جريدة الحرة بيروت
بقلم : د. خالد العزي مدونة د. خالد العزي

لم تعد مطالب أوكرانيا من حلفائها الغربيين تقتصر على الحصول على شحنات إضافية من الأسلحة والذخائر، بل انتقلت إلى مرحلة أكثر استراتيجية تتمثل في نقل التكنولوجيا العسكرية وبناء قاعدة صناعية دفاعية قادرة على إنتاج جزء من احتياجاتها محلياً.
وفي هذا السياق، جاءت جولة الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي إلى المملكة المتحدة، ومنها إلى الولايات المتحدة، في محاولة لتأمين دعم يتجاوز المساعدات العسكرية التقليدية، ويشمل الحصول على تراخيص لتصنيع منظومات الدفاع الجوي وتقنيات الحرب الإلكترونية داخل أوكرانيا.
وتكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة في ظل استمرار الحرب مع روسيا، وتزايد الضغوط على الدفاعات الجوية الأوكرانية التي تواجه موجات متكررة من الهجمات الصاروخية والطائرات المسيّرة. فمن وجهة نظر كييف، لا يكفي الاعتماد على المساعدات الغربية التي تخضع لاعتبارات سياسية وإنتاجية، بل أصبح من الضروري امتلاك القدرة على تصنيع بعض الأنظمة الدفاعية محلياً لضمان استمرارية الإمدادات وتعزيز الاستقلالية العسكرية.
بريطانيا: نقل التكنولوجيا بدلاً من الاكتفاء بتوريد السلاح
لقد شكّل لقاء زيلينسكي مع رئيس الوزراء البريطاني آندي بورنهام محطة رئيسية في هذه الجولة بحسب التقارير الصحافية ، إذ أكد الأخير استمرار دعم بلاده لأوكرانيا، معلناً الاستعداد لنقل ترخيص إنتاج منظومة الحرب الإلكترونية Stone Cloak “العباءة الحجرية”.
وتُعد هذه المنظومة إحدى وسائل الحرب الإلكترونية المستخدمة للتشويش على أنظمة الدفاع الجوي والرادارات، كما يمكن دمجها مع الطائرات المسيّرة لزيادة قدرتها على اختراق الدفاعات المعادية أو تقليل فرص اكتشافها. ويرى التقرير أن نقل ترخيص إنتاج هذه المنظومة يمثل انتقالاً من مرحلة تسليم المعدات العسكرية إلى مرحلة مشاركة التكنولوجيا العسكرية، وهو تطور يحمل دلالات استراتيجية بالنسبة لكييف.
ولم تقتصر الزيارة على بعدها العسكري، بل حملت أيضاً أبعاداً سياسية داخلية، إذ استقبل زيلينسكي لدى وصوله إلى لندن السفير الأوكراني لدى بريطانيا، والقائد العام السابق للقوات المسلحة فاليري زالوجني، الذي تشير استطلاعات الرأي إلى أنه يحظى بشعبية واسعة داخل أوكرانيا، ما يجعل اللقاء محط اهتمام سياسي داخلي إلى جانب أهميته الدبلوماسية.
الدفاع الجوي في صدارة الأولويات
وخلال مباحثاته أكد زيلينسكي أن تعزيز قدرات الدفاع الجوي لا يزال يمثل الأولوية القصوى بالنسبة لأوكرانيا، إلى جانب توسيع الإنتاج الدفاعي المشترك وتعزيز التعاون في مجال الأمن البحري. وتأتي هذه الأولوية في ظل استمرار الضربات الروسية التي تستهدف البنية التحتية للطاقة والمنشآت الحيوية، وهو ما يجعل امتلاك منظومات دفاع جوي فعالة شرطاً أساسياً للحفاظ على استقرار المدن الأوكرانية، ولا سيما مع اقتراب فصل الشتاء الذي غالباً ما يشهد تصعيداً في استهداف منشآت الكهرباء والطاقة.
