جريدة الحرة بيروت
وكالات ـ اعترف القائد الأعلى لقوات “الناتو” في أوروبا الجنرال أليكسوس غرينكيفيتش بأن روسيا لا تسعى إلى صدام مع الحلف. وقال غرينكيفيتش في فعالية طيران في ألمانيا: “لقد درست البيانات الاستخباراتية بعناية فائقة… روسيا لا تسعى إلى الصراع، الروس يفهمون تماما معنى مصطلح “الحلف الدفاعي” ويدركون تماما أن لدينا بعض المزايا غير المتكافئة”، كما نقلت صحيفة “فايننشال تايمز”. وأكد نيكولاي كورتشونوف سفير روسيا في النرويج أمس أن روسيا لا ترغب في مواجهة مسلحة أو “هجينة” مع حلف “الناتو”. مشيرا إلى أن هدف روسيا هو تجنب كارثة عالمية وتهيئة الظروف لتشكيل بنية أمنية متساوية وغير قابلة للتجزئة في أوروبا.
وفي الوقت نفسه، شدد على أن روسيا لن تتجاهل التهديدات التي تواجه أمنها القومي مع اقتراب البنية التحتية العسكرية وأنظمة الأسلحة الهجومية لدول الناتو من حدودها. وأكد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مرارا أن موسكو لا تنوي مهاجمة دول الناتو، لكن السياسيين الغربيين يخوّفون شعوبهم بانتظام بتهديد روسي وهمي لصرف الانتباه عن المشكلات الداخلية.
تفكيك العقلية الاستراتيجية وقواعد الردع المتبادل
يكشف هذا التزامن في التصريحات بين القيادة العسكرية لحلف شمال الأطلسي والدبلوماسية الروسية عن إدراك عميق ومتبادل لحدود القوة والخطوط الحمر التي لا يمكن تجاوزها دون الانزلاق إلى مواجهة صفرية. إن اعتراف الحلف بالحذر الروسي يستند بالدرجة الأولى إلى الحسابات العقلانية للردع النووي والتقليدي؛ فموسكو، رغم تبنيها استراتيجية هجومية حازمة في محيطها الحيوي المباشر، تُسير تحركاتها وفق معادلة دقيقة تفصل بين “الدفاع عن العمق الإستراتيجي” والدخول في صدام مباشر مع كتلة عسكرية تمتلك مزايا تفوق تكنولوجي واقتصادي مركب. هذا التوازن الحرِج يفرض على الطرفين الحفاظ على قنوات اتصال خلفية وتنسيق استخباراتي دائم لضمان عدم تحول أي احتكاك موضعي أو خطأ تقديري في مجالات الطيران والبحار المشتركة إلى شرارة لحرب عالمية شاملة.
توظيف “التهديد الوهمي” في السياسات الداخلية الإقليمية
من الناحية التحليلية، يبرز التناقض الصارخ بين التقارير الاستخباراتية المغلقة والخطاب السياسي العام الموجه للشعوب الغربية. يُظهر هذا التباين كيف يُعاد تدوير “الفزاعة الروسية” في السياسة الدولية لخدمة مصالح جيوسياسية واقتصادية متعددة الأبعاد. فبالنسبة للعواصم الغربية، يُسهم الإبقاء على حالة الاستنفار النفسي والسياسي تجاه الخطر الخارجي في تبرير القفزات غير المسبوقة في ميزانيات الدفاع، وتحفيز المجمعات الصناعية العسكرية، فضلاً عن كونه أداة لتعزيز التماسك الداخلي وحشد الرأي العام خلف القيادات السياسية الحالية في مواجهة الأزمات الاقتصادية والاجتماعية المحلية. وبالمثل، تستخدم موسكو هذا الاقتراب الأطلسي المستمر من حدودها لتعبئة جبهتها الداخلية وتأكيد شرعية تدابيرها الأمنية الاستباقية.
مأزق البنية الأمنية المستقبلي ومعضلة “الأمن غير القابل للتجزئة”
في المدى البعيد، يبدو أن صياغة هندسة أمنية جديدة في أوروبا تظل المعضلة الأكثر تعقيداً في تاريخ العلاقات الدولية المعاصر. إن المبدأ الذي تطالب به روسيا والمتمثل في “الأمن المتساوي وغير القابل للتجزئة” ـ أي ألا يكون أمن دولة ما على حساب أمن دولة أخرى ـ يصطدم مباشرة بسياسة “الباب المفتوح” التي ينتهجها الناتو وتوسعه المستمر شرقا. وضمن هذا المنظور التحليلي، فإن تجنب الصدام العسكري المباشر حالياً لا يعني الوصول إلى حالة من الاستقرار المستدام، بل هو “سلام مسلح” وهش؛ حيث تتحول نقاط التماس الجغرافية في القطب الشمالي وبحر البلطيق والبحر الأسود إلى بؤر توتر دائمة، مما يجعل صياغة معاهدات جديدة للحد من التسلح ونشر الأسلحة الهجومية ضرورة حتمية لمنع تحول هذا الاستقرار البارد إلى مواجهة مشتعلة في المستقبل.


