الأكثر قراءة

إصدارات أسبوعية

روسيا والتهديدات البحرية: استجابة استراتيجية لحصار مضيق هرمز…

جريدة الحرة بيروت

بقلم : د. خالد العزي مدونة د. خالد العزي

لا شك أن حصار مضيق هرمز من قبل القوات البحرية الأمريكية أصبح أمرًا واقعًا، ويشكل تهديدًا خطيرًا لأمن الطاقة العالمي. هذا الوضع دفع روسيا ودول أخرى إلى الإسراع في البحث عن حلول لهذه الأزمة التي فرضت نفسها على الساحة العالمية. حيث ترى روسيا نفسها هدفًا للقرصنة البحرية المدعومة من الدول، وهو ما يزيد من المخاوف الروسية من تهديدات متزايدة على التجارة الدولية وأمنها. في وقت تتصاعد فيه التوترات العالمية، تواصل الدول الغربية محاولات الانتقام العسكري ضد آسيا، في محاولة لإضعاف روسيا واستنزاف مواردها. هذه التحولات خلقت بيئة جديدة للتجارة العالمية، حيث أصبحت الممرات المائية البحرية أكثر خطورة. قبل إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب فرض حصار على مضيق هرمز في 13 أبريل 2023، كانت هذه المخاطر قد بدأت تثير القلق في الأوساط الروسية.

أدى هذا التهديد المتزايد من الهجمات على ناقلات النفط والسفن الروسية في البحر، سواء في مضيق هرمز أو في مناطق أخرى من العالم، إلى دفع المسؤولين الروس إلى إعادة التفكير في استراتيجياتهم الوطنية في مجال النقل. ومن المتوقع أن تركز الاستراتيجيات القادمة على تطوير ممرات برية مع الدول الآسيوية وتعزيز شبكة النقل النهري المحلية، بهدف تقليل الاعتماد على الطرق البحرية التي أصبحت مهددة.

ورغم أن إعلان ترامب قد يبدو قرارًا متسرعًا وغير عقلاني، إلا أن العديد من الخبراء الروس يعتبرونه جزءًا من استراتيجية أكبر تهدف إلى استعادة الهيمنة الأمريكية على مستوى العالم. وتتهم روسيا في إعلامها ودبلوماسيها الولايات المتحدة بأن هذه السياسة تُعد جزءًا من مسعى أوسع للولايات المتحدة للسيطرة على موارد النفط واللوجستيات العالمية، في محاولة لاستعادة القيادة العالمية وسط تقدم الدول الآسيوية.

القرصنة البحرية والتهديدات التجارية

حصار الخليج العربي من قبل القوات الأمريكية باتت روسيا تعتبره قرصنة بحرية. هذه القرصنة التي تمارسها بعض الدول أصبحت واقعًا مقلقًا، حيث تشهد الممرات المائية الدولية تزايدًا في المخاطر مع تصاعد حدة الصراعات العالمية. ويضيف الخبراء أن الرد الروسي يجب أن يتضمن تعزيز النقل الداخلي داخل روسيا، وتوسيع خطوط النقل بين الشمال والجنوب. ويُعد هذا التحول جزءًا من استراتيجية روسية أوسع لضمان سلامة التجارة وحماية الاقتصاد في ظل تصاعد تهديدات الغرب.

في الوقت نفسه، فإن الجهود المستمرة للدول الغربية لإضعاف روسيا وإخراجها من منطقتي البحر الأسود وبحر البلطيق تندرج ضمن استراتيجية أمريكية أكبر، تهدف إلى القضاء على المنافسة في مجال صادرات الطاقة الروسية. وقد تجسدت هذه الاستراتيجية في الهجمات التي استهدفت محطات التصدير في بحر البلطيق والبحر الأسود، بالإضافة إلى تهديدات ناقلات الحبوب في بحر آزوف وتخريب ناقلات الغاز الروسية في البحر الأبيض المتوسط.

