الأكثر قراءة

إصدارات أسبوعية

لبنان ـ زلزال الجغرافيا وانكسار المحاور

جريدة الحرة ـ بيروت

بقلم: علي خليل ترحيني مدونة الكاتب علي ترحيني

تفرض شريعة “حق القوة” اليوم واقعاً جيوسياسياً مأزوماً، حيث أضحت المصالح القطبية المحرك الوحيد للعلاقات الدولية على أنقاض القانون الدولي الذي تحول إلى مجرد “حائط مبكى” وهيكل مهجور. هذا المشهد، الذي تسيطر عليه واشنطن عبر الهيمنة المالية والعسكرية، وضع المنطقة في قلب عملية “إعادة هندسة” قسرية للخرائط، متجاوزاً سيادة الدول ومواثيق الأمم المتحدة التي أثبتت عجزها أمام لغة “من ليس معنا فهو ضدنا”. وفي صلب هذا الحراك، يواجه النظام الإيراني انكساراً بنيوياً غير مسبوق، بعدما تلاشت فاعلية العقد الاجتماعي الذي ربط السلطة بالمجتمع، وتحولت الاحتجاجات العارمة في المحافظات الـ 31 إلى حالة من “الثورة الدائمة” مدفوعة بانهيار اقتصادي وتضخم جامح، مما دفع أجهزة الدولة نحو “الخيار العسكري البحت” لمواجهة الشارع، وسط تقارير استخباراتية ترصد شروخاً في جدار النخبة الأمنية ومخاوف من حالات تخلي عن الواجب.

تنهض الاستراتيجية الأمريكية-الإسرائيلية الراهنة على ركيزة “العزل والتفكيك”، حيث تسعى واشنطن وتل أبيب إلى عزل إيران عن “جغرافيتها الممتدة” عبر تقويض أذرعها الإقليمية توازياً مع ضرب بنيتها الاستراتيجية في الداخل. وتعتمد هذه الاستراتيجية على “قوة الصدمة” من خلال “الجولة الثانية” من الضربات الجراحية التي تبلورت في “لقاء فلوريدا” في كانون الأول الماضي، مضافاً إليها ضغط مالي يهدف لتحويل الدول الحليفة لإيران إلى “عبء اقتصادي” عليها. وأمام هذا التغوّل، تباينت استجابة المنطقة بين “تكييف اضطراري” يقوده القلق من الفوضى، وبين استراتيجيات “دفاع متقدم” تنتهجها الدول المستهدفة؛ فبينما تحاول تركيا احتواء الانفجار عبر دبلوماسية “منع التفتيت” وتأمين مصالحها في الطاقة، تتبنى إيران استراتيجية “الردع المتماثل غير التقليدي”، معتبرة أن الصمود في الداخل وتفعيل “خلايا الضغط” الإقليمية هو السبيل الوحيد لانتزاع تنازلات في أي تفاوض مستقبلي.

وفي لبنان، تتقاطع استراتيجية “النزع القسري” للسلاح مع محاولات الدولة اللبنانية وحزب الله للمناورة بين “مطرقة” الضغط العسكري الإسرائيلي اليومي و”سندان” الانهيار الاقتصادي؛ إذ يعتمد الحزب استراتيجية “التناغم الحذر” مع الدولة لتشريع سلاحه كضرورة دفاعية، بينما تحاول بيروت ترحيل استحقاق “حصر السلاح” إلى تفاهمات إقليمية كبرى لم تضج بعد تحت وطأة التهديد الإسرائيلي وشلل الممرات الملاحية في مضيق هرمز في منتصف كانون الثاني الجاري. أما في سوريا واليمن والعراق، فتتبلور استراتيجية “الصمود اللوجستي”؛ حيث يسعى العراق لصد محاولات “حل الفصائل” عبر مأسستها، ويتمسك اليمن بورقة “أمن الملاحة” لفرض معادلة ردع تكسر الحصار، بينما تبرز في سوريا استراتيجية “الممانعة الجغرافية” لرفض المقايضات التي تستهدف إخراج إيران، مع التركيز على استعادة “وحدة الأراضي” لمواجهة المشاريع الانفصالية المدعومة خارجياً.

وفي خضم هذا الاستفراد القطبي، تبرز أدوار محورية لكل من بكين وموسكو كقوى موازنة تحاول كبح جماح “الأحادية الأمريكية”. فبينما تعتمد روسيا استراتيجية “التموضع العسكري النشط” في شرق المتوسط لضمان عدم سقوط الجغرافيا السورية بالكامل تحت الهيمنة الغربية، تنتهج الصين سياسة “الاشتباك الاقتصادي الناعم” من خلال توثيق الشراكات الاستراتيجية مع دول المنطقة، مقدمةً نفسها كبديل تنموي لا يربط الدعم المالي بالإملاءات الأمنية. إن هذا الدخول الصيني-الروسي على خط الأزمة يهدف إلى خلق “تعددية أقطاب” واقعية تمنع واشنطن من حسم الصراع لصالحها بالضربة القاضية، ويفتح ثغرات في جدار العقوبات تتيح للدول المستهدفة مساحة للمناورة والاستمرارية.

أمام هذه التحولات الكبرى والتبدلات الجيوسياسية المتسارعة، يفرض السؤال نفسه حول ما يجب أن نعمل عليه لإعلاء المصلحة اللبنانية العليا؛ إذ يتطلب الواقع الراهن صياغة استراتيجية وطنية صلبة ترتكز على تحصين الجبهة الداخلية من شظايا الانفجارات الإقليمية، وتغليب منطق “الدولة الجامعة” الذي يحفظ التوازنات ويمنع تحويل لبنان إلى “ورقة مقايضة” في الصفقات الكبرى، مع ضرورة تفعيل الدبلوماسية الاستباقية لتأمين المظلة الدولية التي تحمي السيادة اللبنانية من أطماع الهيمنة واستباحة الأرض.

وتقود القراءة المعمقة لحصيلة هذا الاشتباك إلى أن المنطقة دخلت مرحلة “المقايضات الكبرى”، حيث يجري العمل على صياغة “سوريا جديدة” مقابل ترتيبات أمنية مشددة في غزة ولبنان، ما يعني أننا أمام “عام النهايات المفتوحة” الذي لن ينجو منه إلا من يستطيع استعادة قرار السيادة بعيداً عن منطق الساحات. لقد تغيرت موازين القوى جذرياً، ولم يعد هناك مكان للرهان على دبلوماسية المواثيق؛ فالشرق الأوسط يترقب إما استقراراً مفروضاً بحديد القوة والمصالح، أو انفجاراً يعيد رسم ملامح المنطقة للأبد، ليبقى التساؤل قائماً حول قدرة الشعوب على العبور نحو “أصالة وطنية” تستنهض وجودها في عالم بات محكوماً بمصالح تقوى وتتفوق على سلطة القانون والكرامة الإنسانية وقيمها، لدرجة استباحة المواثيق وتهميش إرادات الشعوب، وارتكاب أفظع المخالفات والمجازر تحقيقاً للمنفعة وفرضاً للهيمنة المطلقة.

https://hura7.com/?p=73236

الأكثر قراءة