الأكثر قراءة

روسيا : يجب إعادة تنظيم مهام القواعد الروسية في سوريا

جريدة الحرة ـ بيروت

بقلم : د. خالد العزي  مدونة د. خالد العزي

في تصريحات جديدة إلى تلفزيون “روسا اليوم” الناطق بالعربية بتاريخ 9 أكتوبر الحالي، والتي أثارت الكثير من الاهتمام، أكد وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، استعداد موسكو لاستمرار التعاون مع سوريا وتنفيذ مشاريع مشتركة. ومع ذلك، أشار لافروف إلى ضرورة تعديل هذه المشاريع بما يتناسب مع الظروف الجديدة في المنطقة، موضحًا أن إعادة تنظيم مهام القواعد العسكرية الروسية في سوريا تأتي في إطار هذا التعديل.

روسيا في سوريا: استمرارية التواجد وتعديل المهام

يعد التواجد العسكري الروسي في سوريا أحد أبرز العوامل التي ساهمت في تعزيز مكانة موسكو كقوة إقليمية مؤثرة في الشرق الأوسط. منذ تدخلها العسكري في 2015 لدعم الحكومة السورية بقيادة الرئيس بشار الأسد، نجحت روسيا في تحقيق العديد من الأهداف الاستراتيجية والسياسية. ومع تغير الوضع في المنطقة، فإن موسكو تدرك أن استراتيجيتها العسكرية يجب أن تتكيف مع التحولات المحلية والدولية لتظل قادرة على فرض نفسها كلاعب رئيسي في الأزمة السورية.

إعادة هيكلة المهام العسكرية الروسية في سوريا

يؤكد سيرغي لافروف، وزير الخارجية الروسي، أن القواعد العسكرية الروسية في سوريا لا تقتصر على دعم الحكومة السورية في حربها ضد المعارضة المسلحة. هذا التواجد العسكري يتطور ليشمل مهامًا جديدة تساهم في استقرار المنطقة بشكل أوسع. إعادة هيكلة مهام هذه القواعد تتضمن أولاً التكيف مع المتغيرات السياسية في المنطقة، مثل تصاعد التوترات الإقليمية بين القوى الكبرى، وتغير تحالفات بعض الدول العربية.

هذه إعادة الهيكلة تهدف إلى تعميق الدور الروسي في الأزمة السورية، بحيث لا تقتصر أهدافها على الصراع العسكري التقليدي، بل تصبح روسيا لاعبًا رئيسيًا في مجالات أخرى، مثل الدعم الإنساني، إعادة الإعمار، وحتى الدبلوماسية الإقليمية. وبهذا الشكل، تسعى موسكو إلى تعزيز صورتها كقوة تُساهم في الاستقرار والتنمية في المنطقة بدلاً من مجرد طرف في نزاع عسكري.

دور القواعد الروسية: تواجد عسكري وإنساني في آن واحد

من الأهداف الأساسية لروسيا في سوريا هو استثمار القواعد العسكرية لتكون محاور لا تقتصر على الأنشطة العسكرية، بل أيضًا لتقديم المساعدات الإنسانية. في الماضي، كانت القواعد العسكرية في سوريا بمثابة مراكز لإدارة العمليات الحربية، بينما الآن بدأ الحديث عن تحويل هذه القواعد إلى نقاط انطلاق للمساعدات إلى مختلف المناطق، سواء في سوريا أو خارجها. فمثلاً، يمكن أن تُستخدم كمنطلقات لإرسال المساعدات الإنسانية إلى دول أخرى في منطقة الشرق الأوسط، مثل دول الخليج، أو حتى بعض الدول الإفريقية التي قد تكون بحاجة إلى الدعم اللوجستي والإنساني في ظل أزمات إنسانية متصاعدة.

