الأكثر قراءة

إصدارات أسبوعية

سطوة حزب الله وسنوات العمر الضائعة على اللبنانيّين

جريدة الحرة بيروت

بقلم : د .عبد الرؤوف سنّو، مؤرّخ وباحث

لم يكن لبنان دولة فاشلة بطبيعته كما يُصوَّر اليوم، بل كان، رغم ضيق مساحته وندرة موارده، نموذجًا قابلًا للحياة. عوّض محدودية الجغرافيا بموارده البشرية، وبنى اقتصادًا حرًا ونظاما قام على ديمقراطية تواففية، مدعومًا بمؤسسات تعليمية واستشفائية متقدمة جعلته مركز جذب في المنطقة. لم يكن نموذجًا مكتملًا، لكنه كان دولة تعمل وتنتج، وقادرة على احتواء أزماتها عبر التسويات.

حتى خلال الحرب الأهلية، وعلى الرغم من حدّتها، لم تُلغَ فكرة الدولة، بل بقيت إمكانية إعادة بنائها قائمة. غير أنّ هذا المسار بدأ يتآكل تدريجيًا بفعل وصول الميليشيات إلى الحكم بعد اتفاق الطائف، والانقسامات الداخلية والضغوط الإقليمية، إلى أن تحوّل لبنان من دولة قابلة للاستمرار إلى ساحة مفتوحة. لم يكن التراجع مجرد ضعف في الأداء، بل مسارًا انتهى إلى تآكل القدرة على اتخاذ القرار السيادي.

من دولة إلى ساحة: بداية التفكك السيادي

تأثر لبنان بالعوامل الإقليمية، من المدّ الناصري إلى القضية الفلسطينية، إلا أنّه نجح لفترات طويلة في إنتاج تسويات حالت دون انهياره الكامل. غير أنّ موقعه الجيوسياسي كدولة حاجز بين سورية وإسرائيل جعله عرضة دائمة للتدخلات. وقد شكّل اتفاق القاهرة في العام 1969 نقطة تحوّل أساسية، إذ وافقت الدولة اللبنانية، في سابقة تكاد تكون فريدة، على التخلّي عن جزء من سيادتها، ومنح منظمة التحرير الفلسطينية حق العمل العسكري ضد إسرائيل انطلاقًا من العرقوب في جنوب لبنان. لم يكن ذلك إجراءً مؤقتًا، بل تعبيرًا عن انقسام داخلي عميق حول طبيعة النظام وتوازناته، خصوصا مع تحالف اليسار والمسلمين مع الفدائيين، ليس وسيلة لتحسين مواقعهم السياسية على حساب المارونية السياسية فحسب، بل لإعادة النظر في توازنات النظام نفسه.

ونتيجة لذلك، بدأ التآكل الفعلي للسيادة، مع تعدد مراكز القرار وتعطيل قدرة الدولة والجيش على فرض سلطته على كل الأراضي اللبنانية، وخصوصا على ضبط الفلتان في الشارع. ومع اندلاع الحرب الأهلية، تعمّق هذا المسار. دخل الجيش السوري إلى لبنان في العام 1976 بذريعة أن تقسيم لبنان يهدد أمنه القومي، بينما ثبّتت إسرائيل وجودها في الجنوب، ضمن توازن غير معلن بين الطرفين، عُرف بـ”الخط الأحمر”، حيث جرى تقاسم النفوذ بينهما برعاية أميركية تحت غطاء صراع معلن وتفاهم ضمني في آن. تحوّل لبنان إلى ساحة صراع تُدار فيها النزاعات بدل أن تُدار من داخله. واستمر هذا الواقع عبر احتلال إسرائيلي حتى العام 2000، ووصاية سورية حتى العام 2005.

