جريدة الحرة بيروت
المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
تنامت التحذيرات في العديد من العواصم الأوروبية خلال العام 2026 من أن الاستخبارات الروسية تشكل تهديدًا للانتخابات المقبلة في أكبر الديمقراطيات الأوروبية كفرنسا وألمانيا، وسط دعوات لمنصات التواصل الاجتماعي إلى تكثيف جهودها لمواجهة شبكات الروبوتات الروسية. وبذل المزيد من الجهود للتصدي لشبكات التضليل الروسية التي تستهدف المجتمعات الأوروبية.
تدخل روسي في الانتخابات الأوروبية
تشكل روسيا تهديدًا للانتخابات المقبلة في أكبر الديمقراطيات الأوروبية، ويتعين على منصات التواصل الاجتماعي “تكثيف” جهودها لمواجهة شبكات الروبوتات التابعة لموسكو، وفقًا لتحذير رئيس وكالة الدفاع النفسي السويدية. وقال ماغنوس يورت، المدير العام لوكالة الدفاع النفسي السويدية، في مقابلة مع “بوليتيكو”، إن الانتخابات تمثل “فرصة” أمام آلة حرب المعلومات التابعة للرئيس الروسي فلاديمير بوتين لمحاولة استقطاب المجتمعات الأوروبية وزرع الانقسامات داخلها.
وأضاف أن الهدف الرئيسي للكرملين يتمثل في دفع الناخبين إلى التشكيك في استمرار دعم سياسييهم لإرسال الأموال والأسلحة إلى كييف، وذلك من خلال نشر قصص زائفة حول الفساد في أوكرانيا وغيرها من الانتهاكات المزعومة. لا يعتقد يورت وفريقه أن موسكو تستهدف الانتخابات العامة المقررة في السويد خلال سبتمبر من العام 2026، ويرجع ذلك جزئيًا إلى أن البلاد تتمتع بدرجة كبيرة من الوحدة السياسية والشعبية حول سياسة دعم أوكرانيا.
وأكد إن روسيا تستهدف بدلًا من ذلك دولًا أكثر قوة تشهد انتخابات مرتقبة، من بينها ألمانيا وفرنسا، حيث يُتوقع أن تحقق أحزاب اليمين المتطرف، التي يُنظر إليها على أنها أكثر تعاطفًا مع موسكو، مكاسب سياسية. وقال يورت: “تقييمنا هو أن روسيا تعطي الأولوية لانتخابات أخرى ودول أخرى، لدول أكبر في أوروبا”.
وأضاف: “لدينا انتخابات في ألمانيا قادمة على المستوى الإقليمي والمحلي، ولدينا انتخابات رئاسية في فرنسا العام 2027”. وتأتي تصريحات يورت بعد تحذيرات من محاولات روسية للتأثير على الناخبين في ألمانيا في سبتمبر من العام 2026، إلى جانب الجدل الذي سبق الانتخابات السويدية المقررة يوم الأحد بشأن صلات مسؤول من اليمين المتطرف بموسكو.
وتزايدت المخاوف في ألمانيا بشأن الحرب الهجينة التي يشنها الكرملين، بما في ذلك هجوم بطائرة مسيرة على مطار لايبزيغ، فضلًا عن منشورات ومقاطع فيديو زائفة على وسائل التواصل الاجتماعي تتهم مرشحين للانتخابات بالفساد وارتكاب جرائم جنسية.
ومن المقرر إجراء انتخابات أخرى في برلين ومكلنبورغ-فوربومرن في 20 سبتمبر من العام 2026، وسط توقعات بتحقيق حزب البديل من أجل ألمانيا مكاسب قوية. وفي فرنسا، تتصدر مارين لوبان، التي واجه حزبها “التجمع الوطني” انتقادات سابقة بسبب مواقفه المتعاطفة مع روسيا، استطلاعات الرأي في السباق الانتخابي الذي يسبق الانتخابات الرئاسية المقررة العام المقبل.
مواجهة شبكات الروبوتات الروسية
استهدفت جهات مدعومة من روسيا السويد بحملات تضليل وتأثير خلال السنوات الأخيرة، بما في ذلك في الفترة التي سبقت انضمام البلاد إلى حلف شمال الأطلسي “الناتو”. وقال يورت إنه يريد من منصات التواصل الاجتماعي بذل المزيد من الجهود لتفكيك شبكات الحسابات الآلية التي تنشر المعلومات المضللة الأجنبية وتنفذ حملات للتأثير على الرأي العام.