هذا التحول في دور القواعد العسكرية من مجرد أدوات للهيمنة العسكرية إلى مراكز لتوزيع المساعدات يعكس تغيرًا في النظرة الروسية للأوضاع في المنطقة. من خلال هذا الدور الإنساني، تسعى روسيا إلى تعزيز صورتها كقوة كداعم للاستقرار والتنمية في المنطقة، وهو أمر قد يكون له تأثير إيجابي على علاقاتها مع دول الشرق الأوسط والعالم العربي، التي لا ترغب في النظر إلى روسيا فقط كداعم للنظام السوري، بل كداعم للسلام الإقليمي.

الوجود العسكري الروسي: شراكة استراتيجية مع دمشق ودول المنطقة

واحدة من السمات الرئيسية لتواجد روسيا العسكري في سوريا هي التنسيق المستمر مع الحكومة السورية. لافروف يكرر أن موسكو لا تسعى لفرض إرادتها على دمشق، بل تسعى لتقديم الدعم من خلال احترام سيادة الدولة السورية. هذا التنسيق المتبادل يعكس قوة العلاقة بين روسيا وسوريا، وهو أمر يسعى الجانبان إلى تعزيزه بما يتماشى مع المصالح المشتركة. فروسيا تدرك أن الاستقرار في سوريا لن يتحقق دون تعاون وثيق مع الحكومة السورية، وهو ما يعزز من فرص موسكو في أن تصبح الطرف الأكثر تأثيرًا في التسوية المستقبلية للنزاع السوري.

وفي ذات الوقت، فإن وجود القواعد الروسية في سوريا يعزز من قدرة موسكو على تقوية تحالفاتها مع دول إقليمية أخرى، مثل إيران و حزب الله في لبنان، وكذلك مع دول عربية تفضل الحفاظ على علاقات استراتيجية مع روسيا نظرًا لتوازنها في إدارة الملفات الإقليمية والدولية.

الاستراتيجية العسكرية الروسية: التكيف مع التغيرات الإقليمية

منذ بداية النزاع السوري، كانت روسيا تعمل على تعزيز وجودها العسكري في المنطقة من خلال نشر القواعد الجوية والبحرية. وبدأت موسكو في استثمار هذا الوجود لتعميق شراكاتها الاستراتيجية مع دمشق، ولكن مع تقدم الأحداث العسكرية في سوريا وتراجع التهديدات المباشرة ضد النظام السوري، يبدو أن روسيا تحاول إعادة صياغة أدوار هذه القواعد لتتواكب مع التغيرات الجديدة.

على سبيل المثال، قد تسهم القواعد الروسية في سوريا في دعم العمليات العسكرية ضد الجماعات الإرهابية، مثل تنظيم داعش، ولكن مع تحسن الأوضاع الأمنية، تتجه روسيا إلى تعزيز دورها كوسيط إقليمي و مساعد إنساني في أزمات مثل تلك التي تعيشها بعض دول الشرق الأوسط وإفريقيا. إذا نجحت موسكو في تحويل هذه القواعد إلى مراكز دبلوماسية وإنسانية، فإنها بذلك تصبح طرفًا لا غنى عنه في أي نقاش إقليمي مستقبلي.

المساعدات الإنسانية: أولوية جديدة في السياسة الروسية

فيما يخص تقديم المساعدات الإنسانية، أشار لافروف إلى إمكانية استخدام القواعد العسكرية في سوريا كنقاط انطلاق للمساعدات من روسيا ودول الخليج إلى الدول الإفريقية. هذه النقطة تشير إلى تحول في طبيعة التواجد العسكري الروسي، بحيث يصبح له دور إنساني ملموس. فبدلاً من أن يقتصر دور القواعد على الأنشطة العسكرية فقط، فإنها ستساهم في تحسين الوضع الإنساني في العديد من المناطق التي تحتاج إلى الدعم.