في هذه المرحلة، لم يعد القرار اللبناني مستقلًا، بل موزعًا بين قوى خارجية، فيما تراجعت الدولة إلى دور شكلي. ولم يشكّل اتفاق الطائف استعادة فعلية للسيادة، بل نقل مركز التأثير إلى سورية، بغض طرف عربي ودولي. وفي ظل هذا الواقع، برز حزب الله كقوة مسلحة في الداخل إلى جنب الجيش السوري، ما أدخل إيران تدريجيًا إلى المعادلة اللبنانية، لتبدأ المرحلة الأخطر، وهي تحول لبنان إلى ساحة هيمنة ثلاثية بدخول إيران إليه منذ ذلك التاريخ. وسوف يترتب على هذه الثلاثية كلفة سياسية وإنسانية وزمنية، حيث بدأت أجيال تعيش في ظل دولة عاجزة. وهنا بدأ ما يمكن تسميته بالمرحلة الأولى من “العمر الضائع”.

حزب الله: من مقاومة إلى مشروع إقليمي- التحول الذي ينتبه إليه اللبنانيون

بعيد الاجتياح الإسرائيلي للبنان في العام 1982، نشأت مقاومة وطنية يسارية في جنوب لبنان ضد الاحتلال الإسرائيلي، ما لبث حزب الله أن أقصاها بتوافق إيراني-سوري في العام 1985، لينفرد بالمقاومة. وبرز الحزب كقوة وطنية أساسية استثنائية ربط سلاحه حصرا بوظيفة تحرير الجنوب، مستفيدًا من بيئة حاضنة يتعاظم تأثيرها تدريجيًا. حتى أنه راكم شرعية واسعة عربيا وإسلاميا، بلغت ذروتها مع تحرير جنوب لبنان في العام 2000. وفي خضم مقاومته، لم ينتبه سوى قلة من اللبنانيين إلى مخاطر ارتباطه وتسليحه من قبل نظام الملالي في إيران على الأمن القومي والمجتمعي اللبنانيين.

غير أنّ هذا الدور لم يكن منفصلًا عن بنيته العقائدية. فقد أعلن الحزب منذ تأسيسه التزامه بولاية الفقيه، ما جعله جزءًا من مشروع إيراني إقليمي يتجاوز الإطار اللبناني. لم يكن ذلك تفصيلًا نظريًا، بل محددًا جوهريًا لطبيعة قراره وخياراته، حيث لم يعد هذا القرار محكومًا حصرًا بالمصلحة الوطنية، بل جزءًا من منظومة إيرانية تعمل على نشر أيديولوجية مذهبية وسياسية لإقامة “هلال شيعي” يمتد من العراق إلى المتوسط عبر سورية، وصولا إلى حدود فلسطين المحتلة، وذلك عبر أذرع محلية تابعة لها، أهمها حزب الله.

بعد التحرير، تحول الحزب وسلاحه من الدفاع عن الأرض إلى طليعة للهلال المذكور في المنطقة، من بيروت إلى سورية والعراق واليمن، وإلى بناء هوية فارسية قائمة وظيفيا على القوة، لخدمة ملفات إيران-سورية ونفوذهما في المنطقة. ومن جانب الدولة، لم يُطرح بجدية موضوع تسليم سلاحه لها، بل جرى تكريس ازدواجية بينها وبين وسلاح الحزب، بذريعة استمرار الاحتلال في مزارع شبعا، وعجز الجيش عن القيام بمهمة الدفاع عن لبنان. وهكذا، لم تعد الدولة المرجعية الوحيدة في قرار الحرب والسلم، بل بات لها شريك أقوى في معادلة تُدار من قبل إيران. وفي هذا التحول، لم يُطرح السؤال الجوهري من قبل كل اللبنانيين: ماذا بعد التحرير؟ هل يُعاد السلاح إلى الدولة، أم يُعاد تعريف الدولة بـ “الدولة المقاومة”، بما يتلاءم مع وجود هذا السلاح؟ وجاء الجواب عمليًا مع مرور الوقت: لم يتكيّف السلاح مع الدولة، بل تكيّفت الدولة مع السلاح، عبر ثلاثية “جيش وشعب ومقاومة” التي دخلت في البيانات الوزارية لإعطاء شرعية لسلاح الحزب.

