محمد عبد اللطيف
جريدة الحرة ـ بيروت
لم يعرف الشرق الأوسط في تاريخه الحديث سلاماً بالمعنى العميق للكلمة، بل عرف هدنات متقطعة، وتسويات مؤقتة، وترتيبات أمنية فرضتها اختلالات القوة وموازين المصالح. في كل مرة تُرفع فيها راية “السلام”، يكون السؤال الجوهري: سلام لمن؟ ولصالح من؟ وعلى أي أرضية يُقام؟
اليوم، تُعاد صياغة المشهد من جديد عبر محادثات سورية–إسرائيلية برعاية أميركية مكثفة، يقال إنها قد تُتوّج هذا الأسبوع بتوقيع اتفاق أمني أو ترتيبات جديدة في الجنوب السوري. في ظاهر الأمر، يُطرح الموضوع بوصفه خطوة نحو الاستقرار، لكن باطنه يعكس حقيقة أبعد: سلام هش، لا يخرج عن كونه هدنة قسرية في إقليم ممزق، تصوغ شروطه قوة الاحتلال وتديره واشنطن بما يخدم مصالحها الاستراتيجية.
واشنطن… وسيط أم راعٍ لمصالح إسرائيل؟
منذ عقود، تفرض الولايات المتحدة نفسها بوصفها “الوسيط” بين العرب وإسرائيل. لكنها لم تكن يوماً وسيطاً محايداً، بل كانت الراعي الأول لتفوق إسرائيل النوعي عسكرياً وسياسياً واقتصادياً. الضغوط الأميركية اليوم على دمشق لتوقيع اتفاق جديد ليست إلا استمراراً لهذه السياسة، حيث يُراد لسوريا أن تتحول إلى ساحة مفتوحة لإعادة إنتاج الأمن الإسرائيلي، لا أكثر.
واشنطن تدرك أن الجنوب السوري يشكل الخاصرة الرخوة، فهو على تماس مباشر مع الجولان المحتل ومع الأردن ولبنان، أي أنه نقطة التقاء مصالح إقليمية ودولية. ومن هنا، فإن إخراج الجيش السوري من هذه المنطقة، واستبداله بقوى أمن محلية ضعيفة الولاء والانتماء، يعني عملياً إفراغ الحدود من أي تهديد محتمل لإسرائيل.
الترتيبات الأمنية… سلام ناقص
إذا عدنا إلى التاريخ القريب، نجد أن كل اتفاق سلام وُقّع بين دولة عربية وإسرائيل، من كامب ديفيد إلى وادي عربة وأوسلو، لم يكن سوى ترتيبات أمنية بواجهة سياسية. في مصر، جرى تحييد أكبر جيش عربي عن معادلة الصراع عبر قيود صارمة على تسليحه وانتشاره في سيناء. وفي الأردن، جرى تحويل الحدود إلى منطقة آمنة لإسرائيل أكثر مما هي للأردنيين.
واليوم يتكرر المشهد ذاته في سوريا: سحب السلاح الثقيل، إخلاء المواقع الاستراتيجية، قبول إسرائيل بالاحتفاظ بمرتفعات ومراصد، والسماح لها بحرية الحركة الجوية بذريعة مواجهة إيران. هذه ليست عناصر “سلام”، بل مقومات “هدنة قسرية” تُبقي إسرائيل في موقع الممسك بالمبادرة، وتُجرّد الدولة السورية من أي قدرة على فرض سيادتها الكاملة.
مأزق دمشق بين التنازلات والضغوط
القيادة السورية، برئاسة أحمد الشرع، تبدو عالقة بين خيارين أحلاهما مرّ: إما الدخول في تسوية تُخفف الضغط العسكري الإسرائيلي وتفتح نافذة لرفع العقوبات الغربية، أو الاستمرار في مواجهة استنزاف ميداني واقتصادي لا يُحتمل. لذلك، تأتي تصريحات الشرع حذرة؛ فهو يتحدث عن “حفاظ على السيادة” و”معالجة مخاوف إسرائيل الأمنية”، لكنه يعرف في العمق أن أي اتفاق لن يُعيد الجولان المحتل، ولن يُغير حقيقة أن إسرائيل تُريد المزيد من النفوذ على الأرض السورية.
