الأكثر قراءة

زيارة محمد بن سلمان إلى فرنسا: تحرك استراتيجي في زمن الحرب

جريدة الحرة بيروت

بقلم : د. خالد العزي مدونة د. خالد العزي

جاءت زيارة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان إلى فرنسا يومي 23 و24 أغسطس/آب 2026 في توقيت بالغ الحساسية، والمنطقة تعيش واحدة من أكثر مراحلها اضطراباً، في ظل الحرب الأمريكية-الإيرانية وتداعياتها المباشرة على أمن الخليج ومضيق هرمز وحركة الطاقة والتجارة العالمية. وتكتسب الزيارة أهمية إضافية لأنها جاءت كأول جولة خارجية لولي العهد منذ توقيع اتفاق مكة للدفاع المشترك في 7 أغسطس/آب، في لحظة تحتاج فيها المملكة إلى إظهار قدرتها على مواصلة حضورها السياسي والدبلوماسي رغم الظروف الأمنية الإقليمية.

فإن قراءة الزيارة من زاوية اقتصادية بحتة تبدو قاصرة عن فهم أبعادها الحقيقية. فالمشهد الإقليمي المتوتر يفرض على دول الخليج إعادة النظر في حساباتها الأمنية والسياسية، خصوصاً مع تعرض المنطقة لتهديدات عسكرية مباشرة، واحتمال اتساع دائرة الحرب وانعكاساتها على المنشآت النفطية والممرات البحرية والاقتصاد الخليجي بصورة عامة.

في هذا السياق، تبدو زيارة محمد بن سلمان إلى باريس أقرب إلى تحرك استراتيجي متعدد الأهداف، يتجاوز تعزيز العلاقات الثنائية بين السعودية وفرنسا إلى بحث مستقبل أمن الخليج وموقع القوى الأوروبية في معادلة المنطقة.

توسيع الحلفاء في الفضاء الدولي

ومن هذه الزاوية، لا تبدو الزيارة مجرد تحرك دبلوماسي لتعزيز العلاقات السعودية-الفرنسية، ولا مجرد مناسبة لتوقيع الاتفاقيات الاقتصادية والاستثمارية، وإنما تحمل أيضاً رسالة سياسية إلى الداخل والخارج: أن المملكة العربية السعودية، رغم الحرب الدائرة في محيطها والتوترات التي تضرب الخليج، ما زالت تمسك بقرارها السياسي، وتواصل تحركاتها الخارجية، وتؤكد أن مؤسسات الدولة تعمل بصورة طبيعية وأن الأمن والاستقرار داخل المملكة لم يهتزّا بفعل التطورات الإقليمية.

فالخروج إلى باريس في هذا التوقيت يمكن قراءته باعتباره رسالة ثقة واستقرار أكثر منه مجرد زيارة بروتوكولية. الرياض تريد أن تقول إن الحرب لم تدفعها إلى الانكفاء خلف حدودها، وإنها لا تتعامل مع التهديدات من موقع الارتباك، وإنما من موقع الدولة القادرة على إدارة المخاطر ومواصلة علاقاتها وشراكاتها الدولية.

وهنا تصبح الصورة التي حملتها الزيارة مهمة بحد ذاتها: ولي العهد في باريس، يلتقي الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، ويشارك في فعاليات دولية، ويترأس مع الجانب الفرنسي أول اجتماع لمجلس الشراكة الاستراتيجية، فيما تستمر الاتفاقيات والمشاريع الاستثمارية الكبرى. وقد أعلنت فرنسا والسعودية خلال الزيارة عن مشاريع واتفاقيات واسعة، بينها استثمارات بقيمة 6 مليارات يورو في ثلاثة متنزهات ترفيهية توفر نحو 22 ألف وظيفة، إلى جانب ملفات استراتيجية تتعلق بالطاقة والنقل والاستثمار والتنسيق بشأن قضايا المنطقة.

وبالتالي، فإن الرسالة السعودية يمكن قراءتها على مستويين: رسالة إلى الداخل تقول إن المملكة مستقرة وقادرة على مواصلة مشروعها التنموي، ورسالة إلى الخارج تقول إن السعودية لا تزال لاعباً إقليمياً فاعلاً، قادراً على الحركة وبناء الشراكات حتى في أكثر الظروف الإقليمية تعقيداً.

وهنا تكمن أهمية الزيارة سياسياً؛ فهي لا تقول فقط إن الأمن مستتب والدولة تعمل، وإنما تقول أيضاً إن المملكة لا تسمح للحرب المحيطة بها بأن تعطل مشروعها أو تعزلها عن العالم، بل تستخدم هذه المرحلة لإعادة ترتيب علاقاتها وشراكاتها بما يخدم أمنها ومصالحها الاستراتيجية.

وهذه الزاوية، برأيي، أقوى بكثير من القول إن الزيارة «لإظهار أن الوضع مستقر»، لأنها تحول الاستقرار من مجرد رسالة إعلامية إلى أداة سياسية واستراتيجية في إدارة صورة المملكة وموقعها في النظام الإقليمي الجديد.