هكذا، دخل لبنان مرحلة جديدة: لا حرب شاملة ولا استقرار سياسي، بل حالة انتقالية دائمة، تُرحَّل فيها الأزمات وتُعلَّق إمكانات الإصلاح. هذا الوضع شكّل مرحلة ثانية من “العمر الضائع”، بعد مرحلة ما بعد الطائف.

من شراكة شكلية إلى هيمنة فعلية (2005-2016)  

مع اغتيال رفيق الحريري وخروج الجيش السوري من لبنان في العام 2005، دخل لبنان لحظة مفصلية كان يُفترض أن تؤسس لاستعادة السيادة وبناء دولة فعلية. غير أنّ هذا الفراغ لم يُملأ بمؤسسات الدولة وقواها العسكرية، بل بفائض قوة سلاح حزب الله، الذي أحسن استثمار هذه اللحظة لتكريس موقعه لاعبًا لا يمكن تجاوزه. ومن خلال تحالفاته، ولا سيما تفاهم مار مخايل في شباط العام 2006 مع التيار الوطني الحر لقائد الجيش الأسبق عام 2006، أعاد الحزب تشكيل التوازنات السياسية لمصلحته.

وكان أول اختبار لقوة الحزب في الصدام الذي حصل بينه وبين حكومة السنيورة في مناسبتين: حول التحقيق الدولي في اغتيال الحريري، وقرار الحكومة بوقف شبكة هواتفه الأرضية وهيمنته على مطار الحريري الدولي. ولم يتردد الحزب في حسم التوازن عبر ضرب الحصار مع قوى المعارضة حول السراي الحكومي بين خريف 2006 حتى أيار 2008، واحتلال ميليشياته غرب بيروت في التاريخ الأخير، مثبتًا بصورة لا لبس فيها أنّ السلاح أصبح أداة لإعادة ضبط الداخل. لم يكن ذلك حدثًا عابرًا، بل لحظة تأسيسية أكدت أن ميزان القوة الفعلي لم يعد داخل المؤسسات، بل خارجها.

هكذا، شكلت أحداث أيار 2008 لحظة حاسمة، حيث استخدم الحزب سلاحه في الداخل، ما أكد انتقاله من دور دفاعي إلى دور ضابط للتوازنات الداخلية. لاحقًا، كرّس اتفاق الدوحة هذا الواقع، عبر منحه قدرة تعطيل المؤسسات (“الثالث المعطل الذي تحول إلى عرف). أكثر من ذلك، بدأ حسن نصر الله يستخدم التهديد والوعيد في تعامله مع القوى السياسية المناوئة التي تريد نزع سلاحه، ويستخدم أصبعه في التحذير.

هكذا، لم تعد الحكومات تُشكَّل إلا ضمن شروطه، ولم تعد قراراتها تؤخذ إلا ضمن سقفه، وصولا إلى مخالفات دستورية تمثلت بـ “إقفال” مجلس النواب حليفه نبيه بري، وتشكيل الحكومات وفقا لإرادته. كذلك انتخاب رؤساء للجمهورية بين الأعوام 2006 و2025. فأصبح الحزب المتحكم الفعلي بإيقاع النظام.

