الأحد, يوليو 14, 2024
14.3 C
Berlin

الأكثر قراءة

Most Popular

روني عبد النور ـ الحيوانات وعِبَر سلوكها الاجتماعي

                              الحيوانات وعِبَر سلوكها الاجتماعي

يقول لي آلان دوغاتكين، أستاذ عِلم الأحياء بجامعة “لويزفيل” ومؤلف كتاب “The Well-Connected Animal” الصادر مؤخّراً: “لقد قمت بدراسة السلوك الحيواني لأكثر من 35 عاماً، ونادراً ما أتفاجأ بمدى دقّة السلوك الاجتماعي للحيوانات غير البشرية وتعقيداته. لكنّي لا زلت أُصاب بالذهول بين الحين والآخر”. وليس في قوله مبالغة، على الأرجح.

يغوص دوغاتكين في طيّات ذلك السلوك. ويتحدّث عن الانطباعات التي ولّدها لديه الاطلاع على عمل كيفن أوه، عالِم البيئة التطوّري، وألكسندر باديايف، أستاذ عِلم البيئة والبيولوجيا التطوّرية، حول الانتقاء الجنسي والشبكات الاجتماعية لدى العصافير المنزلية ارتكازاً إلى آلاف البيانات المجمَّعة. بيانات مكّنت الباحثَين من رسم خريطة للشبكة الاجتماعية التفضيلية التي هيكلتها مئات الطيور خلال مواسم التكاثر.

نادراً ما كانت الإناث – التي أبرزت ميلاً لشركاء التزاوج ذات اللون الأحمر الطاغي – تبارح أمكنتها للتفاعل مع طيور في أماكن أخرى ضمن الشبكة. وبينما اعتمد مقدار انتقال الذكور من مكان لآخر على لونها، وجد الباحثان أن أكثرها تلوّناً تميّزت بأداء إنجابي مرتفع، بغضّ النظر عن موقعها. أما تلك ذات الألوان الباهتة، فتحسّن نجاحها الإنجابي لدى توسيعها لدائرة السعي.

بعيداً عن الطيور، يلفت دوغاتكين إلى عمل باربرا كونيغ، أستاذة عِلم الأحياء التطوّري والدراسات البيئية في جامعة زيوريخ. وهي عكفت لعقود على دراسة الشبكات الاجتماعية لمئات فئران المنزل، بواسطة أجهزة إرسال واستقبال مدمَجة، في حظيرة سويسرية محصّنة وذات إمدادات غذائية غير محدودة.

في أحد الأيام، تسلّلت مجموعة قطط إلى الحظيرة، فقضت على نحو ربع الفئران وتسبّبت باختفاء ربع آخر. ولدى دراسة استجابة الحيوانات داخل شبكاتها للكوارث الطبيعية، اكتشفت كونيغ وفريقها ما يلي: الفئران التي تمتّعت بنسبة علاقات محدودة نسبياً قبل الحدث، شرعت (من منطلق الأمان) ببناء الكثير منها، وإن ليس بالمتانة الكافية، بعده. أما تلك المتجذّرة في شبكتها، فقلّصت حجم علاقاتها ومتّنت ما تبقّى منها.

وإلى جزيرة كايو سانتياغو المحاذية لساحل بورتوريكو يأخذنا دوغاتكين مع تجربة طالت قرود المكاك هناك. فعندما دقّقت لورين برنت، عالمة الرئيسيات والأحياء التطوّرية، وفريقها في بيانات مجمّعة بين عامَي 2010 و2017، وجدوا أن الإناث ذات الصلات الوثيقة مع أفضل شركائها داخل الشبكة تمتّعت باحتمالات أعلى للبقاء على قيد الحياة.

وإذ ضرب إعصار “ماريا” الجزيرة في 2017، لاحظ الفريق بعد أشهُر على الكارثة تبادُل القرود لمظاهر الودّ. فعندما قارنوا شبكات الاستمالة والتقارب في مجموعتين من القرود قبل الإعصار وبعده، أكّدت البيانات أنها باتت أكثر ميلاً بنسبة 50% لتبادُل الرعاية. أما تلك التي كانت أقل ميلاً لذلك قبل الإعصار، فأظهرت أكبر زيادة في هذه السلوكيات بعده.

نكتفي بهذا القدر مع دوغاتكين ونعود إلى دراسة نُشرت قبل سنوات في مجلة “PLOS ONE. فقد سعت تانيا بيرغر – وولف، عالمة البيئة الحسابية بجامعة “إلينوي”، وفريقها لفهمٍ أفضل لسلوك الحمار الوحشي الأفريقي (قليل العدد، محدود النطاق، المهدَّد بالانقراض والمفتقِر لإمكانية الوصول للمياه) والحمار البري الآسيوي (وفير العدد، واسع الانتشار، قليل التعرّض لخطر الحيوانات المفترسة والقادر على الوصول إلى المياه).

