جريدة الحرة بيروت
وكالات ـ وجّهت موسكو تحذيرا شديد اللهجة للرعايا الأجانب والبعثات الدبلوماسية بضرورة مغادرة العاصمة الأوكرانية كييف في أسرع وقت ممكن. وجاء هذا التطور مصحوبا بإعلان وزارة الخارجية الروسية عزم قواتها شن “سلسلة من الضربات الممنهجة والمنسقة” بتوجيهات من الرئيس فلاديمير بوتين، لتستهدف ما وصفتها بـ”مراكز صنع القرار” ومقار القيادة، إضافة إلى منشآت الصناعات الدفاعية التي تعتمد عليها القوات الأوكرانية في العاصمة ومحيطها.
وفي إطار هذا التحرك، أجرى وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف اتصالا هاتفيا مع نظيره الأمريكي ماركو روبيو، أبلغه فيه رسميا بقرار موسكو تنفيذ هذه الضربات المنسقة والممنهجة. وجدد لافروف -خلال المكالمة- توصية بلاده للولايات المتحدة والدول الغربية الأخرى بضمان إجلاء فوري لموظفيها الدبلوماسيين ومواطنيها من كييف.
تصعيد روسي
وأكدت وزارة الخارجية الأمريكية حدوث الاتصال بين روبيو ولافروف، مشيرة إلى أن المباحثات تطرقت إلى ملف الحرب في أوكرانيا، ومسار العلاقات الثنائية، والوضع في إيران، دون تقديم تفاصيل إضافية بشأن الترتيبات الأمنية المتعلقة بالسفارة الأمريكية في كييف. كما دعت موسكو سكان العاصمة الأوكرانية إلى الابتعاد الفوري عن المنشآت العسكرية والإدارية تحسبا للضربات الوشيكة.
وتأتي هذه التحذيرات الروسية المتلاحقة في أعقاب موجة ضربات جوية مكثفة شنتها موسكو خلال عطلة نهاية الأسبوع الماضي، استخدمت فيها صاروخ “أوريشنيك” الباليستي الحديث القادر على حمل رؤوس نووية، واستهدفت الضربات عدة مناطق في أوكرانيا ولا سيما العاصمة كييف، مما أسفر عن مقتل 4 أشخاص على الأقل وإصابة نحو 100 آخرين.
وعزت الخارجية الروسية هذا التصعيد الحاد إلى ما وصفته بـ”الهجوم الدامي والمتعمد” الذي شكل “النقطة التي أفاضت الكأس”، إثر ضربة بطائرات مسيّرة نُسبت إلى القوات الأوكرانية، واستهدفت سكنا طلابيا يتبع لكلية مهنية في مدينة ستاروبيلسك بمنطقة لوغانسك الخاضعة للسيطرة الروسية شرقي أوكرانيا، مما أدى -بحسب الرواية الروسية- إلى مقتل 21 شخصا وإصابة أكثر من 40 آخرين.
موقف أوكرانيا
في المقابل، أكدت هيئة الأركان العامة للجيش الأوكراني أن قواتها استهدفت بالفعل عدة مواقع عسكرية روسية في تلك الليلة، بينها مقر قيادة وحدة عسكرية في منطقة ستاروبيلسك، دون أن تؤكد تفاصيل الخسائر البشرية في صفوف المدنيين التي أعلنتها موسكو. وفي ردود الفعل، قوبلت التهديدات الروسية برفض قاطع من كييف وحلفائها الغربيين، حيث وصف وزير الخارجية الأوكراني أندريه سيبيها التحذيرات الروسية بـ”الابتزاز”، داعيا شركاء بلاده إلى عدم الاستسلام ومواصلة تقديم الدعم العسكري والأسلحة للقوات الأوكرانية.
وعلى النحو ذاته، تجاهلت دول أوروبية التحذير الروسي، إذ أكدت وزارة الخارجية الفرنسية أنه من غير الوارد إجلاء دبلوماسييها من كييف لكونها “معتادة على تهديدات بوتين”. وأعلن سفير الاتحاد الأوروبي في كييف تمسُّك البعثة بالبقاء وعدم مغادرة العاصمة الأوكرانية تحت وطأة هذه التهديدات، والتي تعيد إلى الأذهان تحذيرات مماثلة أطلقتها موسكو مطلع هذا الشهر لإخلاء كييف قبل احتفالات “يوم النصر” في 9 مايو/أيار الجاري.
هل تقترب المواجهة الكبرى؟
يكشف التحذير الروسي الصارم للبعثات الدبلوماسية والرعايا الأجانب بضرورة مغادرة كييف عن مرحلة حرجة من التصعيد العسكري، حيث يتجاوز الموقف مجرد المناورات السياسية ليتحول إلى تمهيد ميداني لضربات عنيفة وممنهجة تستهدف عمق مراكز القرار الأوكراني. ويبدو استخدام موسكو لصاروخ “أوريشنيك” الباليستي بمثابة رسالة ردع استراتيجية مباشرة للقوى الغربية، في حين يمثل الاتصال الهاتفي بين لافروف وروبيو محاولة لرفع الحرج القانوني والسياسي قبل بدء الهجوم الموعود. هذا السلوك يوضح رغبة روسية حثيثة في تغيير قواعد الاشتباك وفرض واقع ميداني جديد، متذرعة بالهجوم الأوكراني الأخير على ستاروبيلسك كغطاء شرعي وأخلاقي لتبرير هذه الموجة غير المسبوقة من القصف المخطط له.
أمام هذا الضغط الروسي المتصاعد، يحمل الموقف الأوكراني والأوروبي المشترك مؤشرات واضحة على رفض الانصياع لاستراتيجية الترهيب، إذ يندرج الإصرار الفرنسي والأوروبي على بقاء البعثات الدبلوماسية داخل العاصمة في سياق إبطال مفعول الحرب النفسية التي تمارسها موسكو. يرى الحلفاء الغربيون في هذه التهديدات تكراراً لسيناريوهات سابقة لم تغير من واقع الصمود على الأرض، مما يدفع كييف إلى استغلال اللحظة للمطالبة بتدفق أسرع للمساعدات العسكرية. هذا العناد المتبادل يضع المنطقة أمام حافة هاوية حقيقية، حيث تتلاشى فرص الحلول الدبلوماسية وتتحول العاصمة الأوكرانية إلى ساحة اختبار مباشرة لمدى قدرة الغرب على تحمل التبعات الكارثية للضربات الروسية الوشيكة.