ومع “التسوية الرئاسية” في العام 2016، ترسّخ نهائيا ميزان قوى مختلّ، باتت فيه القوى السياسية الأخرى تعمل ضمن هامش يحدده الحزب. فقد رعى التسوية بين سعد الحريري وميشال عون، بينما كان سمير جعجع جزءا منها بعقد تفاهم مع ميشال عون. ولم يكن هذا التلاقي الثلاثي نتيجة تفاهم وطني حرّ، بل فرضه السلاح غير الشرعي. وأصبحت الركيزتان الأساسيتان في النظام اللبناني، العونية السياسية والحريرية السياسية، تمرّان عمليًا عبر بوابة حزب الله. فتحوّلت الشراكة الوطنية من توازن بين مكوّنات، إلى علاقة غير متكافئة يحكمها ميزان القوة، حيث يحتفظ طرف واحد بأدوات الحسم، فيما يكتفي الآخرون بالمشاركة الشكلية في السلطة. ولم يعد السؤال من يحكم لبنان، بل كيف يُحكم: هل عبر المؤسسات الدستورية، أم عبر ميزان القوة، وقد حُسم الجواب، عمليًا، لمصلحة القوة. وفي العام 2021، أجهض الثنائي الشيعي فرصة فريدة، وهي مشروع البطريرك الراعي لإنقاذ لبنان، عبر إعلان حياده. فكان الحياد يعني الانسلاخ عن إيران.

تفكيك الدولة: بناء البديل الموازي

امتد نفوذ الحزب إلى بنية الدولة، عبر إنشاء منظومات موازية في المجالات المالية والاجتماعية والخدماتية. نشأ اقتصاد موازٍ، وتوسعت شبكات الرعاية لتصبح بديلًا مباشرًا من مؤسسات الدولة. كما عمل الحزب على إعادة تشكيل البيئة الاجتماعية عبر أدوات تعليمية وإعلامية، ما ساهم في نقل الولاء من الدولة إلى بنى بديلة. لم يعد غياب الدولة حالة استثنائية، بل واقعًا مستقرًا.

ولم يكن هذا المسار منفصلًا عن بنية السلطة، بل تداخل معها في معادلة واضحة: غضّ الطرف عن السلاح مقابل غضّ الطرف عن الفساد الذي أصبح جزءًا من آلية بقاء الطبقة السياسية الحاكمة تحت هيمنة فائض القوة؛ فتكاملت بذلك مصالحها مع واقع السلاح، على حساب الدولة والمجتمع معًا.

ومع اندلاع “الانتفاضة اللبنانية” في العام 2019، ورفع شعار استعادة الدولة، بدا أن هذا التوازن مهدد للمرة الأولى. غير أنّ هذه اللحظة لم تُترجم إلى تغيير فعلي، بل جرى احتواؤها وإجهاضها، بالعنف الميليشياوي وعبر التخوين والترهيب، وإعادة إنتاج الاصطفافات، بما حال دون تحوّلها إلى مسار سياسي مستدام. كان نجاح الانتفاضة يعني قيام دولة قوية تمسك بالحدود مع سورية، وبالتالي انقطاع تواصل الحزب لوجستيا مع إيران.

وكشف الانهيار المالي خلال الانتفاضة مدى حجم التفكك الذي بلغته الدولة. لم يكن ما حدث مجرد أزمة اقتصادية، بل انهيارًا لبنية كاملة، حيث تبخّرت ودائع اللبنانيين في المصارف، وانهارت العملة، وتوقفت الدولة عن تسديد ديونها الخارجية. فتفكك النظام الاجتماعي، في وقت كانت فيه شبكات موازية للمنظومة الحاكمة-المافيا السياسية والحزبية والمالية تستمر في العمل، مستفيدة من هذا الانهيار.

ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل ترافق مع استنزاف ممنهج للاقتصاد الوطني، عبر تشجيع الحزب بيئته على ثقافة التهرّب الضريبي، بينما كان هو يرعى تهريب الممنوعات عبر المرافئ والمنافذ، وتهريب السلع الاستراتيجية (المازوت) والغذائية والدوائية المدعومة من قبل الدولة إلى سورية، حتى الدولار الأميركي، ما أدى إلى خسائر فادحة للخزينة، وعمّق الأزمة المعيشية. وهكذا، لم يعد الاقتصاد إطارًا وطنيًا جامعًا، بل ساحة مفتوحة لشبكات متداخلة، أقواها تلك التي تحمل السلاح أو تحتمي به.

