الأكثر قراءة

روسيا ومصر وإيران: تقاطع مصالح وتحالف استراتيجي ثلاثي الابعاد …

جريدة الحرة بيروت

بقلم : د. خالد العزي مدونة د. خالد العزي

في الساحة الدولية الحالية، تتزايد التكهنات حول العلاقات بين روسيا، مصر، وإيران. لكن من المهم التوضيح أن ما يحدث بين هذه الدول ليس “تحالفًا عسكريًا ثلاثيًا” أو “محورًا شريرًا” كما قد يراه البعض، بل هو تقاطع مصالح براغماتي قوي يعتمد على التعاون في مجالات متعددة مثل الطاقة، الاقتصاد، والسياسة. دعونا نتناول هذه العلاقات بمزيد من التفصيل لفهم ديناميكيات هذا التعاون الثلاثي.

روسيا وإيران: شراكة استراتيجية طويلة الأمد

من أبرز مظاهر التعاون بين روسيا وإيران هو اتفاق الشراكة الاستراتيجية الشاملة بين البلدين، والذي يمتد لعشرين عامًا (موقّع في 2025). تشمل هذه الشراكة عدة مجالات حيوية، أبرزها التعاون العسكري، حيث تقدم روسيا دعمًا كبيرًا لإيران في مجالات الدفاع والأمن، بما في ذلك الصواريخ والتكنولوجيا العسكرية. كما يلتزم البلدان بتعزيز التعاون في قطاع الطاقة، وهو قطاع أساسي في اقتصاد إيران وروسيا، مع التركيز على مشروعات مشتركة في مجال النفط والغاز.

على الجانب الآخر، تلعب هذه الشراكة دورًا في تجنب العقوبات الغربية المفروضة على البلدين، حيث يساعد التعاون المشترك في إيجاد آليات لتجاوز العقوبات الاقتصادية. هذا التعاون، وإن كان لا يقتصر فقط على الأبعاد العسكرية والاقتصادية، إلا أنه يبرز كأداة استراتيجية هامة لتعزيز نفوذ الدولتين في المنطقة والعالم.

روسيا ومصر: علاقة استراتيجية مستقرة

من جانب آخر، تشهد العلاقات بين روسيا ومصر تطورًا ملحوظًا في السنوات الأخيرة، حيث أصبحت هذه العلاقة أكثر نضجًا واستقرارًا. تتعدد مجالات التعاون بين الدولتين، وأبرزها التعاون في مشاريع الطاقة النووية، مثل محطة الضبعة النووية، التي تمثل علامة بارزة في العلاقات المصرية-الروسية. علاوة على ذلك، تعد روسيا واحدة من أكبر شركاء مصر في مجال القمح، حيث تسهم روسيا بنسبة 75% من احتياجات مصر السنوية من القمح، وهو ما يعزز العلاقة الاقتصادية بين البلدين.

إضافة إلى ذلك، تسعى روسيا لإقامة منطقة صناعية في قناة السويس، مما يسهم في تعزيز التعاون الصناعي والتجاري بين الطرفين. هذا التعاون يمثل مصلحة استراتيجية مصرية من ناحية تأمين احتياجاتها الاقتصادية، بينما يسمح لروسيا بتوسيع نفوذها في المنطقة.

مصر وإيران: العلاقات تتحسن بسرعة

على الرغم من أن العلاقات بين مصر وإيران كانت متوترة لفترة طويلة بسبب الاختلافات السياسية والأيديولوجية، إلا أن الوضع قد بدأ يتغير بشكل ملحوظ. العلاقات بين البلدين تتحسن بسرعة، حيث تم تبادل السفراء في فبراير 2026، وهو ما يعد خطوة كبيرة نحو تطبيع العلاقات.

في السياق ذاته، بدأت مصر تلعب دور الوسيط الرئيسي في الأزمة الإيرانية، خاصة فيما يتعلق بالملف النووي الإيراني والعلاقات مع القوى الكبرى. هذا الدور يضع مصر في موقع قوي كداعم للاستقرار في المنطقة ويساعدها على تعزيز مكانتها في محيطها الإقليمي.

التعاون في إطار BRICS: محاولة لبناء نظام دولي جديد

من الناحية السياسية، تشترك الدول الثلاث في عضويتها في مجموعة الـBRICS، وهو تجمع من الدول النامية الكبرى التي تسعى لبناء نظام دولي بعيد عن الهيمنة الأمريكية. هذا التعاون داخل BRICS يعكس رغبة مشتركة لدى روسيا، مصر، وإيران في التوجه نحو عالم متعدد الأقطاب، حيث لا تكون الهيمنة الأمريكية هي العامل الحاسم في توجيه السياسات العالمية.

مصر: لعبة التوازن الذكي

تلعب مصر دورًا بارزًا في هذا التعاون الثلاثي، حيث تسعى لتحقيق توازن ذكي بين جميع القوى الكبرى في المنطقة. فهي تحافظ على علاقات مستقرة مع الغرب، خاصة الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، في الوقت نفسه الذي تعزز فيه علاقاتها مع روسيا وإيران. هذا التوازن يعكس سياسة خارجية مرنة تهدف إلى حماية الأمن القومي المصري من خلال التنوع في الشراكات الاقتصادية والعسكرية.

