الأكثر قراءة

روسيا وإعادة التوازن إلى سوق الوقود المضطرب…

جريدة الحرة بيروت

بقلم : د. خالد العزي مدونة د. خالد العزي

تواجه روسيا ضغوطاً متزايدة للحفاظ على استقرار سوق الوقود المحلية، في ظل الضربات الأوكرانية المتكررة التي تستهدف مصافي النفط والبنية التحتية لقطاع الطاقة. وتتزامن هذه التحديات الداخلية مع ضغوط خارجية ناجمة عن العقوبات الغربية المفروضة على قطاع الطاقة الروسي، إلى جانب التحولات التي يشهدها سوق النفط العالمي في إطار سياسات تحالف “أوبك+” المتعلقة بإدارة الإنتاج والمنافسة على الحصص في الأسواق الدولية.

وتعكس هذه التطورات أزمة مزدوجة تواجهها موسكو؛ إذ تتعرض منظومة التكرير المحلية لضغوط تؤثر في قدرتها الإنتاجية، بينما يواجه قطاع الطاقة قيوداً خارجية تحد من مرونته في التعامل مع الأسواق العالمية. وتزداد أهمية هذا الملف بالنسبة لروسيا، نظراً إلى أن عائدات النفط والغاز تشكل أحد الركائز الأساسية لتمويل الموازنة العامة ودعم الإنفاق المرتبط بالعملية العسكرية في أوكرانيا

أما في حال استمرار الضغوط على قطاع الطاقة، فإن أي انخفاض في إنتاج أو تصدير المشتقات النفطية قد يؤثر في استقرار السوق المحلية، كما قد ينعكس على التدفقات المالية التي تعتمد عليها الدولة في تمويل التزاماتها الاستراتيجية. لذلك تتحرك الحكومة الروسية عبر مجموعة من الإجراءات العاجلة لضمان استمرار إمدادات الوقود داخلياً، وتقليل تداعيات الهجمات والعقوبات على منظومة الطاقة.

إجراءات حكومية لاحتواء أزمة الوقود

أكد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن الصعوبات الحالية في سوق الوقود “مؤقتة”، مشيراً إلى أن الحكومة تعمل على اتخاذ إجراءات تهدف إلى إعادة التوازن للسوق ومنع حدوث نقص في الإمدادات. وربط بوتين الأزمة جزئياً بمحاولات التأثير على موسم العطلات في روسيا، مؤكداً أن الوضع لا يمثل خللاً دائماً في منظومة الطاقة الروسية.

وفي هذا السياق، فرضت الحكومة الروسية حظراً على صادرات البنزين اعتباراً من الثاني من أبريل، قبل أن توسع القرار في الثامن من يوليو ليشمل وقود الديزل. كما أُدخلت تعديلات تشريعية تهدف إلى تشجيع شركات النفط على استيراد الوقود من الخارج لتلبية احتياجات السوق المحلية دون التسبب في ارتفاع الأسعار داخل البلاد.

وأوضح نائب رئيس الوزراء الروسي ألكسندر نوفاك أن الحكومة رفعت معدلات تشغيل المصافي القائمة إلى أقصى مستوى ممكن، وطرحت كميات الوقود المخزنة سابقاً في الأسواق، وقلصت فترات الصيانة، وأجلت بعض أعمال الصيانة الدورية، إضافة إلى الاستفادة من قدرات المصافي الصغيرة والمتوسطة.

المصافي الصغيرة كحل استراتيجي

وخلال اجتماع حكومي، طرح حاكم إقليم زابايكالسكي ألكسندر أوسيبوف فكرة إنشاء شبكة واسعة من المصافي النفطية الصغيرة في مختلف أنحاء روسيا. ويرى أوسيبوف أن المصافي الكبرى أصبحت أكثر عرضة للهجمات بسبب تركّز الإنتاج فيها، بينما سيكون من الصعب استهداف عدد كبير من المصافي الصغيرة المنتشرة جغرافياً. ودعا إلى زيادة مشاركة الشركات الصغيرة والمتوسطة في قطاع تكرير النفط. وأبدى الرئيس فلاديمير بوتين اهتماماً بالمقترح، داعياً إلى دراسة إمكانية توسيع دور الشركات الصغيرة في مجال التكرير. إلا أن الفكرة أثارت نقاشاً واسعاً بين الخبراء، إذ يرى بعضهم أنها قد تكون حلاً طويل الأمد، لكنها لا تقدم معالجة سريعة للأزمة الحالية.

ويشير المحلل سيرغي كوفمان إلى أن بناء حتى مصفاة صغيرة يحتاج إلى فترة تتراوح بين عام ونصف وعامين على الأقل، في حين تحتاج روسيا إلى كميات إضافية من البنزين في الوقت الحالي. ويرى أن سوق الوقود الروسية كانت مستقرة في الظروف الطبيعية، وأن إنشاء مصافٍ صغيرة يصبح أكثر أهمية فقط إذا استمرت المخاطر التي تستهدف منشآت التكرير خلال السنوات المقبلة.