وفي موازاة ذلك، عمل الحزب على تشكيل الوعي بالهوية الفارسية في بيئته، عبر التعليم والإعلام والتنظيمات الشبابية التي تحولت إلى أدوات تعبئة، تُعيد إنتاج الولاء لإيران ضمن بيئة مغلقة. وسعى إلى فرض أنماط ثقافية وسلوكية ضمن مناطق نفوذه، والتمدد بها إلى خارجها، ما يعكس انتقاله من قوة سياسية إلى مشروع يسعى إلى إعادة صياغة المجتمع نفسه، لا فقط التحكم بدولته. وهكذا، أصبح الحزب بنية قائمة بذاتها تستولي تدريجيًا على وظائف الدولة: تمويلًا، وخدمات، وتربية، وثقافة. ولم يعد المواطن في بيئته، يعود إلى الدولة، بل إلى هذه البنية البديلة، ما نقل مركز الولاء من الكيان الوطني إلى إطار حزبي والولاء للولي الفقيه. كذلك، لم تعد الدولة اللبنانية المرجعية الطبيعية والقانونية، ولا لبنان الوطن، بل أحد الخيارات. حتى لم يعد تغييبهما يشكل أزمة، بل واقعًا يُطلب من الناس التكيّف معه. وهنا تتجلى واحدة من أكثر صور العمر اللبناني الضائع قسوة، حيث لا يُحرم اللبناني من دولته فحسب، بل يُدفع تدريجيًا إلى ثقافة الاعتياد على غيابها.

لبنان في خدمة المحور—حين يُختطف القرار السيادي

لم يتوقف الأمر عند الداخل، بل تجاوزته سطوة حزب الله إلى إدخال لبنان في صراعات إقليمية متشابكة، لم تكن يومًا من صلب مصلحته الوطنية. فمنذ انخراطه في الحرب السورية بذريعة حماية الشيعة في القصير، كان وراء تدهور علاقات لبنان الرسمي مع محيطه العربي، وخاصة الخليجي والسعودي. فخسر دعمه التقليدي وعلاقاته الدولية، وتحوّل من مركز مالي وسياحي إلى ساحة صراع. ولم يعد القرار السيادي بيد الدولة، بل جزءًا من حسابات إقليمية. حتى في ملفات حيوية، كترسيم الحدود البحرية، لم يُحسم الأمر وفقا لمصلحة الدولة، بل ضمن توازنات فرضها ميزان القوى. وهكذا، لم يعد لبنان بلدًا يقرر، بل بلدًا يُقرَّر عنه.

في حرب 2006، أقرّ حسن نصر الله بخطأ التقدير، غير أنّ الحدث كشف أنّ القرار لم يكن لبنانيًا. وتكرّر الأمر في حرب إسناد غزة 2023، حيث انخرط الحزب ضمن حسابات إيرانية، ما أدّى إلى دمار واسع وخسائر بشرية كبيرة. إن تورط واسع كهذا، لا يمكن أن يقرر فيها الحزب، بل الحرس الثوري الإيراني. وتطوّر هذا المسار الانتحاري في حرب إسناد إيران في العام 2026، حيث انخرط الحزب في مواجهة إقليمية أوسع، ما أدّى إلى تصعيد عسكري وتوسيع نطاق الدمار في الجنوب. وأظهرت هذه المرحلة بوضوح أنّ القرار الاستراتيجي مرتبط بمحور إيران، لا بالدولة اللبنانية.

