
جريدة الحرة بيروت
بقلم: د. فريد لخنش
في ظل التحولات الجيوسياسية المتسارعة التي أعادت رسم خارطة الطاقة العالمية خلال السنوات الأخيرة، باتت مسألة تأمين إمدادات مستقرة ومستدامة تشكل أولوية قصوى لصناع القرار في القارة الأوروبية. وفي هذا السياق الاستراتيجي، تبرز منطقة شرق البحر المتوسط كأحد أهم الروافد الحيوية التي يعول عليها الاتحاد الأوروبي لتعويض النقص في مصادر الطاقة التقليدية. وتتويجاً لهذه المساعي، أعلنت نيقوسيا عن اتخاذ خطوات حاسمة لتطوير حقل “كرونوس” للغاز الطبيعي، وذلك في شراكة استراتيجية وثيقة مع عملاقي الطاقة العالميين؛ شركة “إيني” الإيطالية وشركة “توتال إنيرجيز” الفرنسية، مما يفتح آفاقاً رحبة لتعزيز التعاون الطاقي بين دول المتوسط والقارة العجوز.
قرار استثماري يغير قواعد اللعبة
لقد شهد الشهر الماضي انعطافة تاريخية في مسار الطاقة القبرصي، حيث أعلن وزير الطاقة القبرصي، مايكل داميانو، عن اتخاذ الشركات المشغلة للحقل قراراً استثمارياً نهائياً ببدء عمليات التطوير والإنتاج. هذا القرار تجاوز كونه مجرد إجراء فني أو تجاري روتيني، بل جاء نتيجة تقييمات دقيقة لجدوى المشروع ودوره في تعزيز أمن الطاقة الإقليمي. وفي حوار موسع له مع وكالة “أسوشيتد برس”، أكد داميانو أن هذا المشروع يمثل ركيزة أساسية ضمن الرؤية القبرصية للتحول إلى لاعب فاعل في سوق الغاز العالمي، ومورداً موثوقاً للطاقة البديلة التي تشتد الحاجة إليها في أوروبا التي تسعى بكل جهدها لتنويع قائمة مورديها والتحرر من الاعتماد الأحادي على مصادر معينة.
إن أهمية حقل “كرونوس” لا تتوقف عند حدود كونه مشروعاً لاستخراج الوقود الأحفوري، بل يمتد مداه ليشكل جسراً طاقياً يربط بين موارد شرق المتوسط المتنامية والأسواق الأوروبية المتعطشة. وتنظر نيقوسيا إلى هذا المشروع باعتباره تجسيداً لسياسة التكامل الإقليمي، حيث يتم توظيف التكنولوجيا والخبرات الأوروبية لاستغلال ثروات المتوسط، مما يخلق شبكة من المصالح المشتركة التي تعزز الاستقرار السياسي والاقتصادي في المنطقة.
خارطة الطريق: الربط الهيكلي والتصدير
وفقاً للخطط التشغيلية المعتمدة، فإن المرحلة القادمة تشهد ورش عمل مكثفة للبدء في مد شبكة أنابيب بحرية معقدة، تربط حقل “كرونوس” مباشرة بالبنية التحتية المتطورة الموجودة في حقل “ظُهر” المصري. وتمثل هذه الخطوة توجهاً هندسياً ولوجستياً يعتمد على الاستفادة من التسهيلات القائمة في مصر، وتحديداً محطة “دمياط” للتسييل، مما يساهم في توفير تكاليف الإنشاء والوقت مقارنة بالمشروعات المستقلة. ومن المتوقع أن تستمر عمليات الربط وتجهيز البنية التحتية لمدة تصل إلى عام ونصف، وهي فترة زمنية تعكس مدى جدية الشركات المشاركة والحكومات المعنية.
وبمجرد اكتمال هذه البنية الربطية، يتدفق الغاز الطبيعي عبر الأنابيب إلى المنشآت المصرية حيث يتم تحويله إلى غاز مسال، وهي العملية التي تتيح نقله عبر الناقلات العملاقة إلى الموانئ الأوروبية. وحسب الجداول الزمنية الموضوعة، فمن المرجح أن تبدأ الإمدادات الفعلية التي تغذي الأسواق الأوروبية بحلول مارس 2028. ومع أن التكلفة التقديرية للمشروع تبلغ حوالي ملياري دولار، إلا أن الوزير داميانو بين أن المكاسب الاستراتيجية تتجاوز بكثير مجرد الأرقام المالية أو العوائد المباشرة؛ فالهدف الأسمى يتمثل في وضع حجر الأساس لتدفقات الغاز وتحويل قبرص إلى نقطة ارتكاز محتملة في خريطة إمدادات الطاقة لأوروبا.