من جهتها، ترى المحللة ناتاليا ميلتشاكوفا أن إنشاء شبكة واسعة من المصافي الصغيرة يحتاج إلى سنوات، موضحة أن بناء مصفاة واحدة قد يستغرق ستة أشهر في حال توفر مشاريع جاهزة، بينما قد يمتد إلى عام في حال البدء من الصفر. أما إنشاء شبكة وطنية متكاملة فقد يحتاج إلى ثلاث أو خمس سنوات على الأقل.

تكلفة المشروع وتحديات التمويل

يمثل التمويل أحد أبرز التحديات أمام مشروع المصافي الصغيرة، إذ تقدر تكلفة إنشاء شبكة بطاقة إنتاجية تصل إلى مليون طن سنوياً بما بين 150 و300 مليار روبل.  وترى ميلتشاكوفا أن ارتفاع سعر الفائدة الأساسي في روسيا وارتفاع تكلفة القروض المصرفية قد يدفعان الدولة إلى لعب الدور الرئيسي في تمويل المشروع، مع احتمال إصدار سندات خاصة لتوفير الموارد المالية اللازمة.

ورغم هذه التحديات، فإنها تؤيد توسيع شبكة المصافي الصغيرة، مستندة إلى تجارب بعض دول مجموعة السبع ومجموعة العشرين التي تعتمد على عدد كبير من المصافي الصغيرة لضمان وصول المنتجات النفطية إلى المدن والمناطق المختلفة. وترى أن وجود مصفاة صغيرة في كل منطقة روسية، أو مصفاة تخدم عدة مناطق متجاورة، يمكن أن يساعد في تحسين الخدمات اللوجستية الداخلية، خصوصاً في المناطق النائية والشمالية، إضافة إلى خفض الأسعار وتقليل الاحتكار في بعض الأسواق المحلية. كما أن انتشار عدد كبير من المصافي الصغيرة يجعل تعطيل قطاع التكرير أكثر صعوبة مقارنة باستهداف منشأة ضخمة واحدة.

تأثير الإجراءات على السوق العالمية

بالتوازي مع الإجراءات الداخلية، أثّر حظر تصدير الوقود الروسي على الأسواق العالمية، خاصة أن روسيا تعد من أكبر مصدري وقود الديزل في العالم. فقد أدى تقليص الصادرات إلى ارتفاع الأسعار العالمية، مع تأثر الدول التي تعتمد على الإمدادات الروسية. أما بالنسبة للبنزين، فإن الوضع أكثر تعقيداً، إذ يعتمد تحسن السوق المحلية على سرعة عودة المصافي إلى العمل بطاقتها الطبيعية. وتشير التقديرات إلى أن الإجراءات الحالية تبقى مؤقتة، وأن موسكو لا تخطط للتحول إلى مستورد دائم للمنتجات النفطية.

وتعد بيلاروسيا والهند من أبرز مصادر الواردات الحالية، مع احتمال انضمام الصين وبعض دول الاتحاد السوفيتي السابق إلى قائمة الموردين. إلا أن تعافي سوق البنزين العالمية من تداعيات الصراعات الدولية لم يكتمل بعد، ما يزيد من صعوبة عمليات الاستيراد. ولتشجيع الشركات على استيراد الوقود، عدلت الحكومة الروسية آليات الدعم المالي، بحيث تعوض شركات النفط عن الفارق بين الأسعار المرتفعة في الأسواق الخارجية والأسعار المحلية المنخفضة، ما يجعل الاستيراد أكثر جدوى اقتصادياً.

مستقبل سوق الوقود الروسي

ترى التقديرات أن استقرار السوق خلال الفترة المقبلة يعتمد على مجموعة من الإجراءات، أبرزها زيادة واردات الوقود، وتخفيف بعض متطلبات الجودة، إضافة إلى تراجع الطلب بشكل طبيعي مع انتهاء موسم الصيف. ومن المتوقع أن ينخفض استهلاك البنزين في روسيا اعتباراً من سبتمبر، ما قد يسمح للحكومة بالتخلي تدريجياً عن بعض الإجراءات الاستثنائية، بما فيها الاستيراد. غير أن ذلك يبقى مرتبطاً بالحفاظ على مستويات الإنتاج الحالية وضمان حماية المصافي من أي هجمات جديدة.

وفي حال عدم تعرض منشآت التكرير لهجمات إضافية، يمكن إصلاح معظم المصافي المتضررة خلال فترة تتراوح بين أسبوعين وشهرين، ما قد يساعد روسيا على استعادة جزء من استقرار سوق الوقود. في النهاية، تراهن موسكو على مزيج من الإجراءات العاجلة، تشمل حظر التصدير، وزيادة الإنتاج، والاستيراد المؤقت، وتسريع إصلاح المصافي، إلى جانب دراسة إنشاء شبكة من المصافي الصغيرة لتعزيز أمن الطاقة. إلا أن نجاح هذه السياسة سيظل مرتبطاً بقدرة روسيا على حماية منشآت التكرير واستعادة مستويات الإنتاج الطبيعية خلال الأشهر المقبلة.

https://hura7.com/?p=81502

الأكثر قراءة