ماهر أبو شقرا
جريدة الحرة ـ بيروت
حقّقت القوى المعارضة للأحزاب التقليدية نتيجة جيدة في انتخابات طرابلس البلديّة. إنّما جميع الذين نجحوا هم تقريباً من طائفة واحدة هي الأكثر عدداً في المدينة. وهذه ليست المرّة الأولى التي يغيب فيها أعضاء يمثلون التنوع الديني في طرابلس. ومن الوارد أن يتكرّر الأمر في بيروت هذا الأحد. يعتبر عدد لا بأس به من القوى التغييرية والإصلاحية أنّ المدخل للتغيير السياسي هو قانون انتخاب خارج القيد الطائفي، غير أنّ طرحهم يصطدم بواقع أنّ الكثير من الناخبين لا زالوا يميلون إلى الانتخاب على أساس الطائفة وليس الكفاءة أو المشروع السياسي أو الإنمائي؛ وبواقع أنّ الأحزاب التقليدية الطائفية ترى في كلّ ظرف، داخلي أو إقليمي أو دولي، فرصة لنشر خطابها التحريضي، وتقوم بتنظيم جمهورها على أساس طائفي.
دأبت الأحزاب الطائفيّة على القيام بتحالف مؤقت ينتهي مع انتهاء الانتخابات البلدية في المدن الكبرى، الهدف منه حماية نظام الطوائف القائم على توازنات دقيقة. إنّما هذا التحالف المؤقت لم يكترث يوماً للمهام الأساسية للبلدية كالإنماء والخدمات العامة وغيرها، وهي مهام ضخمة في المدن الكبرى مثل طرابلس وبيروت. وبالنتيجة، كانت الجماعات الطائفية تتمثّل في المجلس البلدي، لكن من خلال الأحزاب التقليدية وحدها، وبعد انتخابات بلدية تجري خارج القيد الطائفي وفق القانون الأكثري وليس النسبي. وبعد نهاية الإنتخابات البلدية، تعود تلك الأحزاب إلى عادتها في التحريض الطائفي ومحاصصة مقدرات الدولة وقطاعاتها. أمّا اليوم، فإنّ قدرة الأحزاب الطائفية على إقناع المجتمع اللبناني قد ضعفت، فأصبحت الأعراف في توزيع المقاعد الطائفيّة فجأة على المحكّ.
لا شكّ في أنّ المدن الكبرى تحصد اليوم ما زرعته الأحزاب التقليديّة من تفرقة طائفية، ولبنان لا يحتمل أن تتأخّر المحاسبة الفعليّة لتلك الأحزاب. لقد صار واضحاً للجميع أنّ الأحزاب التقليديّة ليس لديها أي شيء تقدّمه سوى التحريض الطائفي، واللعب على أوتار الهواجس الوجوديّة التي لدى الجماعات الطائفية، وهي هواجس لها أساسها بجميع الأحوال. غير أنّ الطرح الذي تروّج له بعض القوى السياسية المنفصلة عن الواقع، والتي تستخفّ بالهواجس الوجوديّة التي لدى الجماعات الطائفية، والتي تدعو إلى الانتقال فوراً إلى انتخابات خارج القيد الطائفي كمدخل للتغيير السياسي، قد سقط حتماً. وحتى في حال جرت الانتخابات وفق نظام انتخابي خارج القيد الطائفي على أساس النسبية واللوائح المقفلة، فلا شيء يمنع أن يقوم حزب طائفي بتشكيل لائحة مقفلة من لون طائفي واحد، وقادرة على استقطاب الكثير من الأصوات، الأمر الذي سوف يعزّز الطائفية في المجتمع اللبناني، ويعرقل التغيير.
إنّ إنهاء الطائفية السياسية في لبنان، بمعناها الحقيقي والعميق، هو نتيجة للتغيير السياسي وليس سبباً له. والتغيير السياسي الفعليّ في لبنان يحتاج إلى سلّة متكاملة من الإصلاحات تبدأ بفصل الدين عن السياسة بالكامل. وفصل الدين عن السياسة يشمل بالضرورة إقرار قانون جديد للأحزاب، يمنع تشكيل أحزاب طائفيّة أو دينيّة تهدّد وحدة المجتمع. والتغيير السياسي الفعليّ يتطلّب إلغاء امتيازات المؤسسات الدينية ورجال الدين، والمساواة بين جميع أفراد المجتمع اللبناني أمام قضاء مدنيّ موحّد وقانون مدني موحّد، وقضاء عدليّ قادر وعادل ومستقلّ. هذا فضلاً عن إقرار اللامركزيّة الإدارية والمالية والسياساتية الموسّعة، وتعزيز الرعاية الاجتماعية والخدمات العامة من الدولة لإضعاف الشبكة الزبائنية التي تعزّز نفوذ الأحزاب التقليديّة. لبنان بحاجة إلى تحوّل كامل: جمهورية لامركزية، علمانية، اجتماعية. فقط عندها يمكن تجاوز الطائفية.
*سياسي لبناني


