الأكثر قراءة

روسيا والمستنقع الأوكراني: بين استنزاف الحرب واختبار تماسك الناتو…

جريدة الحرة بيروت

بقلم : د. خالد العزي مدونة د. خالد العزي

لا تزال الأزمة الأوكرانية تحتل صدارة المشهدين الإعلامي والسياسي الدوليين، في ظل استمرار الحرب وتواصل المساعي الروسية لفرض شروطها عبر القوة العسكرية. وتسعى موسكو إلى دفع كييف نحو قبول تسوية تتوافق مع رؤيتها، في وقت تتواصل فيه العمليات العسكرية التي خلفت خسائر بشرية ومادية واسعة، وطالت البنية التحتية الأوكرانية.

وفي هذا السياق، أعادت قمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) فتح النقاش الأوروبي حول مستقبل الأمن في القارة وقدرة الحلف على إدارة الحرب في أوكرانيا، في ظل استمرار العمليات العسكرية الروسية وتزايد المخاوف من اتساع رقعة الصراع. وبرز خلال القمة ملفان رئيسيان؛ الأول يتعلق بمدى قدرة دول الحلف، ولا سيما الأوروبية منها، على مواصلة تقديم الدعم العسكري والمالي لكييف، والثاني يرتبط بإعادة بناء الصناعات العسكرية الأوروبية بما يعزز القدرات الدفاعية للحلف ويقلل من الاعتماد على الولايات المتحدة.

سيناريوهات روسيا لاستكمال الحرب

بعد أكثر من ثلاث سنوات على اندلاع الحرب، تبدو موسكو متمسكة باستراتيجية تقوم على استثمار عامل الوقت، مستفيدة من استنزاف القدرات الأوكرانية والرهان على تراجع وحدة الموقف الغربي. ويمكن تلخيص أبرز السيناريوهات الروسية المحتملة في أربعة مسارات رئيسية.

أولاً: استمرار حرب الاستنزاف.

تواصل روسيا اعتماد استراتيجية تقوم على استنزاف القدرات العسكرية والاقتصادية الأوكرانية، سعياً إلى فرض وقائع ميدانية وسياسية جديدة تدفع كييف في نهاية المطاف إلى القبول بتسوية أقرب إلى الشروط الروسية، بعد أن تعثرت موسكو في تحقيق أهدافها عبر الحسم العسكري السريع أو الضغوط الدبلوماسية.

ثانياً: الإبقاء على الردع النووي.

لا تزال موسكو توظف التهديد باستخدام السلاح النووي التكتيكي ضمن استراتيجية الردع، بهدف الحد من توسع الدعم العسكري الغربي لأوكرانيا ومنع أي تدخل مباشر من جانب دول الناتو، مع الإبقاء على سقف التصعيد تحت مستوى المواجهة الشاملة.

ثالثاً: اختبار تماسك حلف الناتو.

يرى بعض المحللين أن روسيا قد تلجأ إلى عمليات هجينة أو استفزازات محدودة لا ترقى إلى مستوى الحرب المباشرة، لكنها تستهدف قياس سرعة استجابة الحلف ومدى تماسك أعضائه في تطبيق مبدأ الدفاع الجماعي، مع تجنب أي خطوة قد تؤدي إلى مواجهة عسكرية واسعة مع الناتو.

رابعاً: الرهان على الانقسام الغربي.

يبقى هذا السيناريو أحد أهم رهانات موسكو، إذ تراهن على تزايد التباينات داخل الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو بشأن استمرار تمويل وتسليح أوكرانيا، مستفيدة من الضغوط الاقتصادية والداخلية التي تواجهها بعض الحكومات الأوروبية.

في المقابل، تواجه روسيا تحديات متزايدة قد تؤثر في قدرتها على مواصلة الحرب بالوتيرة الحالية، من بينها استمرار الدعم العسكري الغربي لأوكرانيا، والتوسع المتسارع في الصناعات الدفاعية الأوروبية، والضربات الأوكرانية التي تستهدف منشآت الطاقة والبنية التحتية الروسية، إضافة إلى الضغوط الاقتصادية التي تلقي بظلالها على الداخل الروسي.

بولندا تحت مرمى المخاوف الأمنية

برزت بولندا بوصفها من أكثر الدول الأوروبية تشدداً في الدعوة إلى تعزيز القدرات الدفاعية لحلف الناتو، انطلاقاً من موقعها الجغرافي وقناعتها بأنها قد تكون في مقدمة الدول المعرضة لأي تصعيد روسي مستقبلي. وفي هذا السياق، أثار رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك اهتماماً واسعاً عندما تحدث عن تقارير استخباراتية تتناول احتمال سعي روسيا إلى “اختبار عزيمة الناتو” في الدفاع عن أراضي الدول الأعضاء. وتشير بعض هذه التقديرات إلى أن أي اختبار محتمل قد يتركز في الجناح الشمالي الشرقي للحلف، ولا سيما في بولندا أو دول البلطيق.