صحيح أن النوعين وثيقا الصلة أحدهما بالآخر. لكن أداة التحليل الديناميكية للشبكات الاجتماعية التي استخدمتها الدراسة أظهرت لديهما سلوكيات اجتماعية مختلفة جذرياً. فلمراقبة تفاعلاتهما، قام باحثون من مركز أبحاث مبالا في كينيا بالقيادة بشكل متكرّر على نفس الطريق عبر الأراضي المأهولة بتلك الحيوانات وسجّلوا حجم عضوية المجموعات المختلفة ومدّة سريانها. وهذه كانت الاستنتاجات: عاش الحمار الوحشي الأفريقي في مجموعات كبيرة ومستقرة، تكافئ الولاء وتثبط زيارة المجموعات الأخرى. بينما شكّلت الحمير البرية الآسيوية مجموعات أصغر وأقلّ تماسكاً، حيث كان باستطاعتها تغيير دوائر تواجدها بتكلفة اجتماعية منخفضة.

الاختلافات هذه لم تكن مجافية للمنطق نظراً لمتطلّبات التكيّف المختلفة بين النوعين. ففي مواجهة التهديد المستمر من حيوانات مفترسة، يستمدّ الحمار الوحشي العضد من حجم المجموعات وإخلاص أعضائها. بينما يعتمد الحمار البري بصورة أقلّ على منطق القطيع لتأمين الحماية أو العثور على موارد نادرة.

بالحديث عن الموارد ورغم التركيز العلمي تقليدياً على منافسة الأنواع عليها، هناك عادة تجاهُل لعملية صنع القرار لدى الحيوانات في إطار سلوكها الاجتماعي ذات الصلة. فوفقاً لفريق من علماء الأحياء في جامعة كاليفورنيا، ديفيس، ثمة أدلة على أن الأنواع المختلفة تهتم ببعضها البعض في البراري، لا سيّما إذا ما كانت تتشارك خطر تهديد مفترس ما.

بحسب الورقة البحثية التي نُشرت سنة 2019 في مجلة “Ecology، يمكن لحيوانات برّية عدّة التنبّه إلى وجود حيوان مفترس ما من خلال رصد تفاعُل الأنواع الأخرى مستخدِمة “تنظيم شبكيّ” للحفاظ على سلامتها. والحال أن أخْذ النموذج لهذا الجانب من تبادُل المعلومات على المدى القصير في الاعتبار بمساعدة التكنولوجيا إنما يغيّر بالكامل ديناميكيات النظام على المدى الطويل، وفق الباحثين.

وهذا يفسّر، ولو جزئياً، تساؤلات على غرار: كيف يمكن للمتنافسين التعايش بلا إقصاء؟ الجواب: بالقليل من المساعدة الناتجة عن التفاعلات الاجتماعية تلك. وهي إجابة تنقلنا إلى بحث رائد لجامعتَي ستوكهولم ونوشاتيل ظهر في مجلة “PNAS في آذار/مارس الماضي ملقياً الضوء على الأصول الجدلية التطوّرية للروابط الاجتماعية والصداقة والتعاون بين الحيوانات التي تعيش في مجموعات.

لأكثر من نصف قرن، حاول العلماء تفسير هذه السلوكيات باستخدام نظرية الألعاب، مع تركيزعلى مبدأ المعاملة بالمثل في معرض تبادُل الأعضاء للمساعدة. لكن الدراسة المذكورة قدّمت تفسيراً جديداً لتطوّر السلوك ذاك. فالروابط تتطوّر تدريجياً في سياق الصداقات حيث تتميّز أمتنها بسجلّ من المساعدة المتبادَلة والأنشطة المشترَكة. وقد يحصل التراكم التدريجي في مجموعات صغيرة أو أكبر حجماً، شرط أن تُتاح لأعضاء مجموعة ما فرص التفاعل مع شركاء في مجموعات فرعية أصغر حجماً.

كذلك، يؤدي نشاط أعضاء مجموعة ما لناحية تحقيق روابط مع آخرين جدد إلى توسيع الشبكة الاجتماعية. وهكذا، يمسي الحفاظ على الصداقات القائمة وتكوين أخرى جديدة تأكيداً على أهمية التماسك الاجتماعي بين أعضاء مختلف المجموعات. يأتي ذلك معطوفاً على خلاصات سابقة لمجموعة من علماء البيئة السلوكية من معهد “لايبنيز” لإيكولوجيا المياه العذبة ومصايد الأسماك الداخلية أوردتها مجلة “Trends in Ecology and Evolution. فإدراك تركيبة العلاقات بين الحيوانات – والروابط الاجتماعية جزء منها – من شأنه تحسين إدارة الأمراض والتكاثر والسيطرة على السلوكيات الإشكالية.

وفي هذا كلّه ما يشي بأن مملكة الحيوان وعالَم الإنسان كانا وما يزالان يتقاسمان الكثير من السمات التكاملية والتنافسية. تقاسُم قد لا يُقنع معتنقي نظرية فرادتنا بإزاء شركائنا الآخرين على الكوكب. لكن التمعّن في مشترَكات السلوك الجماعي الفطري الذي يطبع تلك المملكة وهذا العالم بطباعه محوريّ أقلّه لسببين: فهم بعضٍ من ذهول العلماء (كدوغاتكين)، وإصلاح شيء ممّا أفسدناه من علاقات بيننا نحن البشر.

https://hura7.com/?p=28147

الأكثر قراءة