الأكثر قراءة

إصدارات أسبوعية

زلزال في واشنطن: سحق الوريث الشرعي لترامب!

جريدة الحرة بيروت

بقلم : د. خالد العزي مدونة د. خالد العزي

في قلب واشنطن، حيث تُدار الحروب السياسية بصمت خلف الأبواب المغلقة، يشتعل اليوم صراع قد يحدد شكل اليمين الأمريكي لعقد كامل. المعركة لم تعد مجرد تنافس عادي داخل الحزب الجمهوري، بل تحولت إلى حرب شرسة على إرث دونالد ترامب نفسه، وعلى قيادة حركة “MAGA” التي أعادت رسم المشهد السياسي الأمريكي خلال السنوات الأخيرة.

لفترة طويلة، بدا المشهد محسومًا. جيه دي فانس، نائب الرئيس والرجل الذي صعد بسرعة هائلة بفضل دعم ترامب المباشر، كان يُنظر إليه باعتباره “الوريث الشرعي” للمشروع الترامبي. الرجل القادم من أوهايو، بخطابه الشعبوي الحاد، وقدرته على مخاطبة الطبقة المحافظة البيضاء، بدا وكأنه النسخة الجديدة التي ستواصل ما بدأه ترامب بعد انتهاء حقبته السياسية.

لكن السياسة الأمريكية لا تعترف بالورثة الدائمين.

خلال الأشهر الأخيرة، بدأت صورة فانس تتعرض لتصدعات متتالية داخل البيت الأبيض نفسه. فقد فشل في تحقيق أي اختراق حقيقي في الملفات الخارجية التي أوكلت إليه، وعلى رأسها ملف التفاوض غير المباشر مع إيران، كما بدا عاجزًا عن تثبيت شبكة التحالفات التي حاول ترامب بناءها مع التيار القومي المحافظ في أوروبا، وخاصة مع رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان، الذي كان يُنظر إليه كأحد أهم الحلفاء الأيديولوجيين لمعسكر “ترامب العالمي”.

في المقابل، كان هناك رجل آخر يتحرك بهدوء، بعيدًا عن الضجيج الإعلامي، ليعيد رسم موازين القوى داخل الإدارة الأمريكية: ماركو روبيو.

خصم ترامب يتحول إلى رجل المرحلة

السيناتور السابق وخصم ترامب الشرس في انتخابات 2016، نجح في تنفيذ واحدة من أعقد عمليات التحول السياسي في واشنطن. الرجل الذي سخر منه ترامب يومًا ووصفه بـ”ماركو الصغير”، أصبح اليوم من أكثر الشخصيات نفوذًا داخل الإدارة الجمهورية، بل ربما الشخصية الأكثر تأثيرًا بعد ترامب نفسه.

التحول لم يكن رمزيًا فقط، بل تجسد فعليًا في حجم السلطة التي بات يمتلكها روبيو. فهو يجمع الآن بين حقيبتين تُعدان من أخطر مفاصل الدولة الأمريكية: وزارة الخارجية ومنصب مستشار الأمن القومي. هذا التركيز الهائل للسلطة أعاد إلى أذهان النخبة السياسية الأمريكية حقبة هنري كيسنجر في السبعينيات، حين كان الرجل الواحد يرسم السياسة الخارجية والأمنية لأعظم قوة في العالم.

ولكن لفهم صعود روبيو، لا يكفي النظر إلى المناصب الرسمية. فالرجل ابن عائلة مهاجرة من كوبا، صعد من بيئة متواضعة في فلوريدا ليصبح أحد أبرز الوجوه المحافظة في أمريكا. وقد منحته خلفيته قدرة خاصة على مخاطبة القاعدة الشعبية الجمهورية، وفي الوقت نفسه فتحت له أبواب المؤسسة السياسية والأمنية الأمريكية، التي ترى فيه شخصية تجمع بين الشعبوية والانضباط المؤسساتي.

نجاح روبيو في إدارة الملفات السياسية

منذ دخوله مجلس الشيوخ، تخصص روبيو في ملفات السياسة الخارجية والأمن القومي، وخصوصًا ما يتعلق بالصين وروسيا وإيران وأمريكا اللاتينية. وخلال سنوات، بنى شبكة واسعة من العلاقات داخل أجهزة الاستخبارات والبنتاغون واللوبيات الاقتصادية ومراكز التفكير المحافظة، ما جعله يتجاوز تدريجيًا صورة “السياسي الإعلامي” ليتحول إلى رجل دولة يمتلك نفوذًا فعليًا داخل بنية القرار الأمريكي.

