الأكثر قراءة

سباق أوروبي لتعزيز القدرات العسكرية وبناء الاستقلال الدفاعي

جريدة الحرة بيروت

 المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات  ـ ألمانيا وهولندا ECCI

تسعى الدول الأوروبية إلى إعادة بناء قدراتها الدفاعية وتعزيز صناعاتها العسكرية بالتزامن مع تصاعد التهديدات الأمنية وتراجع اليقين بشأن الالتزامات الأمريكية. لكن رغم ارتفاع الإنفاق الدفاعي وإطلاق مشروعات مشتركة، لا تزال تحديات التنسيق والإنتاج والمشتريات تعيق تحقيق طموحات أوروبا في بناء منظومة دفاعية أكثر استقلالًا وفعالية.

الدفاع لم يكن أولوية بعد الحرب الباردة

لعقود تلت نهاية الحرب الباردة عام 1989، لم يحتل الدفاع مكانة متقدمة على أجندات القادة الأوروبيين. فقد جرى خفض الإنفاق العسكري، وتقليص حجم القوات المسلحة، واستنزاف مخزونات المعدات العسكرية، ما أدى إلى تراجع الجاهزية القتالية. غير أن حرب أوكرانيا في فبراير من العام 2022 شكّل جرس إنذار للحكومات الأوروبية، ودفعها إلى تغيير المسار وإعادة التركيز على قضايا الدفاع.

ساهمت حالة عدم اليقين المتزايدة بشأن الالتزامات الأمنية الأمريكية في عهد الرئيس دونالد ترامب في تسريع هذا التوجه. وفي ألمانيا، جرى حتى تعديل الدستور لإلغاء القيود المفروضة على الاقتراض لأغراض الدفاع، ما منح برلين حريةً أكبر في الإنفاق العسكري.

ووفقًا لمعهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام (SIPRI)، أنفقت الدول الأوروبية الـ29 الأعضاء في حلف الناتو مجتمعةً نحو 559 مليار دولار (487 مليار يورو) على الدفاع خلال العام 2025. وبحسب المعهد، أنفقت ألمانيا وحدها 114 مليار دولار على قواتها المسلحة، بزيادة بلغت 24 بالمئة.

تعزيز الصناعة الدفاعية الأوروبية

سعت أوروبا كذلك إلى تعزيز صناعتها الدفاعية لضمان الاكتفاء الذاتي وأمن سلاسل التوريد في أنظمة الأسلحة الحيوية. ولهذا الغرض، تعاونت عدة دول في تنفيذ مشروعات عسكرية متقدمة، من بينها تطوير مقاتلات الجيل القادم.

أوضح بير إريك سولي، كبير محللي الدفاع في المعهد النرويجي للشؤون الدولية (NUPI)، إلى عدد من المبادرات الأوروبية المهمة في مجال القوة الجوية، مثل برنامج “GCAP” المشترك بين بريطانيا وإيطاليا واليابان، إضافةً إلى المنظومة التي تطورها السويد حول مقاتلة “غريبن” والطائرات المسيرة. كما استفادت شركات السلاح الأوروبية، مثل راينميتال وتاليس وليوناردو، من طفرة الإنفاق العسكري، حيث امتلأت دفاتر طلباتها بعقود جديدة.

لكن الفجوة لا تزال قائمة بين الطموحات والنتائج الفعلية، إذ تواجه العديد من شركات تصنيع الأسلحة صعوبات في تسريع وتيرة الإنتاج. وقد أثارت نتائج الإيرادات والأرباح المتواضعة خلال الربع الأول من عام 2026 مخاوف المستثمرين وشكوكهم بشأن قدرة هذه الشركات على تحويل الطلبات المتزايدة إلى أرباح حقيقية.

تباين المصالح الوطنية

يواجه قطاع الدفاع الأوروبي كذلك تحديات هيكلية، من بينها ضعف الحجم مقارنةً بالشركات الأمريكية، إضافةً إلى التشرذم الوطني الذي يؤدي إلى ازدواجية الجهود ومشكلات التنسيق. وغالبًا ما تتعرض المبادرات المشتركة لتأخيرات كبيرة بسبب اختلاف الأولويات الوطنية. ويُعد مشروع المقاتلة الفرنسية الألمانية المستقبلية “FCAS” مثالًا واضحًا على ذلك.

فقد أُلغي المشروع مؤخرًا نتيجة خلافات بين شركة داسو للطيران الفرنسية وشركة إيرباص للدفاع والفضاء الألمانية، ما شكّل ضربةً قوية للجهود الأوروبية الرامية إلى تعزيز التعاون الدفاعي. وكان البرنامج يهدف إلى تطوير منظومة جوية متكاملة من الجيل الجديد تضم طائرات مأهولة وطائرات مسيرة وسحابة قتالية لتبادل المعلومات والاتصالات.

أوضح سولي أنه رغم توقف التعاون في تطوير الطائرة المأهولة، فإن مصير الطائرات المسيرة والسحابة القتالية لا يزال غير واضح. كما تحيط حالة من الغموض بمستقبل مشروع فرنسي ألماني آخر طال انتظاره لتطوير دبابة من الجيل القادم. يرى إميل أرشامبو، الخبير في سياسات الأمن والدفاع بالمجلس الألماني للعلاقات الخارجية، أن المشروعات متعددة الجنسيات تنجح عندما تتوافق الحكومات على الأولويات وتنسق جهودها بصورة فعالة.