كما أشارت تقارير تداولتها وسائل إعلام بولندية إلى سيناريوهات افتراضية تتضمن هجمات بطائرات مسيرة أو عمليات هجينة، وربما محاولات توغل محدودة بالقرب من مدينة نارفا، بهدف قياس سرعة استجابة الحلف ومدى التزامه بتفعيل المادة الخامسة من معاهدة واشنطن الخاصة بالدفاع الجماعي. غير أن هذه السيناريوهات تبقى في إطار الفرضيات الاستخباراتية، ولم تتحول إلى مؤشرات معلنة تؤكد وجود قرار روسي بتنفيذ مثل هذه العمليات، إلا أنها تعكس حجم القلق الأمني المتزايد لدى بولندا ودول البلطيق.

تباينات داخل الناتو بشأن دعم أوكرانيا

في المقابل، كشفت تصريحات الرئيس السلوفاكي بيتر بيليغريني عن وجود تباينات متزايدة داخل الحلف بشأن استمرار الدعم العسكري والمالي لأوكرانيا. وأوضح أن عدداً من الدول الأعضاء لم يعد مستعداً للمشاركة في تمويل أو تسليح كييف، رغم استمرار الحرب.

وأشار إلى أن سلوفاكيا أبلغت الحلف بأنها لن تقدم مساعدات عسكرية جديدة لأوكرانيا ولن تشارك في تمويل برامج إضافية لتزويدها بالأسلحة. كما أكد أن الموقف المجري يتجه في الاتجاه نفسه، في حين أبدت حكومات أوروبية أخرى تحفظات على المشاركة في حزم دعم عسكرية جديدة. وتعكس هذه المواقف أن الإجماع الذي ميّز السنوات الأولى للحرب لم يعد بالقوة نفسها، وأن الحلف يواجه تحدياً مزدوجاً يتمثل في الحفاظ على وحدة الموقف السياسي، إلى جانب استمرار دعم أوكرانيا في مواجهة روسيا.

روسيا تنفي… والسيناريو يبقى افتراضياً

من جانبها، تنفي موسكو بشكل متكرر وجود أي نية لمهاجمة دولة عضو في حلف الناتو، كما تؤكد أنه لا توجد خطط لشن عمليات هجينة ضد أراضي الحلف. وتقول السلطات الروسية إن بعض الطائرات المسيّرة التي دخلت أجواء دول مجاورة خلال الأشهر الماضية كانت أوكرانية وانحرفت عن مساراتها، وليس نتيجة عمليات روسية متعمدة.

وفي ظل غياب أدلة معلنة تثبت وجود خطة روسية لاختبار صمود الناتو، تبقى معظم السيناريوهات المطروحة مستندة إلى تقديرات استخباراتية وتحليلات استراتيجية قد تصيب وقد تخطئ، وهو أمر شهدته أزمات دولية عديدة. وفي المقابل، يرى عدد من الخبراء أن أي محاولة روسية لاستهداف دولة عضو في الحلف، حتى وإن جاءت في إطار عملية هجينة محدودة، قد تؤدي إلى نتائج معاكسة، إذ من المرجح أن تعزز وحدة الناتو، وتدفع الدول الغربية إلى زيادة دعمها العسكري والسياسي لأوكرانيا، بدلاً من إضعاف هذا الدعم أو فرض تنازلات على الحلف.

خلاصة

تدخل الحرب الروسية الأوكرانية مرحلة أكثر تعقيداً، تتداخل فيها الحسابات العسكرية مع الضغوط الاقتصادية والسياسية داخل روسيا وأوروبا على حد سواء. وبينما تراهن موسكو على عامل الوقت وعلى احتمال تراجع التماسك الغربي، يسعى الناتو إلى تعزيز قدراته الدفاعية وإعادة بناء قاعدته الصناعية العسكرية تحسباً لصراع طويل الأمد.

وفي الوقت نفسه، تكشف التباينات داخل الحلف بشأن مستقبل دعم أوكرانيا أن التحدي لا يقتصر على مواجهة روسيا، بل يشمل أيضاً الحفاظ على وحدة القرار السياسي بين الدول الأعضاء. وبين التحذيرات الغربية من احتمال اختبار جاهزية الناتو، والنفي الروسي المستمر، يبقى هذا السيناريو في إطار التقديرات والاحتمالات، إلى أن تظهر معطيات ميدانية أو سياسية تغير من طبيعة الصراع القائم

https://hura7.com/?p=81536

الأكثر قراءة