نموذج التكامل الإقليمي والمنافع المشتركة
يتبنى المشروع نموذجاً تعاونياً فريداً؛ فبموجب الاتفاقيات المبرمة، يُوجّه الجزء الأكبر من الغاز المستخرج للتصدير إلى القارة الأوروبية، بينما يُستخدم نحو خُمس الإنتاج لتلبية الاحتياجات المحلية المتزايدة للطاقة في مصر. هذا التوازن بين التصدير والاحتياجات الوطنية المصرية يعكس طبيعة الشراكة ويسعى لضمان استدامة المشروع وفعاليته التشغيلية.
وفي تحليل للمجلس الأطلسي حول التداعيات الجيوسياسية، أشار الخبراء إلى أن مشروع “كرونوس” قد يرسخ مكانة شرق المتوسط كمركز ثقل محتمل في قطاع الغاز العالمي. وبدلاً من النظر إلى الغاز القبرصي كبديل كلي للمصادر التقليدية، يبرز كإضافة نوعية تعزز مرونة الأسواق الأوروبية، وتمنحها خيارات أكثر تنوعاً في أوقات الأزمات، مما يساهم في تقليل حدة التقلبات السعرية وتخفيف المخاطر المرتبطة باضطراب سلاسل الإمداد.
أبعاد المشروع وتطلعات المستقبل
وفي تعليقه على هذه الخطوة، صرح باتريك بويانيه، الرئيس التنفيذي لشركة “توتال إنيرجي”، بأن “كرونوس” يعد المشروع الأول من نوعه في قبرص، مشيراً إلى أن نجاحه يمهد الطريق أمام تطوير مركز إقليمي متكامل للغاز في شرق المتوسط، معتمداً بشكل أساسي على البنية التحتية القائمة والناجحة في مصر.
ولا يقتصر المشهد على حقل “كرونوس” وحده؛ فهو يمثل واحداً من ستة حقول غاز كبرى تم التعرف عليها في المياه الإقليمية لقبرص. وفي سياق متصل، تتجه الأنظار نحو حقلي “غلاوكوس” و”بيغاسوس”، اللذين تقدّر احتياطياتهما بـ 6.9 تريليون قدم مكعبة، مع توقعات تشير إلى احتمال بدء شركتي “إكسون موبيل” و”قطر للطاقة” في استغلالهما وتصدير إنتاجهما بحلول عام 2033.
تأتي هذه المشاريع في مرحلة تتسم بالحساسية بالنسبة لأوروبا، التي تتعامل مع واقع تراجع إمدادات الغاز الروسي التي شكلت سابقاً العمود الفقري لصناعتها وتدفئتها. وتشير المؤشرات إلى أن الجهود الحالية المبذولة لتنويع سلة الإمدادات تمثل توجهاً استراتيجياً طويل المدى يهدف إلى بناء مستويات أعلى من الاستقرار الطاقي وتفادي مخاطر النقص المحتمل. ومن خلال دعم مشاريع مثل “كرونوس”، تحاول الأطراف المعنية صياغة مسارات تعاونية في شرق المتوسط تضمن تدفقاً منتظماً لمصادر الطاقة في المستقبل.
التقييم والقراءة المستقبلية
-
الاعتماد على البنية التحتية الحالية: يميل المختصون إلى تقدير جدوى استخدام منشآت حقل ظهر ومحطة دمياط كخيار هندسي يقلل من حجم التحديات الرأسمالية واللوجستية مقارنة بإنشاء خطوط أنابيب بحرية طويلة مستقلة.
-
المرونة التشغيلية: يمنح مسار التصدير عبر منشآت التسييل المصرية مرونة محتملة لتوجيه شحنات الغاز المسال وفقاً لمتطلبات الأسواق الأوروبية ومتغيرات الأسعار العالمية.
-
توزيع العوائد والمصالح: يسهم تخصيص جزء من الإنتاج محلياً في مصر في خلق حوافز مشتركة لاستمرار وتطوير الأنشطة الاستكشافية في المنطقة.
-
تسريع تطوير الحقول المجاورة: قد يحفز التقدم في حقل كرونوس الشركات المشغلة على محاولة تقليص الجداول الزمنية لتطوير الحقول الأخرى مثل غلاوكوس وبيغاسوس قبل حلول عام 2033.
-
تطور دور شرق المتوسط الطاقي: تشير التوقعات إلى احتمال تحول حوض شرق البحر المتوسط تدريجياً إلى عقدة إقليمية تربط موارد المنطقة بالأسواق الأوروبية ضمن شبكة مصالح متبادلة.
-
استقرار محتمل في تدفقات الإمدادات: من المرجح أن تسهم الكميات المنتظرة مع حلول عام 2028 في دعم قدرة الأسواق الأوروبية على مواجهة تحديات تقلبات الإمدادات بناءً على معدلات الإنتاج والطلب المتوقعة آنذاك.