فرنسا شريك يتجاوز حدود الاقتصاد

لطالما ارتبطت العلاقات السعودية-الفرنسية بالاستثمارات والتجارة والطاقة وصفقات التسليح، لكن الظروف الحالية تمنح هذه العلاقة بعداً أكثر أهمية. فالسعودية، مثل بقية دول الخليج، تدرك أن الاعتماد التاريخي على الولايات المتحدة باعتبارها الضامن الرئيسي لأمن المنطقة لا يعني بالضرورة الاكتفاء بها، خصوصاً في ظل الحرب الحالية والتغيرات المتسارعة في موازين القوى.

ومن هنا تأتي أهمية توسيع شبكة العلاقات الاستراتيجية مع القوى الأوروبية، وفي مقدمتها فرنسا.

فباريس تمتلك حضوراً عسكرياً وأمنياً في المنطقة، وعلاقات وثيقة مع عدد من دول الخليج، كما أنها تسعى إلى الحفاظ على هامش من الاستقلالية في سياستها الخارجية تجاه أزمات الشرق الأوسط. وبالتالي، فإن تعزيز الشراكة مع السعودية يمكن أن يفتح الباب أمام دور فرنسي أكبر في قضايا الدفاع والأمن والملاحة والطاقة.

ولا يتعلق الأمر بالضرورة باستبدال الولايات المتحدة بفرنسا، فهذا أمر غير واقعي، وإنما ببناء شبكة أوسع من الشراكات تستطيع دول الخليج من خلالها تنويع خياراتها السياسية والأمنية وتقليل مخاطر الاعتماد على قوة واحدة.

أمن الخليج في قلب الحسابات

الحرب الأمريكية-الإيرانية جعلت أمن الخليج أكثر ارتباطاً بالأمن الدولي. فالمواجهة لا تدور بعيداً عن مصادر الطاقة وطرق نقلها، بل تقترب بصورة مباشرة من أحد أهم الممرات البحرية في العالم، وهو مضيق هرمز.

وأي اضطراب طويل في حركة الملاحة عبر المضيق لا يمثل مشكلة خليجية فقط، بل يمكن أن يتحول إلى أزمة عالمية تضرب أسواق النفط والغاز وترفع تكاليف النقل والتأمين وتضغط على الاقتصادات الأوروبية والآسيوية.

وهنا تلتقي المصالح السعودية والفرنسية والأوروبية. فالسعودية تريد حماية أمنها ومنشآتها ومصالحها الاقتصادية، بينما تحتاج أوروبا إلى ضمان استمرار تدفق الطاقة وحماية طرق التجارة الدولية.

ولهذا فإن الحديث عن أمن الخليج لم يعد شأناً إقليمياً منفصلاً عن أوروبا، بل أصبح جزءاً من الأمن الاقتصادي والاستراتيجي الأوروبي نفسه.

من الاستعداد للحرب إلى محاولة احتوائها

الأهمية الأخرى للزيارة تكمن في بعدها السياسي. فالسعودية لا تبحث فقط عن وسائل لحماية نفسها في حال استمرار الحرب، وإنما لديها مصلحة أساسية في منع تحول المواجهة إلى حرب إقليمية طويلة ومفتوحة.

فكلما طال أمد الحرب، ارتفعت احتمالات انتقالها إلى دول الخليج، سواء عبر استهداف المنشآت الحيوية أو تهديد الملاحة أو ضرب البنية التحتية للطاقة.

ومن هنا يمكن أن يكون لفرنسا دور دبلوماسي مهم، ليس باعتبارها قادرة على إنهاء الحرب بمفردها، وإنما باعتبارها قوة أوروبية تستطيع التواصل مع أطراف مختلفة، والمساهمة في الدفع باتجاه التهدئة والحوار والبحث عن مخرج سياسي.

وهذا يجعل الشراكة السعودية-الفرنسية ذات بعدين متوازيين: ردع عسكري من جهة، وتحرك دبلوماسي لمنع اتساع الحرب من جهة أخرى.

ماذا يمكن أن يكسب الخليج؟

إذا تحولت التفاهمات السياسية إلى خطوات عملية، فإن دول الخليج يمكن أن تحقق مجموعة من المكاسب المهمة.

أول هذه المكاسب هو تعزيز قدراتها في الدفاع الجوي والصاروخي وحماية المدن والمنشآت النفطية والمطارات والموانئ والمنشآت الحيوية.

وثانيها تعزيز أمن الملاحة البحرية في الخليج وبحر العرب والطرق التي تربط المنطقة بالأسواق الأوروبية والعالمية.

وثالثها تنويع مصادر السلاح والتكنولوجيا الدفاعية، بحيث لا تبقى الخيارات الخليجية مرتبطة بمصدر واحد، مع المحافظة في الوقت نفسه على التحالفات القائمة مع الولايات المتحدة.

أما المكسب الرابع فيتمثل في الحصول على دعم سياسي ودبلوماسي أوروبي أكبر، خصوصاً إذا اتجهت الحرب نحو التصعيد واتسعت دائرة الاستهداف.

