الأكثر قراءة

روسيا تصعّد الضغط على الناتو

جريدة الحرة بيروت

 المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات  ـ ألمانيا وهولندا ECCI

تعيد التحذيرات الأمريكية الأخيرة بشأن احتمال اختبار روسيا لصلابة حلف شمال الأطلسي النقاش حول مستقبل الأمن الأوروبي إلى الواجهة. ولا تشير التقييمات المتداولة إلى أن موسكو قررت شن حرب شاملة ضد الحلف، لكنها تطرح احتمال استخدام عمليات محدودة أو هجينة لقياس مدى استعداد أعضائه للرد، خصوصًا على الجناح الشرقي.

ويبدو أن التحول الأبرز في التقييمات الأمريكية يتعلق بتقدير استعداد موسكو للمخاطرة رغم استمرار الحرب في أوكرانيا. فوفقًا للتقارير، لم تعد الاستخبارات الأمريكية تستبعد قيام روسيا بمحاولة تصعيد ضد إحدى دول الناتو، في وقت تواجه فيه موسكو ضغوطًا متزايدة بسبب طول الحرب وعدم تحقيق أهدافها السياسية والعسكرية بالكامل.

ولا يعني ذلك بالضرورة هجومًا بريًا واسعًا. فالسيناريوهات الأكثر تداولًا تشمل هجمات إلكترونية، وأعمال تخريب، وعمليات سياسية، واستخدام مجموعات غير معلنة، أو هجمات زائفة تهدف إلى تحميل أوكرانيا المسؤولية. أما التوغل البري المحدود فيظل أكثر خطورة وأقل احتمالًا، لأنه قد يضع موسكو أمام التزام الحلف بتفعيل آليات الدفاع الجماعي.

وتكتسب بولندا ودول البلطيق أهمية خاصة في هذه الحسابات. فموقعها الجغرافي يجعلها جزءًا أساسيًا من الجناح الشرقي للناتو، كما أن دعمها القوي لأوكرانيا يجعلها عرضة لضغوط روسية محتملة. وقد شهدت المنطقة بالفعل سلسلة من الحوادث التي أثارت مخاوف بشأن احتمال اتساع نطاق المواجهة، من سقوط صواريخ إلى تحليق طائرات مسيّرة بالقرب من المجال الجوي لدول أعضاء في الحلف.

وتضيف حادثة الطائرة المسيّرة المفخخة في مطار لايبزيغ/هاله الألماني بعدًا آخر إلى المشهد. وحتى الآن، لا توجد أدلة نهائية تثبت مسؤولية روسيا عن الحادث، رغم توجيه بعض السياسيين الألمان اتهامات إلى موسكو. لكن أهمية المطار في نقل المعدات العسكرية تجعله جزءًا من النقاش حول حماية البنية التحتية الحيوية من عمليات التخريب أو الهجمات الهجينة.

وقد يكون هذا النوع من العمليات أكثر جاذبية لأي خصم يسعى إلى اختبار الحلف دون الدخول في مواجهة عسكرية مباشرة. فالهجمات الإلكترونية والتخريب والعمليات غير المنسوبة بوضوح يمكن أن تخلق خلافات حول طبيعة الرد، وتمنح صانع القرار مساحة للإنكار أو المناورة.

لكن قدرة روسيا على اختبار الناتو تعتمد كذلك على مدى تماسك الحلف. فالمادة الخامسة توفر أساسًا قويًا للردع، إلا أن طبيعة بعض الهجمات الهجينة تجعل تحديد لحظة تفعيل الرد الجماعي أكثر تعقيدًا. ولهذا فإن الحفاظ على وحدة الموقف السياسي قد يكون بنفس أهمية تعزيز القدرات العسكرية.

يظل من الضروري التعامل بحذر مع التحذيرات الاستخباراتية. فالتنبؤ بنوايا دولة خلال فترة زمنية تمتد من خريف 2026 إلى عام 2029 لا يعني أن قرارًا بالهجوم قد اتُخذ، كما أن ارتفاع مستوى المخاطر لا يساوي حتمية وقوعها. وقد تكون التحذيرات نفسها جزءًا من استراتيجية الردع التي تهدف إلى إبلاغ موسكو بأن أي محاولة لاختبار الحلف ستواجه باستعداد مسبق.

في النهاية، لا يتمثل التحدي أمام الناتو في الاستعداد لحرب شاملة فقط، بل في التعامل مع المنطقة الرمادية التي تقع بين السلم والصراع المفتوح. ومن الهجمات الإلكترونية إلى الطائرات المسيّرة والتخريب، قد تكون قدرة الحلف على اكتشاف العمليات الهجينة والرد عليها بشكل موحد هي العامل الأكثر أهمية في منع اختبار محدود من التحول إلى أزمة أكبر.

https://hura7.com/?p=82733

 

الأكثر قراءة