تعاون مع الدول الأخرى: شراكات استراتيجية

أكد لافروف أيضًا أن روسيا مستعدة لدعم شركائها السوريين في جميع المجالات، وأن موسكو تسعى إلى التعاون مع دول أخرى تسعى لتحقيق مصالحها في سوريا. هذا التعاون يمكن أن يشمل دولًا إقليمية ودولية، وهو ما يعكس سعي روسيا لتوسيع دائرة علاقاتها في المنطقة بما يتناسب مع مصالحها الاستراتيجية.

وعلى الرغم من التحديات والضغوط الدولية التي تواجه روسيا في سوريا، فإن موسكو تواصل التأكيد على أهمية تعزيز الاستقرار في المنطقة من خلال التعاون مع الحكومة السورية والدول الشريكة. من خلال هذا التعاون، تسعى روسيا إلى بناء شبكة من العلاقات متعددة الأطراف التي تسهم في تحقيق أهدافها الإقليمية والدولية.

تأجيل القمة الروسية العربية: تداعيات سياسية

في ختام المقابلة، أعلن الكرملين عن تأجيل القمة الروسية العربية التي كانت من المقرر عقدها في موسكو الأسبوع المقبل. وقد جاء هذا التأجيل في ظل تطورات الوضع في غزة، خاصة مع تكثيف الجهود الدولية بشأن وقف إطلاق النار. هذا التأجيل يعكس التأثيرات الكبيرة التي قد تطرأ على العلاقات الدولية نتيجة للأحداث السياسية الدائرة في المنطقة.

إلا أن هذا التأجيل لا يعني بالضرورة تراجع روسيا عن التزامها بتعزيز علاقاتها مع العالم العربي. بل على العكس، قد يكون مجرد تأجيل تكتيكي بهدف ضمان التوقيت المناسب لعقد القمة في ظل الأوضاع الدولية الأكثر استقرارًا.

روسيا وسوريا والعالم العربي

من خلال تصريحات لافروف وتوجهات السياسة الروسية في سوريا، يبدو أن روسيا تسعى لتكييف وجودها العسكري مع متطلبات جديدة في المنطقة. إعادة هيكلة القواعد العسكرية الروسية لتشمل أدوارًا إنسانية، وتعزيز التعاون مع دول أخرى، هو جزء من استراتيجية أوسع تهدف إلى تعزيز النفوذ الروسي في الشرق الأوسط. في هذا السياق، يظهر أن موسكو تركز على بناء علاقات قوية ومتوازنة مع دمشق، وكذلك مع القوى الإقليمية والدولية التي تتقاطع مصالحها مع مصالح روسيا في المنطقة.

فروسيا خرجت من سوريا، وكان السوريون أكثر ذكاءً من الروس في التعامل مع الوجود العسكري على أراضيهم. فلم يسمح السوريون لأنفسهم بتكرار تجربة المرتزقة الروس في بعض الدول الإفريقية، حيث ساهموا في تنفيذ انقلابات لصالح مجموعاتهم، كما حدث في دول مثل مالي، وإفريقيا الوسطى، وبوركينا فاسو، والنيجر. في هذه الدول، طردت مجموعات المرتزقة الروسية، في اللحظة الأخيرة، القوات الفرنسية التي كانت متمركزة في قواعد عسكرية بموجب اتفاقات سابقة.

أما في سوريا، ورغم سقوط النظام الأسدي، لا يزال السوريون يحاولون الاستفادة من العلاقة مع روسيا، ولكن بحذر شديد.

من خلال تصريحات لافروف وتوجهات السياسة الروسية في سوريا، يتضح أن موسكو تسعى لتحويل وجودها العسكري في سوريا إلى عنصر متعدد الأبعاد يشمل الدعم الإنساني والدبلوماسي. إعادة هيكلة مهام القواعد العسكرية الروسية هناك، هو جزء من استراتيجية تهدف إلى تعزيز نفوذها في المنطقة، ليس فقط كقوة عسكرية، بل أيضًا كداعم للاستقرار والتنمية

https://hura7.com/?p=73597

الأكثر قراءة