ويأتي الاقتصاد والطاقة في المرتبة الخامسة. فاستمرار الحرب لفترة طويلة يمكن أن يفرض أعباء كبيرة على دول الخليج وأوروبا معاً، ولذلك فإن التعاون في الطاقة والاستثمار والنقل والبنية التحتية يمكن أن يساعد على بناء قدر أكبر من الصمود أمام تداعيات الأزمة.

واللافت أن الزيارة لم تقتصر على الملفات الأمنية والسياسية، بل شملت أيضاً اتفاقات ومشاريع اقتصادية واستثمارية واسعة في مجالات الطاقة والنقل والصحة والاستثمار، إضافة إلى مشروع ترفيهي فرنسي-سعودي تبلغ قيمته نحو ستة مليارات يورو. وهذا يؤكد أن الرياض وباريس تنظران إلى علاقتهما باعتبارها شراكة طويلة الأمد وليست مجرد تعاون ظرفي فرضته الحرب.

هل تستطيع فرنسا أن تحل محل الولايات المتحدة؟

رغم أهمية التقارب السعودي-الفرنسي، فإن من الخطأ الاعتقاد بأن فرنسا تستطيع أن تحل محل الولايات المتحدة في حماية الخليج.

القدرات العسكرية الأمريكية وانتشارها في المنطقة لا تزال أكبر بكثير، كما أن العلاقات الأمنية بين واشنطن والعواصم الخليجية تمتد لعقود.

لكن الهدف الحقيقي قد لا يكون استبدال واشنطن، وإنما تنويع المظلة الاستراتيجية الخليجية.

فالسعودية يمكن أن تحافظ على شراكتها الأمنية مع الولايات المتحدة، وفي الوقت نفسه تعزز علاقاتها الدفاعية والسياسية مع فرنسا وبريطانيا ودول أوروبية أخرى، بما يمنحها مساحة أوسع للمناورة وقدرة أكبر على التعامل مع الأزمات.

وهذا يعني الانتقال تدريجياً من مفهوم «الحليف الواحد» إلى مفهوم الشبكة المتعددة من الشراكات.

بين الردع والدبلوماسية

ومع ذلك، فإن الاعتماد على القوة العسكرية وحدها لن يكون كافياً. فكلما اتسعت الحرب الأمريكية-الإيرانية، أصبحت دول الخليج أمام معادلة صعبة: كيف تحمي نفسها من التهديدات من دون أن تتحول أراضيها إلى ساحة مباشرة للصراع؟

الحل الأكثر واقعية يبدو في الجمع بين ثلاثة مسارات متوازية: تعزيز الردع والدفاع، حماية الطاقة والملاحة، والتحرك الدبلوماسي لمنع توسع الحرب.

وهنا يمكن أن تبرز فرنسا كشريك مهم للسعودية ودول الخليج، خصوصاً إذا استطاعت باريس الجمع بين حضورها العسكري وقدرتها الدبلوماسية وعلاقاتها مع مختلف الأطراف.

زيارة تحمل رسالة أبعد من باريس

في المحصلة، يمكن النظر إلى زيارة محمد بن سلمان إلى فرنسا باعتبارها رسالة استراتيجية أكثر منها زيارة بروتوكولية.

فالخليج، في ظل الحرب الحالية، يبحث عن أمن أكثر تنوعاً، وشراكات دولية متعددة، وقدرة أكبر على حماية مصالحه في عالم تتغير فيه التحالفات وموازين القوى.

ولا يعني ذلك أن السعودية تتجه إلى التخلي عن الولايات المتحدة أو استبدالها بفرنسا. الأرجح أن الرياض تسعى إلى توسيع خياراتها وعدم وضع مستقبل أمنها في سلة واحدة.

ومن هذه الزاوية، فإن أهمية باريس لا تكمن فقط في قدرتها العسكرية، وإنما في إمكانية أن تصبح جسراً بين الخليج وأوروبا، وشريكاً في حماية أمن الطاقة والملاحة، وفي الوقت نفسه طرفاً سياسياً يسعى إلى منع تحول المواجهة الأمريكية-الإيرانية إلى حرب إقليمية شاملة.

وبالتالي، فإن السؤال الأهم بعد الزيارة ليس ما إذا كانت السعودية ستترك المظلة الأمريكية، وإنما ما إذا كانت الرياض ستنجح في إعادة صياغة المظلة الأمنية الخليجية نفسها لتصبح أكثر تعدداً وتوازناً، بحيث تبقى واشنطن شريكاً أساسياً، بينما تتحول باريس وأوروبا إلى أذرع إضافية في الأمن والدبلوماسية والاقتصاد.

إذا نجحت السعودية في تحويل تفاهمات باريس إلى ترتيبات دفاعية وسياسية واقتصادية طويلة الأمد، فقد تكون هذه الزيارة واحدة من الخطوات التي ستعيد رسم خريطة التحالفات الخليجية في مرحلة ما بعد الحرب.

https://hura7.com/?p=83829

الأكثر قراءة