جريدة الحرة بيروت
وكالات ـ أوردت صحيفة “كورييري ديل سيرا” نقلاً عن ملف القضية، أن المشتبه به البالغ 59 عاماً تجاوز تسريب الوثائق العملياتية إلى إفشاء هويات ضباط مكافحة التجسس الإيطاليين المكلفين بمراقبة تحركات الدبلوماسيين الروس، ما شكل ضربة مضادة للقدرات الاستخباراتية الإيطالية.
أعلنت الحكومة الإيطالية، الخميس، طرد ملحقين عسكريين يعملان في السفارة الروسية بروما ويحملان صفة دبلوماسية، وسط اتهامات رسمية بالتورط في أعمال تدخل خطيرة تمس الأمن القومي. القرار كشف عنه وزير الخارجية أنتونيو تاياني، الذي دان ما وصفه “باستمرار موسكو في شن حرب هجينة تستهدف الغرب وإيطاليا عبر أنشطة عدائية غير مقبولة بحق المؤسسات الوطنية”. وحدد الوزير تاياني هوية الدبلوماسيين الروس في منشور على منصة إكس، وأكد أنهما “إيفان بيتروفيتش غورباتشوف وميخائيل فاسيليفيتش أستاخوف”، مشيراً إلى أن “الأوامر صدرت بمغادرتهم الأراضي الإيطالية خلال مهلة لا تتجاوز ثلاثة أيام”.
تفكيك خلية تسريب معلومات سرية
وجاء قرار الطرد بعد 48 ساعة فقط من إعلان الشرطة الإيطالية توقيف عنصرين سابقين في جهاز الاستخبارات الوطنية. المشتبه به الرئيسي، البالغ من العمر 59 عاماً، ضبط على صلة مباشرة بضابط استخبارات روسي يتمتع بحصانة دبلوماسية على الأراضي الإيطالية. ووفق بيان رسمي للشرطة، حصل الموقوف على طلبات محددة من الضابط الروسي وأفشى بها عبر شبكة مصادر تضم ستة أشخاص، بينهم أربعة عسكريين في الخدمة يشغلون مناصب عالية السرية.
وكشفت تقارير إعلامية إيطالية عن حجم المعلومات الحساسة التي سلمها المتهم للجانب الروسي على مدى سنوات. وشملت التفاصيل المسربة مواصفات منظومة الدفاع الجوي الإيطالية الفرنسية “سامب/تي” وصواريخ “أستر” التي تعتزم روما تزويد أوكرانيا بها خلال العام الجاري بهدف اختبارها. وامتدت الطلبات الروسية لتشمل تفاصيل مهمة عسكرية تابعة لحلف شمال الأطلسي (الناتو) في بلغاريا، إضافة إلى معلومات تقنية عن شركة “أفيو” الإيطالية المتخصصة في تصنيع محركات الطائرات المسيرة والصواريخ الأسرع من الصوت.
كشف هويات عناصر مكافحة التجسس
وفي السياق، أوردت صحيفة “كورييري ديل سيرا” نقلاً عن ملف القضية، أن المشتبه به البالغ 59 عاماً تجاوز تسريب الوثائق العملياتية إلى إفشاء هويات ضباط مكافحة التجسس الإيطاليين المكلفين بمراقبة تحركات الدبلوماسيين الروس، ما شكل ضربة مضادة للقدرات الاستخباراتية الإيطالية. من جهتها، نقلت صحيفة “لا ستامبا” عن تفريغ تسجيلات هاتفية خاصة بالمشتبه به، اعترافه بتسليم آلاف المعلومات لجهات روسية على مدار 12 عاماً متواصلة، في إشارة إلى اختراق طويل الأمد للدوائر الأمنية الإيطالية.
في المقابل، نفى محامي الضابط الإيطالي السابق تهمة الخيانة الموجهة لموكله، مؤكداً قبل جلسة الاستجواب الرسمية المقررة الجمعة، أن المعلومات التي جمعها لم تتجاوز نطاق البيانات المتاحة للعموم، ولم تشكل أي ضرر بالأمن القومي. ووصف وزير الدفاع غويدو كروسيتو الثلاثاء القضية بأنها غيض من فيض الحرب الهجينة الروسية في أوروبا تزامناً مع استمرار غزو أوكرانيا، بينما لم تُكشف بعد هوية الموقوف الثاني أو تفاصيل الاتهامات المنسوبة إليه.
وتمثل هذه التطورات امتداداً لمواجهات سابقة بين البلدين في ملف التجسس؛ ففي العام 2024 قضت محكمة إيطالية بسجن قبطان بحري أوقف قبل ثلاث سنوات بتهمة بيع وثائق سرية للسفارة الروسية. وردت إيطاليا آنذاك بطرد مسؤولين روسيين اثنين، وردت موسكو بطرد دبلوماسي إيطالي في إجراء متبادل، ما يرسم نمطاً متكرراً من التصعيد الدبلوماسي والأمني بين روما وموسكو.
أبعاد الاختراق الاستخباراتي الروسي لإيطاليا وتقويض الأمن القومي
تتجاوز حادثة طرد الدبلوماسيين الروس من روما مجرد كونها إجراءً دبلوماسياً روتينياً، لتضع النقاط على الحروف في مسألة الحرب الهجينة التي تواجهها القارة الأوروبية. يُظهر تغلغل شبكة التجسس هذه في مفاصل المؤسسات العسكرية الإيطالية، وصولاً إلى جمع تفاصيل تقنية حول منظومات دفاعية حساسة ومحركات صواريخ متطورة، عمق المساعي الروسية الرامية إلى كشف الخطط العسكرية لحلف الناتو. وتأتي سرعة الحسم الإيطالي عبر طرد الملحقين العسكريين خلال مهلة قصيرة لتؤكد استشعار روما لخطورة الموقف، ومحاولتها الجادة لوقف استنزاف معلوماتها الدفاعية الحيوية.
يمثل إفشاء هويات ضباط مكافحة التجسس الإيطاليين من قِبل المشتبه به الرئيسي النقطة الأكثر خطورة في ملف القضية، إذ يتعدى هذا الفعل تسريب الوثائق إلى تدمير البنية التحتية للأمن الوقائي. إن تجريد ضباط الأمن من غطائهم السري يصيب القدرات الاستخباراتية المحلية بالشلل، ويمنح الجانب الروسي تفوقاً ميدانياً يحمي تحركات عملائه على الأراضي الإيطالية. هذا الاختراق الطويل الأمد الذي تواصل على مدار عقد من الزمن يبرهن على وجود ثغرات هيكلية استغلتها موسكو لبناء شبكة مصادر محلية تضم عسكريين في مناصب رفيعة.
تندرج هذه الأزمة ضمن سياق ممتد من المواجهات الأمنية الصامتة بين روما وموسكو، وتؤكد صحة التحذيرات الرسمية الإيطالية بشأن اتساع رقعة الاستهداف الروسي للمؤسسات الوطنية. ورغم محاولات الدفاع التقليل من حجم الضرر عبر الادعاء بأن المعلومات المسربة متاحة للعموم، فإن المعطيات المتعلقة بنوعية التسريبات وجداول تسليم الأسلحة لأوكرانيا تضعف هذه الحجج تماماً. تبرز القضية كحلقة جديدة في مسلسل التصعيد المستمر، حيث تبدو العواصم الأوروبية اليوم أكثر حزماً في مواجهة عمليات الاختراق، وأقل تردداً في اتخاذ إجراءات طرد صارمة لحماية أمنها القومي.