التحولات في الاستراتيجية الروسية للنقل

مع تصاعد المخاطر البحرية، يتزايد التركيز الروسي على تطوير استراتيجية نقل جديدة تعتمد بشكل أكبر على الطرق البرية والنهرية. فقد حذر الخبراء الروس من أن تصعيد المواجهات مع الناتو قد يعطل جزءًا كبيرًا من التجارة البحرية الخارجية لروسيا. وبالتالي، يعد تقليل الاعتماد على الممرات البحرية وتحويل الأنظار إلى طرق النقل البرية والنهرية من القضايا الحيوية بالنسبة للأمن القومي الروسي.

وفي هذا السياق، يتجه التركيز الروسي إلى بناء شبكة نقل مكتفية ذاتيًا في قلب أوراسيا، والتي تشمل جبال الأورال وسيبيريا والقطب الشمالي. هذه المناطق المقترحة تعد ذات أهمية خاصة في تقرير أعدته عدة منظمات، بما في ذلك المدرسة العليا للاقتصاد ومجلس السياسة الخارجية والدفاعية، حيث يُعتبر تحويل الاستراتيجية الوطنية للنقل أمرًا ضروريًا لمواجهة التحديات الجديدة التي فرضتها التطورات العالمية.

التحديات الغذائية والتهديدات الاقتصادية

يُعد تصاعد الأزمات في منطقة الشرق الأوسط، بما في ذلك حصار مضيق هرمز، بمثابة تهديد مباشر للأمن الغذائي العالمي، خاصة لدول المنطقة التي تعتمد بشكل كبير على التجارة عبر هذا الممر المائي الحيوي. حيث يعتقد المسؤولون الروس أن إغلاق المضيق يمكن أن يتسبب في تعطيل سلاسل الإمداد الغذائية، مما يهدد أمن الغذاء في العديد من الدول.

على الرغم من التحديات التي يواجهها الأمن الغذائي، يرى مجلس الأمن الروسي أن هذه الأوضاع قد تفتح آفاقًا جديدة للتعاون مع الدول الصديقة، خاصة تلك التي تنتمي إلى الاتحاد الاقتصادي الأوراسي ودول البريكس. ومن بين الحلول التي يقترحها المجلس، إنشاء احتياطيات غذائية مشتركة لضمان الاستقرار الغذائي على المدى الطويل.

القرصنة البحرية الإيرانية وتهديدات الأمن العالمي

فيما يتعلق بمضيق هرمز، أكد الحرس الثوري الإيراني على أنه لن يُسمح للسفن التابعة للدول المعادية لإيران بالمرور عبر هذا الممر الحيوي. وفي حال تعرض موانئ إيران لتهديدات، فقد يتم تنفيذ إجراءات تصعيدية قد تشمل إغلاق ممرات بحرية أخرى، بما في ذلك مضيق باب المندب. هذا التصعيد من إيران يعكس عدم استعدادها للرضوخ للضغوط الأمريكية، ويؤكد على التحديات المتزايدة التي تواجه التجارة العالمية في ظل هذه الأزمات المتشابكة.

إذن، يمكن القول إن ترامب قد نفذ ضربة عالية الدقة عبر حصار الخليج ومنع تدفق الناقلات نحو الشرق والغرب، مما أضر بمرور السفن الروسية. ورغم استفادة روسيا من ارتفاع أسعار النفط، إلا أن الأضرار التي لحقت بالتجارة البحرية تهدد استقرارها الاقتصادي. وفي هذا السياق، تحاول روسيا الوساطة لاحتواء الأزمة التي باتت تهدد أمنها القومي واقتصادها.

إن تصاعد القرصنة البحرية، سواء المدعومة من دول أو جماعات، يشكل تحديًا متعدد الأبعاد للأمن الدولي، ويعكس تحولًا كبيرًا في طرق التجارة العالمية التي كانت في الماضي تعتمد على الممرات البحرية المفتوحة. ومع تصاعد التوترات بين القوى الكبرى في العالم، يبدو أن العالم سيشهد تغييرات جذرية في استراتيجيات النقل والتجارة، وهو ما يستدعي من الدول الكبرى إعادة تقييم أمنها القومي ومواردها الاقتصادية.

https://hura7.com/?p=78098

الأكثر قراءة