وعندما سُئل عما إذا كان راضيًا عن الجهود التي تبذلها شركات مثل “ميتا” و”تيك توك” و”إكس” للتعامل مع المشكلة، أجاب: “بالنسبة إلى المنصات؟ لا، أعتقد أن المنصات يجب أن تفعل المزيد من أجل إبقاء منصاتها خالية من شبكات الروبوتات هذه. هناك مجال للتحسين”. وقال إن شركات التواصل الاجتماعي العملاقة لديها “أجندتها الخاصة”، وهي “كسب المال”. وأضاف: “لدينا أجندة مختلفة. نريد التخلص من شبكات الروبوتات التي تستهدف ديمقراطياتنا”.
وتابع: “بالطبع، هم لا يريدون وجودها على منصاتهم. هذه ليست المشكلة، لكن إزالتها تمثل عبئًا”. وأضاف يورت: “نحن بحاجة إلى تكثيف جهودنا. نحتاج إلى إيجاد وسائل أفضل لحماية ديمقراطياتنا. كما نحتاج إلى العمل مع نظرائنا في الدول الأوروبية، وإيجاد طريقة لإقامة حوار أكثر فاعلية بكثير مع المنصات”.
مواجهة آلة بوتين للتضليل
أكد يورت إن وكالته ترصد “تدفقًا مستمرًا” لعمليات التلاعب بالمعلومات والتدخل الأجنبي، القادمة من دول من بينها روسيا والصين وإيران. وخلال الأيام الأخيرة، عثر فريقه على أدلة على محاولة حملة تضليل موالية لروسيا باستخدام ما يعرف بأسلوب “ماتريوشكا”، أو “الدمية الروسية”. وأوضح أن هذا الأسلوب يهدف إلى تشتيت مدققي الحقائق والصحفيين وغيرهم، من خلال إرسال رسائل إلكترونية إليهم تقول: “انظروا ماذا يفعل الروس”.
وقال إن الفكرة تتمثل في دفعهم إلى متابعة المحتوى المشار إليه، والوصول إلى مقطع الفيديو الأصلي أو المادة المستهدفة، ثم نشرها مع تفنيدها بالقول: “هذا زائف”، ما يؤدي إلى إهدار وقتهم في التعامل معها. ويرى يورت أن أفضل طريقة للتعامل مع هذه الحملات تتمثل ببساطة في حرمانها من التفاعل الذي يمنحها انتشارًا. وقال: “يتعين تجاهل العديد من هذه الأمور”، بدلًا من الوقوع في “الفخ” الروسي.
وأوضح: “إنهم يريدون إشراكك، ويريدون منك أن تغضب، ويريدون إثارتك. يريدون منك أن تتفاعل وأن تشارك معلومات تؤدي إلى الاستقطاب لذلك من الأفضل تركها دون اهتمام”.
أوضح يورت إن جهة حكومية، لم تكشف السلطات عن اسمها علنًا، كانت مسؤولة عن شبكة روبوتات تضم 1200 حساب على منصة “إكس”، واستهدفت السويد ودولًا أخرى في محاولة لزرع الانقسام داخل المجتمعات. وأُطلق على الشبكة اسم “شبكة العطلات”، لأن الحسابات بدأت في الظاهر بمناقشة موضوعات غير حساسة مثل العطلات والرياضة وبلغ إجمالي ما نشرته الشبكة 50 ألف منشور وتعليق خلال عامي 2025 و2026، تضمنت آراء مصممة عمدًا لإثارة الانقسام، سواء عبر التأييد الشديد أو المعارضة الشديدة لقضايا سياسية رئيسية، وفقًا للوكالة.
وقال يورت: “هذه هي الطريقة التي يمكنك من خلالها العمل إذا كنت تريد استقطاب مجتمع”. وأكد رئيس الوكالة أن فريقه مستعد للتعامل مع أي تطورات قد تظهر خلال الأيام الأخيرة من الانتخابات السويدية، وأنه يعمل بشكل وثيق مع أجهزة الأمن والسلطات الانتخابية ووكالة الدفاع المدني، ضمن هيكل أُنشئ لحماية الديمقراطية.
لا يشعر يورت بالقلق من قدرة روسيا على التأثير في الحملة الانتخابية. وقال: “تقييمنا هو أننا لا نرى في الوقت الحالي أي حملة منسقة تستهدف السويد”. وأضاف أن أكبر خطر على انتخابات الأحد قد يكون ببساطة القلق المفرط بشأن التدخل الروسي.
وقال يورت: “ربما يكون الخوف من التدخل الأجنبي أحد أكبر المشكلات”. وحذر من أن “المبالغة في تقدير حجم التهديد قد تؤدي إلى أن يقول شخص ما إن الانتخابات لم تكن عادلة، وإن الانتخابات كانت مستهدفة”، مشيرًا إلى أن ذلك “قد يضر بتشكيل حكومة مستقرة بعد الانتخابات”.


