل التوترات المتراكمة بين واشنطن وبكين، ولذلك بدت الرسائل الصينية الرسمية محسوبة بعناية. فالصين تريد الدفاع عن رؤيتها للنظام الدولي، لكنها في الوقت نفسه لا ترغب في إغلاق الباب أمام الحوار مع الولايات المتحدة.

دبلوماسية صينية على هامش المنتدى

لم يكن حضور دونغ جون مقتصرًا على المنصة الرسمية. فقد استغل اليوم الأول لإجراء سلسلة من اللقاءات مع مسؤولين من دول مختلفة.

التقى وزير الدفاع الأرميني سورين بابيكيان، كما التقى نظيره الأذربيجاني زاكير حسنوف، حيث بحث الجانبان التعاون العسكري التقني. كما أجرى دونغ محادثات مع الأمين العام لرابطة دول جنوب شرق آسيا “آسيان” كاو كيم هورن، ووزيرة الدفاع الكمبودية ثيا سيخوي.

هذه اللقاءات عكست جانبًا آخر من استراتيجية المنتدى: فبكين لا تستخدمه فقط لعرض مواقفها، وإنما أيضًا لتوسيع شبكة اتصالاتها مع الدول الآسيوية ودول الجنوب العالمي.

عندما تحدث السفير السابق بصراحة أكبر

لكن ما لم يستطع وزير الدفاع الصيني قوله بصورة مباشرة، بسبب حساسية منصبه والمرحلة التي سبقت لقاء شي وترامب، عبّر عنه السفير الصيني السابق لدى الولايات المتحدة تسوي تيانكاي بوضوح أكبر.

فقد دعا تسوي إلى عدم بناء أوهام كبيرة حول المحادثات الصينية الأمريكية المرتقبة، معتبرًا أن اللقاءات رفيعة المستوى لن تكون كافية لحل القضايا الجوهرية بين البلدين.

والسبب، بحسب تسوي، هو غياب الثقة بين واشنطن وبكين، وهي مشكلة تتجاوز الخلاف حول ملف واحد لتشمل مجموعة واسعة من القضايا السياسية والأمنية والاقتصادية.

المنتدى الصيني في مواجهة شانغريلا

ويرى ألكسندر لوكين، مدير الأبحاث في معهد الصين وآسيا الحديثة التابع للأكاديمية الروسية للعلوم، أن منتدى شيانغشان يمكن النظر إليه باعتباره الرد الصيني على منتدى شانغريلا في سنغافورة.

فالصين، وفق هذه القراءة، تريد من خلال المنتدى أن تعرض موقفها المستقل من القضايا الدولية الأكثر إلحاحًا، وأن توفر منصة تجمع دولًا لا تنتمي إلى التحالفات الغربية.

ولهذا السبب، يحضر المنتدى ممثلون عن دول رابطة آسيان ودول الشرق الأوسط، إلى جانب دول أوروبية خارج الكتلة الغربية، مثل صربيا. أما الدول الغربية، فيقتصر تمثيلها في الغالب على الأكاديميين والخبراء المتخصصين في الشؤون العسكرية.

آسيا في قلب النقاش

يركز المنتدى بدرجة أساسية على القضايا الأمنية في آسيا. ومن بين الموضوعات المطروحة التعايش السلمي، والتوازنات الإقليمية، ومحاولات زيادة نفوذ حلف شمال الأطلسي في آسيا.

وتظهر في النقاشات أيضًا فكرة أكثر إثارة للجدل، وهي احتمال توسيع نطاق الحلف ليشمل آسيا، وهي مسألة تنظر إليها بكين باعتبارها جزءًا من محاولات إعادة تشكيل البيئة الأمنية المحيطة بها.

وفي المقابل، لا تحظى الحرب الروسية الأوكرانية بالمستوى نفسه من الاهتمام، إذ إن المنتدى يركز بصورة أكبر على الملفات الآسيوية والإقليمية.

واشنطن تريد أن تسمع مباشرة

هذه المرة، حمل الحضور الأمريكي دلالة خاصة. فقد وصلت إلى بكين سينثيا كاراس، مديرة شؤون الصين وتايوان في البنتاغون.

ورغم أن رتبتها أقل من مستوى كبار المسؤولين الذين عادة ما يمثلون القوى الكبرى في مثل هذه المنتديات، فإن وجودها يعكس رغبة أمريكية في الاستماع مباشرة إلى المواقف التي تطرحها بكين وشركاؤها.

وبحسب لوكين، فإن وزارة الدفاع الأمريكية تريد الحصول على رواية مباشرة لما يجري داخل المنتدى، بدل الاعتماد فقط على التقارير والتقديرات غير المباشرة.

أوكرانيا خارج مركز الاهتمام

وبحسب القراءة نفسها، فإن المشاركين الغربيين قد يدعون الصين إلى عدم تقديم الدعم لروسيا، لكنهم لن يجعلوا الحرب الروسية الأوكرانية محور المنتدى الأساسي.

ويرتبط ذلك بطبيعة المنتدى نفسه، الذي يركز على آسيا أكثر من أوروبا. ولهذا قد تُترك معالجة الملف الأوكراني بدرجة أكبر للأوروبيين، بينما تنصب النقاشات في بكين على الملفات التي تعتبرها الصين أكثر ارتباطًا بأمن القارة الآسيوية.

إيران تتقدم إلى الواجهة

في المقابل، تبدو إيران قضية أكثر حضورًا في النقاشات، باعتبارها دولة آسيوية وفاعلًا رئيسيًا في الشرق الأوسط.

وهنا تظهر مساحة جديدة للخلاف بين الصين والولايات المتحدة. فبكين، التي تقدم نفسها باعتبارها صوتًا لدول الجنوب العالمي، يُتوقع أن تنتقد السياسات الأمريكية تجاه إيران والمنطقة بصورة حادة.

وفي الوقت نفسه، قد تجد الصين قدرًا من التعاطف لدى عدد من المشاركين، بما في ذلك بعض الدول العربية، رغم تعرض بعضها لهجمات إيرانية، بسبب وجود مواقف ترى أن الولايات المتحدة تتحمل مسؤولية أساسية عن بدء التصعيد العسكري.

رسائل بكين قبل القمة

في النهاية، لا يبدو منتدى شيانغشان مجرد مؤتمر أمني آخر. فالحدث يمثل منصة تحاول من خلالها الصين ترسيخ رؤيتها لنظام دولي متعدد الأقطاب، وتعزيز علاقاتها مع دول الجنوب العالمي، ومواجهة ما تعتبره توسعًا للنفوذ الغربي في آسيا.

لكن خلف هذه الرسائل الدبلوماسية، تبرز مسألة أكثر حساسية: هل تستطيع بكين وواشنطن تجاوز حالة انعدام الثقة والوصول إلى تفاهمات حقيقية؟

فبينما تستعد الصين للقاء المرتقب بين شي جين بينغ ودونالد ترامب، تبدو التصريحات الصادرة من بكين حذرة، بل متشائمة في بعض الأحيان، بشأن إمكانية أن تؤدي القمة إلى حل القضايا الجوهرية.

وبذلك، يحمل منتدى شيانغشان رسالتين متوازيتين: الأولى أن الصين تريد الحوار، والثانية أن بكين لا تتوقع أن يكون الحوار وحده كافيًا لإنهاء الخلافات العميقة مع واشنطن.

 

الأكثر قراءة