تعاون مصالح بحت

في النهاية، يمكن القول إن التعاون بين روسيا، مصر، وإيران هو في الأساس تعاون قائم على المصالح البراغماتية، وليس تحالفًا أيديولوجيًا أو رسميًا. تسعى كل دولة إلى تعزيز مصالحها الخاصة في مجالات متعددة، سواء كانت اقتصادية، أمنية، أو سياسية، مع الحفاظ على توازن دقيق في علاقاتها مع القوى الكبرى في العالم.

مصر، على وجه الخصوص، تركز على حماية أمنها واقتصادها من خلال تقوية علاقاتها مع مختلف الأطراف، بينما تسعى روسيا لتوسيع نفوذها في المنطقة، وإيران تحاول كسر عزلتها الدولية. هذا التعاون لا يعكس وحدة أيديولوجية، بل مزيجًا من المصالح المشتركة التي تسهم في تشكيل نظام دولي متعدد الأقطاب بعيدًا عن الهيمنة الأمريكية.

المصالح أولاً، والتحالفات لاحقًا…

في النهاية، فإن التعاون بين روسيا، مصر، وإيران يظل قائمًا على المصالح البحتة، بعيدًا عن الأيديولوجيا أو التحالفات التقليدية. كل دولة في هذا الثلاثي تسعى لتعزيز موقعها على الساحة الدولية بما يخدم مصالحها الاقتصادية، الأمنية، والجيوسياسية. في هذا السياق، تبرز روسيا ومصر في مقدمة هذا التعاون كثنائي متين يركز على المصالح الاستراتيجية المشتركة، مثل المشاريع الاقتصادية الكبرى في مجالات الطاقة والقمح، والتعاون الصناعي في منطقة قناة السويس، بالإضافة إلى الدور البارز لمصر في تأمين احتياجات روسيا الاقتصادية في منطقة الشرق الأوسط. هذا التعاون يبدو أكثر نضجًا واستقرارًا مقارنة بالتحالف بين روسيا وإيران.

فعلى الرغم من أن روسيا وإيران تتمتعان بشراكة استراتيجية كبيرة، ولا سيما في مجالات الطاقة والتهرب من العقوبات الغربية، إلا أن هذه الشراكة تظل محكومة بالتحديات الإقليمية والدولية. إيران، رغم تحسن علاقاتها مع روسيا، تواجه ضغوطًا من المجتمع الدولي بسبب ملفها النووي وتدخلاتها الإقليمية، وهو ما يجعل تحالفها مع روسيا أكثر هشاشة من تحالف روسيا مع مصر، الذي يظل أكثر استقرارًا وأقل تعقيدًا على المستوى الإقليمي والدولي.

مصر، من جانبها، تحتفظ بسياسة خارجية مرنة لا تتبنى مواقف صارمة ضد أي من الأطراف، بل تسعى لتحقيق توازن استراتيجي يسمح لها بتوسيع نطاق علاقاتها مع مختلف القوى العالمية. هذا التوازن يجعل من مصر لاعبًا رئيسيًا في المنطقة، حيث تتمتع بعلاقات وثيقة مع القوى الغربية وفي نفس الوقت تعزز تعاونها مع روسيا، خاصة في الملفات الاقتصادية الحساسة مثل الطاقة النووية والموارد الزراعية.

وعلى الرغم من أن إيران تسعى إلى تعزيز مكانتها عبر تحالفاتها مع روسيا، إلا أن هذه العلاقات ليست بنفس القوة التي تجمع روسيا بمصر. روسيا ومصر تلتقيان في العديد من الملفات الاستراتيجية التي تعود بالنفع على كل طرف، من خلال التعاون في مجالات الطاقة والبنية التحتية والاقتصاد، مما يعكس تحالفًا أكثر تكاملًا وأقل تعقيدًا من التحالف بين روسيا وإيران.

إجمالًا، فإن تحالف روسيا ومصر يعد أكثر تماسكًا وواقعية مقارنة بالتحالف مع إيران. مصر، التي تلعب دور الوسيط بين القوى الكبرى في المنطقة، تسعى لتوسيع نفوذها الاقتصادي والسياسي من خلال علاقاتها المتوازنة مع الجميع. من جهة أخرى، تسعى إيران لتجاوز عزلتها الدولية، لكن هذا لا يعفيها من التحديات السياسية والعقوبات التي تفرضها القوى الغربية عليها، مما يجعل تحالفها مع روسيا أكثر تعقيدًا في ظل الأوضاع الإقليمية والدولية المتغيرة.

في ضوء ذلك، يمكننا القول إن هذه العلاقات بين الدول الثلاث، رغم أنها تقوم على تقاطع مصالح اقتصادي وأمني، لا تترجم إلى تحالفات ثابتة أو أيديولوجية، بل هي انعكاس للواقع السياسي والاقتصادي الذي يحرك العلاقات الدولية في عالم متعدد الأقطاب. التعاون بين روسيا ومصر يمثل نموذجًا للتحالفات التي تبنى على أسس استراتيجية ناضجة ومستقرة، بينما يظل التعاون بين روسيا وإيران محكومًا بالظروف الإقليمية والدولية التي لا تزال تشكل تحديات كبيرة للطرفين.

بالنهاية، مصر، في سعيها لحماية أمنها القومي وتعزيز موقعها الدولي، تُظهر بوضوح كيف يمكن للدول أن تلعب على عدة جبهات وفي وقت واحد، بينما روسيا تستفيد من هذا التعاون لتوسيع نفوذها في المنطقة، وإيران تحاول استثمار الفرص التي تقدمها هذه التحالفات للخروج من عزلتها.

https://hura7.com/?p=77379

الأكثر قراءة