وبالرغم من الكلفة العالية التي دفعها والشيعة في الجنوب لإسناد غزة، لم يتغيّر النهج. استمر الحزب في الاعتماد على منطق القوة، ورفض تسليم سلاحه، وتعطيل أي مسار تفاوضي مباشر أو غير مباشر بين لبنان وإسرائيل، مستخدما لغة التخوين بحق رئيس الحكومة سلام، ما قيّد قدرة الدولة على اتخاذ قرارات سيادية. فبقي رهانُه قائمًا على منطق الردع بدلا من منطق الشراكة، وعلى الانتصارات التكتيكية التي لم تُترجَم استقرارا استراتيجيا أو تعزيزا لوظيفة الدولة في الأمن الوطني. وإذا صحّ قوله ترامب بأن إيران ستوقف دعمها لحماس وحزب بالسلاح والمال، فهل يعود إلى لبنان تأئبا عما فعله باللبنانيين وبالدولة؟ وهل يمكن غفران أخطائه  الكارثية المميتة؟

وفي هذا السياق، رفض قرار الحكومة اللبنانية تسليم سلاحه والانخراط في الحياة السياسية اللبنانية إلى جانب الأحزاب الأخرى. فهدّد وتوعّد، إلى أن انخرط مجدّدا بحرب إسناد إيران بذريعة اغتيال خامنئي، بعدما وعد مسبقا أنه سيدخل الحرب. وكالعادة، كان هذا القرار كارثيا عليه وعلى لبنان، إذ، كما حماس في غزة، أعطى الذريعة لإسرائيل لتوسيع نقاط احتلالها للجنوب حتى الليطاني، وجعله مع الضاحية الجنوبية “خان يونس” جديدة غير قابل للحياة. ولم يكترث بالخسائر الفادحة، ولا حتى بإعداد القتلى، والدمار والخراب.

الاستنتاج: بلد استُنزف زمنه

لم يُدمَّر لبنان دفعة واحدة، بل جرى تفكيكه تدريجيًا عبر الحروب والتدخلات الخارجية، وبفعل اختلالات داخلية، وصولًا إلى انتقال القرار الفعلي إلى حزب الله في العقدين الأخيرين. وهذا رتّب كلفة شاملة على لبنان: انهيار اقتصادي، وتراجع في الناتج المحلي، وتفكك مؤسساتي، وخسائر بشرية، ونزوح وهجرة واسعة، إضافة إلى دمار في البنية التحتية وعزلة دولية.

غير أنّ الخسارة الأعمق كانت في تغييب لبنان الوطن عن وجدان حزب الله، وانعكاس ذلك في ممارسات بيئته، ما عمّق التفكك الوطني، وتراجع الثقة بالدولة. كما كانت أيضا خسارة في الزمن، حيث خسر اللبنانيون سنوات طويلة كان يمكن أن تُستثمر في إعادة بناء دولتهم وتطويرها. بدلا من ذلك، عاشوا في حالة مستمرة من عدم الاستقرار، تتراكم فيها الأزمات من دون حلول.

هذا الزمن الضائع لم يكن مجرد نتيجة، بل أصبح واقعًا يوميًا لأكثر من عقدين من الزمن. أجيال نشأت في ظل غياب الأفق، مع تراجع فرص العمل والتعليم، وازدياد النزوح والهجرة، وغياب الثقافة الوطنية. وقد تحوّل القلق إلى حالة دائمة، بعدما خسروا إمكانية العيش في ظروف طبيعية. وفقد الأفراد القدرة على التخطيط لمستقبلهم التي لم يعد امتدادا مستقرا للحاضر. ولم تعد الخسارة مرتبطة فقط بالوضع الاقتصادي، بل بغياب الإحساس بالعيش الكريم.

وهنا، لا يعود السؤال سياسيًا فقط، بل وجوديًا: كم من الزمن يمكن أن يستمر هذا الاستنزاف، قبل أن يفقد المجتمع قدرته على استعادة نفسه؟ نحن خُلقنا للحياة والاستمتاع بها، لا لنكون مشاريع استشهاد، إلا حين يكون ذلك في سبيل لبنان الوطن، وليس للولي الفقيه. ومن بلغ منا سنًّا متقدمة، يجد نفسه يسأل عن سنوات عمره التي ضاعت منذ العام 1975، في مسار لم يكن له فيه قرار.

https://hura7.com/?p=77865

الأكثر قراءة