القوة الحقيقية لروبيو اليوم لا تكمن فقط في كونه وزيرًا للخارجية أو مستشارًا للأمن القومي، بل في جمعه بين الملفين معًا. ففي الدولة الأمريكية الحديثة، يمثل هذان المنصبان عقل السياسة الخارجية الأمريكية وغرفة إدارة الأزمات الدولية. وزير الخارجية يقود الدبلوماسية الأمريكية ويتحكم بالعلاقات مع الحلفاء والخصوم، بينما ينسق مستشار الأمن القومي بين الجيش والاستخبارات والبيت الأبيض في الملفات الحساسة والحروب والقرارات الاستراتيجية.

وحين يجمع شخص واحد بين هذين الموقعين، فإنه يصبح عمليًا مركز الثقل الحقيقي في إدارة السياسة الدولية للولايات المتحدة. وهذا ما يفسر المقارنات المتزايدة بين روبيو وهنري كيسنجر، الذي كان خلال السبعينيات يمسك بالخيوط نفسها ويدير التوازنات العالمية من قلب البيت الأبيض.

المستقبل الواعد لروبيو

لكن روبيو يختلف عن كيسنجر في نقطة جوهرية؛ فهو لا يتحرك فقط بعقلية “الاستراتيجي البارد”، بل يمتلك أيضًا قدرة عالية على مخاطبة التيار الشعبوي المحافظ الذي صنع ظاهرة ترامب. بمعنى آخر، هو يجمع بين لغة المؤسسة التقليدية ولغة الشارع الجمهوري الغاضب، وهي معادلة نادرة في السياسة الأمريكية الحالية.

مؤشرات الصعود لم تتوقف عند الداخل الأمريكي، بل انعكست أيضًا في وسائل الإعلام الدولية. فقد فجّر تقرير لموقع “آي بيبر” البريطاني ضجة واسعة عندما كشف أن مجلة “تايم” اختارت ماركو روبيو ضمن قائمة أكثر الشخصيات تأثيرًا في العالم لعام 2026، بينما غاب اسم جيه دي فانس بالكامل، رغم موقعه كنائب للرئيس.

في واشنطن، لا تُقرأ مثل هذه الإشارات باعتبارها مجرد مصادفات إعلامية، بل تُفهم كرسائل سياسية عميقة تعكس مزاج مراكز النفوذ الأمريكية. وكانت الرسالة واضحة: نجم فانس لم يعد يلمع كما كان، بينما يصعد روبيو بسرعة نحو قمة الهرم الجمهوري.

داخل أروقة الحزب الجمهوري، بدأ الحديث يتغير بشكل دراماتيكي. فلم يعد السؤال: “متى يرث فانس ترامب؟”، بل أصبح: “هل نجح روبيو في انتزاع الخلافة؟”.

شخصية روبيو تتجسد داخل الحزب الجمهوري

يرى الجناح التقليدي داخل الحزب في روبيو شخصية أكثر قدرة على إدارة الدولة، وأكثر قبولًا لدى المؤسسات الأمنية والعسكرية والاقتصادية الأمريكية، مقارنة بفانس الذي ما زال يُنظر إليه كشخصية شعبوية تفتقر إلى الخبرة العميقة في الملفات الدولية.

أما معسكر “MAGA” المتشدد، فيعيش حالة انقسام واضحة. فجزء منه ما زال يعتبر فانس الامتداد الطبيعي لترامب، بينما يرى جزء آخر أن روبيو أثبت قدرة استثنائية على التحول من خصم إلى رجل دولة يمسك بكل الخيوط.

الأخطر في هذا الصراع أن ترامب نفسه لم يحسم موقفه بشكل نهائي. فالرئيس الأمريكي يدرك أن معركة الخلافة داخل معسكره قد تتحول إلى حرب استنزاف تهدد وحدة الحزب الجمهوري قبل الانتخابات المقبلة. لكنه يدرك أيضًا أن موازين القوى داخل إدارته لم تعد كما كانت، وأن روبيو أصبح لاعبًا يصعب تجاهله أو احتواؤه.

واشنطن اليوم لا تعيش مجرد منافسة بين سياسيين، بل تعيش معركة إعادة تشكيل اليمين الأمريكي بالكامل. معركة قد تحدد من سيقود أمريكا المحافظة بعد ترامب، ومن سيمسك بمفاتيح القوة داخل الحزب الجمهوري لسنوات طويلة قادمة.

السؤال الذي يشغل العاصمة الأمريكية الآن ليس فقط: من الأقوى داخل إدارة ترامب؟

بل السؤال الأخطر: هل بدأ فعلاً سقوط الوريث الذي كان الجميع يعتقد أنه لا يُهزم؟

https://hura7.com/?p=79719

الأكثر قراءة