الأكثر قراءة

رسائل روسيا إلى الشرق الأوسط…

جريدة الحرة بيروت

بقلم : د. خالد العزي مدونة د. خالد العزي

لماذا توقف وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف عند الوضع القائم في الشرق الأوسط، واستمرار المخاطر الأمنية، وتعزيز الوجود الإسرائيلي جنوبًا في سوريا ولبنان؟ ولماذا لم تتجه روسيا إلى ممارسة ضغط أكبر على الحكومة الإسرائيلية للكف عن هذه الممارسات في لبنان وسوريا، رغم أن الدولة الروسية تربطها علاقات مميزة مع الحكومة الإسرائيلية، إضافة إلى وجود جالية روسية كبيرة وفاعلة داخل إسرائيل ولها حضور في القرار السياسي؟

أم أن روسيا أصبحت مرتبطة أكثر بالموقف الإيراني، خصوصًا بعد ما يُطرح حول تقديم معلومات أو أهداف لإيران خلال المواجهات التي استهدفت إسرائيل، الأمر الذي أدى إلى انزعاج إسرائيلي وحدّ من قدرة روسيا على ممارسة دور ضاغط على الحكومة الإسرائيلية؟

أعاد وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف تسليط الضوء على هشاشة الوضع الأمني في الشرق الأوسط، محذرًا من استمرار المخاطر في المنطقة في ظل تعثر المسارات الدبلوماسية وتراجع فرص تثبيت التفاهمات التي كان يُنظر إليها باعتبارها مدخلًا لتخفيف حدة التوترات.

وقال لافروف إن مذكرة التفاهم الأميركية الإيرانية بشأن التسوية لم تدخل حيّز التنفيذ، معتبرًا أن عدم تنفيذها أبقى عوامل القلق الأمني قائمة، وأن استمرار الخلافات بين الأطراف المعنية يساهم في إبقاء المنطقة مفتوحة أمام احتمالات التصعيد.

وجاءت تصريحات الوزير الروسي خلال مؤتمر صحفي عقده بتاريخ 17 تموز 2026 في موسكو، عقب مباحثاته مع وزير الخارجية الأذربيجاني جيهون بايراموف، حيث بحث الجانبان عددًا من القضايا الدولية والإقليمية، وفي مقدمتها التطورات المتسارعة في الشرق الأوسط، التي باتت تشكل أحد أبرز ملفات السياسة الدولية في المرحلة الحالية.

وأشار لافروف إلى أن موسكو كانت تنظر بإيجابية إلى الخطوات التي اتخذتها الولايات المتحدة وإيران عند التوصل إلى مذكرة التفاهم، وأنها كانت تأمل أن تؤدي إلى مسار أكثر استقرارًا. إلا أنه أوضح، بحسب رؤيته، أن التطورات اللاحقة لم تحقق تلك التوقعات، مع تبادل الاتهامات بين الأطراف بشأن الالتزام ببنود التفاهم، واستمرار العمليات العسكرية والتوترات الميدانية.

وأضاف لافروف أن القيادة الإسرائيلية أعلنت عدم التزامها بأحكام المذكرة، كما أشار إلى تصريحات للرئيس الأميركي دونالد ترامب تفيد بأن الاتفاق لم يعد قائمًا بالنسبة إليه. ويرى الوزير الروسي أن هذا الوضع يعكس صعوبة الوصول إلى ترتيبات مستقرة في ظل غياب توافق واضح بين الأطراف المؤثرة. وفي سياق حديثه عن التطورات الميدانية، قال لافروف إن إسرائيل تتصرف بمنطق فرض الأمر الواقع في جنوب لبنان وجنوب سوريا، معتبرًا أن تعزيز مواقعها في هذه المناطق يجري بصورة نشطة ومستمرة. ووفق الرؤية الروسية، فإن مثل هذه التحركات تزيد من تعقيد المشهد الإقليمي وتؤثر على فرص الوصول إلى حلول سياسية طويلة الأمد.

فهل بات موقف روسيا موفقًا تجاه ما تقوم به إسرائيل من فرض أمر واقع؟ ولماذا لا تحاول موسكو الضغط على إسرائيل، التي تربطها بها علاقات جيدة مع حكومتها، للكف عن هذه السياسات، خصوصًا أن روسيا تمتلك قنوات اتصال وعلاقات سياسية معها؟

وهل أن طبيعة العلاقة الروسية الإيرانية أصبحت تؤثر على قدرة موسكو على لعب دور متوازن في المنطقة؟ وهل أدى التقارب الروسي مع إيران، وما يرتبط به من ملفات أمنية وعسكرية، إلى إضعاف موقع روسيا في التعامل مع إسرائيل والحد من قدرتها على ممارسة الضغط عليها؟

ويحمل الجنوب اللبناني والسوري أهمية خاصة في الحسابات الإقليمية، نظرًا لموقعه الجغرافي الحساس وقربه من مناطق شهدت لعقود مواجهات عسكرية وتوترات سياسية. فالمنطقة الحدودية لم تكن يومًا بعيدة عن تأثير الصراعات الكبرى، إذ تحولت مرارًا إلى ساحة تتقاطع فيها مصالح القوى المحلية والإقليمية والدولية.

ومنذ عقود، بقي جنوب لبنان تحديدًا منطقة تحمل آثار الحروب والتحولات السياسية. فالقرى الحدودية التي كانت تعتمد في حياتها اليومية على الزراعة والتنقل والتجارة، وجدت نفسها أمام واقع جديد فرضته الحواجز العسكرية والصراعات المتكررة. وأصبح سكانها يعيشون بين الحفاظ على حياتهم الطبيعية وبين تداعيات الأحداث الأمنية التي تتجاوز حدود قراهم.

كما أن جنوب سوريا يشكل بدوره نقطة حساسة في التوازنات الإقليمية، بسبب قربه من الحدود الإسرائيلية وتداخل العوامل الأمنية والسياسية فيه. ولهذا فإن أي تغيير في طبيعة الانتشار العسكري أو النفوذ على الأرض ينعكس على الحسابات الإقليمية الأوسع. وتأتي تصريحات لافروف في مرحلة تشهد فيها المنطقة تصاعدًا في المخاوف من توسع رقعة المواجهات، في وقت لا تزال فيه الملفات الكبرى، من العلاقات الأميركية الإيرانية إلى الوضع في لبنان وسوريا، تبحث عن مسارات تسوية تقلل من احتمالات التصعيد.

وبينما تختلف مواقف القوى الدولية حول تفسير التطورات الجارية وأسبابها، يبقى الواقع الميداني في الشرق الأوسط مرتبطًا بعوامل متعددة: أمن الحدود، ومصالح الدول، وحسابات القوى الإقليمية، ومستقبل التسويات السياسية.

إن رسالة لافروف الأساسية تتمحور حول التحذير من أن غياب الاتفاقات الفاعلة واستمرار سياسة فرض الوقائع على الأرض قد يؤديان إلى زيادة حالة عدم الاستقرار. وفي المقابل، تبقى المنطقة بحاجة إلى حلول سياسية توازن بين الاعتبارات الأمنية وحقوق الدول والشعوب، لأن استمرار الصراع لا يغيّر الخرائط فقط، بل يترك آثارًا عميقة على حياة الناس ومستقبل الأجيال.

https://hura7.com/?p=81763

الأكثر قراءة