الأكثر قراءة

إصدارات أسبوعية

روسيا تستهدف مسارات الدعم اللوجستي الأوروبية لأوكرانيا

جريدة الحرة بيروت

 المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات  ـ ألمانيا وهولندا ECCI

تشير التحذيرات الأمريكية المتداولة الموجهة إلى أوروبا إلى احتمال قيام روسيا باستفزاز محدود، أكثر من كونها تستعد لغزو تقليدي واسع النطاق. وسيكون الهدف هو إحداث انقسام في آلية صنع القرار داخل حلف شمال الأطلسي (الناتو)، وإضعاف الدعم المقدم لأوكرانيا، وكشف مدى الغموض بشأن رد فعل واشنطن.

اختبار آليات صنع القرار داخل الناتو

ينبغي النظر إلى التحذيرات الأمريكية المتداولة الموجهة إلى وارسو، والتي تفيد بأن روسيا قد تكون بصدد التفكير في تنفيذ استفزاز مسلح ضد بولندا، ليس بوصفها توقعًا لاندلاع حرب شاملة، بل بوصفها تحذيرًا من أسلوب موسكو المفضل في التصعيد: تصعيد محدود، يمكن إنكار المسؤولية عنه، ويهدف إلى إحداث اضطراب سياسي واختبار آليات صنع القرار قبل تحرك الجيوش.

وتشمل السيناريوهات المحتملة هجمات بطائرات مسيرة أو صواريخ تستهدف البنية التحتية الحيوية، أو حادثًا حدوديًا قصيرًا تشارك فيه قوات روسية أو بيلاروسية، أو توغلًا مدبرًا يمكن تبريره على أنه حادث عرضي، أو عملية إنقاذ، أو حادثة “راية زائفة”. ولن يكون الهدف بالضرورة الاستيلاء على أراض. بل سيكون خلق أزمة تجد فيها بولندا وحلف الناتو وواشنطن أنفسهم مضطرين إلى تحديد مقدار المخاطر التي هم مستعدون لتحملها ردًا على ذلك.

استهداف مسارات الدعم اللوجستي للمساعدات العسكرية

يكتسب هذا التمييز أهمية خاصة. فروسيا لا تحتاج إلى احتلال أراض بولندية لإحداث أزمة سياسية داخل الناتو. إذ يمكن لضربة تستهدف منشأة كهرباء، أو انفجار غامض بالقرب من طريق لوجستي، أو توغل قصير قرب الحدود، أن يثير جدلًا حول تحديد المسؤولية، ومدى تناسب الرد، وتفعيل المادة الخامسة من معاهدة الحلف. وسيكون تقدير موسكو أن هذا الجدل بحد ذاته جزء من العملية. ليست بولندا هدفًا هامشيًا.

فهي واحدة من أهم مسارات الدعم اللوجستي للمساعدات العسكرية الغربية إلى أوكرانيا، ودولة تقع على خط المواجهة داخل الناتو، كما تمثل مركز ثقل سياسيًا في أوروبا الوسطى. ويضع الهيكل الدفاعي للجناح الشرقي للحلف بولندا ضمن منظومة ردع أوسع تشمل الفيلق متعدد الجنسيات في الشمال الشرقي بمدينة شتشيتسين، والفرقة متعددة الجنسيات في الشمال الشرقي بمدينة إلبلونغ.

رفع كلفة الدعم الأوروبي لكييف

يبدو المنطق الاستراتيجي واضحًا. فقد تحولت حرب أوكرانيا إلى حرب استنزاف. وتعتمد قدرة أوكرانيا على مواصلة القتال ليس فقط على التعبئة الداخلية وصناعتها الدفاعية، وإنما كذلك على الذخائر الأوروبية، وأنظمة الدفاع الجوي، والتمويل، والاستخبارات، والدعم اللوجستي. وإذا لم تتمكن موسكو من هزيمة أوكرانيا بسرعة بصورة مباشرة، فقد تسعى إلى رفع كلفة دعم كييف بالنسبة للدول التي تواصل مساندتها.

ولذلك، فإن أي هجوم محدود على بولندا لا يحتاج إلى أن يكون حاسمًا عسكريًا. فالغرض منه سيكون نفسيًا وسياسيًا. إذ سيطرح على الرأي العام الأوروبي سؤالًا مفاده: هل لا يزال دعم أوكرانيا يستحق المخاطرة إذا بدا أن الحرب تقترب من حدودهم؟ كما سيمنح الأحزاب الداعية إلى التفاهم مع موسكو حجة جديدة، مفادها أن التسوية مع روسيا ضرورية لإبعاد الحرب.