واستشهد بطائرة النقل العسكرية “إيرباص A400M أطلس” بوصفها نموذجًا ناجحًا للتعاون الدفاعي الأوروبي. لكنه أشار إلى أن ضعف التنسيق الحكومي يؤدي إلى مزيد من التشرذم، مستدلًا بسعي ألمانيا وفرنسا وبولندا إلى اتباع مسارات منفصلة للحصول على أنظمة مدفعية صاروخية أرضية مشابهة لمنظومة “هيمارس” الأمريكية. وقال: “المشكلة ليست في الصناعة الدفاعية، بل في تنسيق الدول”.

المشتريات الدفاعية تمثل عقبة رئيسية

يؤكد الخبراء أن أنظمة المشتريات الدفاعية لا تزال تشكل أحد أكبر الاختناقات التي تعرقل الابتكار والتعاون وسرعة اقتناء المعدات العسكرية. وخلص تقرير حديث صادر عن المعهد النرويجي للشؤون الدولية إلى أن “نقطة الضعف الرئيسية في أوروبا لم تعد مالية، بل مؤسسية”.

ويرى معدو التقرير أن المشتريات الدفاعية في الدول الأوروبية ما زالت تخضع لـ”الحمائية الوطنية، وتجنب المخاطر، وآليات اتخاذ القرار البطيئة القائمة على التوافق”، وهي عوامل تتعارض مع متطلبات المرحلة الحالية. ودعا التقرير إلى تشكيل تحالفات بين دول متقاربة في الرؤى لضمان التعاون والسرعة والمرونة.

يتبنى أرشامبو رؤيةً مشابهة، مشيرًا إلى أن الاتحاد الأوروبي يؤدي دورًا مهمًا في وضع المعايير، إلا أن تنسيق المشتريات بين عدد كبير من الدول الأعضاء لا يزال مهمةً معقدة. واقترح إنشاء ما سماه “أنظمة مصغرة متعددة الأطراف”، تضم ثلاث أو أربع دول متقاربة تتعاون في تطوير وشراء أنظمة الأسلحة، مع فتح الباب أمام دول أخرى للانضمام لاحقًا، بما يحقق المرونة والاستفادة من وفورات الحجم والتوحيد القياسي.

هيمنة الشركات الكبرى على العقود الدفاعية

يرى الخبراء كذلك أن هناك ميلًا قويًا لدى الحكومات الأوروبية لتفضيل الشركات المحلية الكبرى في عقود المشتريات الدفاعية. وأشار تقرير صادر عن مركز “بروغل” الاقتصادي في بروكسل خلال مارس من العام 2026 إلى أن المشتريات الدفاعية في العديد من الدول الأوروبية “تتجه أساسًا إلى أكبر عشر شركات”.

وأضاف التقرير أن هذه الشركات العشر تستحوذ على ما بين 67 و90 بالمئة من إجمالي عقود المشتريات العسكرية في ألمانيا وبولندا وبريطانيا. وشددت الدراسة على ضرورة منح الشركات الناشئة والصغيرة دورًا أكبر لتعزيز الابتكار وتلبية الاحتياجات العسكرية الحديثة.

هل يدعم الإنفاق الدفاعي الاقتصاد الأوروبي؟

تتزايد المخاوف بشأن قدرة الحكومات الأوروبية على مواصلة مستويات الإنفاق الدفاعي المرتفعة في ظل الضغوط المتزايدة على المالية العامة واستمرار الضعف الاقتصادي. وقد انعكس ذلك بالفعل على أسهم شركات الدفاع الأوروبية الكبرى، حيث تراجع مؤشر “ستوكس أوروبا للدفاع” بأكثر من 15 بالمئة منذ يناير، وفقًا لصحيفة فاينانشال تايمز.

وبينما يخشى البعض أن تعطي الحكومات الأولوية في المستقبل لقطاعات مثل الصحة والرعاية الاجتماعية على حساب الدفاع، يرى أرشامبو أن المسألة ليست خيارًا بسيطًا بين هذا وذاك. وأوضح أن العديد من الحكومات الأوروبية تنظر إلى الإنفاق الدفاعي ليس فقط بوصفه سياسةً أمنية، بل أيضًا أداةً لتحفيز النشاط الاقتصادي وخلق فرص العمل.

وأشار إلى أن دولًا مثل ألمانيا وبريطانيا تأمل في دعم الصناعات الثقيلة والحفاظ عليها من خلال الإنفاق الدفاعي، ثم الاستفادة لاحقًا من صادرات الصناعات العسكرية. ومع ذلك، أوضح أن مستويات الإنفاق العسكري وتصورات التهديد تختلف من دولة إلى أخرى، إذ يبقى الدفاع أولويةً قصوى للدول الأقرب إلى روسيا، بينما يُنظر إليه في دول أخرى باعتباره منافسًا لأولويات داخلية مثل الرعاية الاجتماعية.

ورغم ذلك، شدد على ضرورة زيادة الإنفاق الدفاعي من أجل حماية البنية التحتية الحيوية والخدمات الأساسية من تهديدات مثل الطائرات المسيرة وأعمال التخريب والهجمات الهجينة. وختم بالقول: “هذا أمر ضروري لجميع الدول الأوروبية”.

https://hura7.com/?p=80649

 

الأكثر قراءة