إنتاج منظومات «باتريوت» داخل أوكرانيا
ومن الملفات الرئيسية التي يسعى زيلينسكي إلى مناقشتها مع الإدارة الأمريكية إمكانية نقل جزء من إنتاج منظومات Patriot إلى أوكرانيا. ووفقاً لما يشير إليه عدد من الخبراء والمتابعين، كان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد ألمح، خلال قمة حلف شمال الأطلسي، إلى إمكانية منح أوكرانيا ترخيصاً لإنتاج منظومات “باتريوت”. غير أن خبراء عسكريين يرون أن هذه الخطوة، حتى في حال تنفيذها، لن تُحدث تحولاً سريعاً في ميدان المعركة، نظراً إلى أن إنشاء خطوط الإنتاج المحلية وتأهيل الكوادر الفنية يتطلبان وقتاً واستثمارات كبيرة قبل الوصول إلى مرحلة التصنيع الكامل.
وتؤكد التقديرات العسكرية إلى أن المشروع، إذا نُفذ، سيمر بمرحلتين أساسيتين:
- الأولى: تبدأ بتجميع الصواريخ باستخدام مكونات تُنتج في الخارج،
- بينما تتضمن المرحلة الثانية: إنشاء خطوط إنتاج محلية متكاملة وتدريب الكوادر الفنية على عمليات التصنيع والصيانة.
وتوضح التجارب السابقة أن إنشاء مثل هذه الصناعات يحتاج إلى سنوات، إذ استغرقت ألمانيا نحو ثلاث سنوات لإطلاق خطوط إنتاج مشابهة، وهو ما يعني أن الفوائد العسكرية المباشرة لن تتحقق في المستقبل القريب.
بين الحاجة الفورية والاستراتيجية طويلة المدى
ولهذا السبب لا تقتصر مطالب كييف على الحصول على تراخيص الإنتاج، بل تشمل أيضاً زيادة الإمدادات الفورية من منظومات الدفاع الجوي والصواريخ الاعتراضية، لضمان استمرار حماية الأجواء الأوكرانية خلال المرحلة الحالية. ويعكس هذا التوجه إدراكاً أوكرانياً بأن بناء صناعة دفاعية وطنية يمثل مشروعاً طويل الأمد، في حين أن متطلبات الحرب تفرض الحاجة إلى دعم عاجل لا يمكن تأجيله حتى اكتمال خطوط الإنتاج المحلية.
بولندا تدخل على خط التصنيع المشترك
وفي موازاة الجهود الأوكرانية، برزت بولندا كشريك محتمل في مشروع إنتاج منظومات Patriot، إذ اقترحت إنشاء آلية تعاون ثلاثية تضم الولايات المتحدة وأوكرانيا وبولندا. ويهدف المقترح، وفقاً للتقرير، إلى توزيع عمليات الإنتاج بين الدول الثلاث، بما يقلل من مخاطر تعرض المنشآت الصناعية داخل أوكرانيا للهجمات الروسية، ويضمن استمرار الإنتاج حتى في حال تصاعد العمليات العسكرية. ويعكس هذا الطرح توجهاً غربياً متزايداً نحو توزيع الصناعات الدفاعية بين عدة دول، بدلاً من تركيزها في مناطق معرضة للاستهداف المباشر.
الحرب تتحول إلى سباق صناعي
تكشف هذه التحركات أن الحرب الروسية الأوكرانية لم تعد تقتصر على سباق في امتلاك الأسلحة، بل تحولت أيضاً إلى منافسة في بناء القدرات الصناعية والتكنولوجية. فبالنسبة لأوكرانيا، لم يعد الحصول على السلاح كافياً، بل أصبح نقل المعرفة الصناعية والتقنيات العسكرية جزءاً أساسياً من استراتيجية الصمود. أما بالنسبة للدول الغربية، فإن توطين جزء من الصناعات الدفاعية داخل أوكرانيا قد يسهم في تقليل الضغط على مصانعها العسكرية، مع تعزيز قدرة كييف على مواصلة القتال على المدى الطويل.
وفي المقابل، يظل نجاح هذه الخطط مرتبطاً بقدرة أوكرانيا على حماية منشآتها الصناعية الجديدة من الضربات الروسية، إضافة إلى توافر الاستثمارات والوقت اللازمين لبناء قاعدة صناعية دفاعية قادرة على إنتاج منظومات متطورة مثل Patriot وتقنيات الحرب الإلكترونية الحديثة.