أنشطة روسية تهدف إلى تأجيج التوترات

كان مسؤولون بولنديون قد حذروا بالفعل من أن الأجهزة الروسية قد تسعى إلى استغلال التوترات بين البولنديين والأوكرانيين من خلال عمليات تخريب وحملات معلوماتية. وقال توماش شيمونياك، الوزير المنسق للأجهزة الخاصة في بولندا، إن وارسو تستعد لاحتمال قيام روسيا بأنشطة تهدف إلى تأجيج تلك التوترات، بما في ذلك حول البنية التحتية العسكرية، والمنظمات الإنسانية، والمنشآت المرتبطة بالتعاون البولندي الأوكراني.

ويتماشى هذا التحذير مع نمط أوسع من الضغوط الروسية التي تبقى دون مستوى الحرب المعلنة. وهذه هي “المنطقة الرمادية” التي لطالما شعرت موسكو بالارتياح في العمل ضمنها: التخريب، والهجمات السيبرانية، وحملات التضليل، والضغط عبر الهجرة، وانتهاكات المجال الجوي، والحوادث المدبرة.

كما حذرت أجهزة الاستخبارات في لاتفيا من مؤشرات على أن روسيا قد تكون بصدد الإعداد لاستفزازات عسكرية ضد بولندا أو دول البلطيق، بينما يواصل المسؤولون في المنطقة التأكيد على أن التهديد الأكثر ترجيحًا على المدى القريب يتمثل في الهجمات الهجينة، وليس في هجوم عسكري تقليدي.

يشهد السياق السياسي الأوروبي تغيرًا. فقد أدت هزيمة فيكتور أوربان في الانتخابات البرلمانية المجرية التي جرت في أبريل من العام 2026 إلى إزالة أحد أكثر العوائق التي كانت موسكو تستفيد منها داخل الاتحاد الأوروبي. ومع عدم قدرة بودابست على مواصلة لعب الدور نفسه في عرقلة سياسات الاتحاد تجاه أوكرانيا، أصبحت لدى روسيا أدوات مؤسسية أقل لإبطاء الدعم الأوروبي.

وهو ما يزيد من أهمية ممارسة الضغوط المباشرة، وإحداث اضطرابات سياسية، ومحاولات تشكيل الرأي العام عبر التخويف. كما يمكن استغلال الخلافات البولندية الأوكرانية في هذا السياق.

فقد أدى قرار الرئيس كارول ناوروكي سحب وسام النسر الأبيض من الرئيس فولوديمير زيلينسكي بسبب تسمية إحدى الوحدات العسكرية الأوكرانية باسم “جيش التمرد الأوكراني” (UPA)، إلى تغذية جدل أوسع حول التاريخ والذاكرة والمسؤولية في زمن الحرب. وهذه القضايا حقيقية من الناحية السياسية، لكنها أيضًا مفيدة استراتيجيًا لموسكو عندما تضعف الافتراض القائل إن بولندا وأوكرانيا تواجهان التهديد نفسه.

تظل القضية المركزية هي الردع. فالخطر لا يكمن فقط في احتمال أن تضرب روسيا بولندا، وإنما كذلك في أن تعتقد روسيا أن بولندا وحلفاءها سيترددون، أو يختلفون فيما بينهم، أو يسعون إلى التفاوض قبل فرض ثمن على موسكو. وإذا كان هذا التصور موجودًا في موسكو، فإنه يشكل بحد ذاته مشكلة أمنية.

ولا يتمثل الرد في التصعيد الخطابي، بل في الاستعداد العملي: تعزيز الدفاعات الجوية على الجناح الشرقي للناتو، وتسريع تطوير قدرات مكافحة الطائرات المسيرة، وحماية البنية التحتية للطاقة والنقل، ووضع قواعد أوضح للرد على التوغلات، وزيادة الدعم لقدرة أوكرانيا على تقليص إنتاج روسيا من الصواريخ والطائرات المسيرة والصناعات الدفاعية.

وبالنسبة إلى بولندا ودول البلطيق، فإن الدفاع عن أوكرانيا ليس صراعًا بعيدًا، بل يمثل خط المواجهة الأمامي في منافسة أمنية أوروبية أوسع. وإذا خلصت روسيا إلى أن أي عدوان محدود على أراضي الناتو سيؤدي إلى انقسام أوروبا وإبطاء المساعدات العسكرية لكييف، فإن عتبة الاستفزاز ستنخفض. أما إذا خلصت إلى أن مثل هذا العمل سيعزز وحدة الناتو ويسرع دعم أوكرانيا، فإن عتبة الاستفزاز سترتفع.

ولذلك، ينبغي التعامل مع التحذير الأمريكي المتداول بوصفه اختبارًا سياسيًا قبل أن يتحول إلى اختبار عسكري. فهدف موسكو سيكون معرفة ما إذا كان الجناح الشرقي للناتو محميًا بقوة الردع الحقيقية، أم أنه يكتفي بالشعور بالطمأنينة دون ردع فعلي.

https://hura7.com/?p=81266

 

الأكثر قراءة