إسرائيل.. أمن أم أطماع توسعية؟
السؤال الذي يطرحه الشارع العربي منذ عقود: هل تبحث إسرائيل فعلاً عن أمن، أم عن توسع دائم؟ منطق الجغرافيا يقول إن إسرائيل لا تكتفي بما لديها. فمنذ نشأتها، كانت عقيدتها قائمة على التمدد خارج حدود التقسيم الأول. اليوم، تطالب بالاحتفاظ بمراصد استراتيجية في جبل الشيخ وتل الحارة، أي نقاط إشراف تمنحها قدرة استخبارية غير مسبوقة على عمق الأراضي السورية واللبنانية.
أما السماح لها باستخدام الأجواء السورية بحرية، فهو يعني عملياً تحويل سماء سوريا إلى بوابة لضرب إيران وحلفائها متى شاءت تل أبيب، دون أي التزام متبادل بوقف العدوان. هكذا يظهر “السلام” كغطاء لتحويل سوريا إلى فضاء مكشوف لإسرائيل، وليس كاتفاق متكافئ يضمن مصالح متبادلة.
ضعف عربي وتشرذم إقليمي
لا يمكن قراءة هذا المشهد بمعزل عن الواقع العربي العام. فغياب التنسيق العربي، وتراجع دور القوى الإقليمية، وانغماس العديد من الدول في أزماتها الداخلية، كلها عوامل جعلت القرار السوري اليوم محاصراً. ما يجري هو انعكاس مباشر لحالة الوهن العربي: بدلاً من أن تكون سوريا محاطة بدعم عربي يقيها الضغوط الأميركية والإسرائيلية، نجدها مضطرة للجلوس منفردة على طاولة التفاوض.
لقد تحولت كلمة “السلام” في القاموس العربي إلى مرادف للتنازل والانكفاء، لا إلى مشروع عادل يعيد الحقوق. وما يجري مع دمشق اليوم ليس استثناء، بل استمرار لهذا المسار الذي بدأ منذ كامب ديفيد ومرّ بأوسلو ووادي عربة، وصولاً إلى موجة التطبيع الأخيرة.
الجغرافيا أقوى من النصوص
الشرق الأوسط ليس مجرد خرائط وحدود، بل هو مسرح لصراع مستمر بين قوى تريد البقاء وأخرى تبحث عن التوسع. الجغرافيا هنا تُفرض كقدر لا فكاك منه: سوريا بموقعها عند عقدة المشرق، بين العراق وتركيا ولبنان والأردن وفلسطين، لا تستطيع أن تنأى بنفسها عن العاصفة.
من يسيطر على الجنوب السوري يسيطر على مفاتيح التوازن مع إسرائيل، ومن يضبط الحدود الشمالية والشرقية يمسك بخيوط العلاقة مع العراق وإيران وتركيا. لذلك، فإن أي “سلام” لا يأخذ في الحسبان هذه الحقائق الجيوسياسية يبقى حبراً على ورق، محكوماً عليه بالفشل أو الانهيار عند أول اختبار ميداني.
ازدواجية المعايير الأميركية
المفارقة أن الضغوط الأميركية على سوريا للتوقيع على اتفاق مع إسرائيل تجري في الوقت نفسه الذي تواصل فيه واشنطن استخدام حق النقض ضد أي قرار أممي يدعو إلى وقف الحرب على غزة. كيف يمكن لواشنطن أن تتحدث عن “السلام” وهي تمنع مجرد هدنة إنسانية لشعب محاصر يُقتل بالآلاف؟
هذا التناقض يكشف بوضوح أن الهدف ليس سلاماً إقليمياً، بل سلاماً موجهاً حصراً لحماية إسرائيل، حتى لو كان الثمن المزيد من الدماء في فلسطين، أو مزيداً من التنازلات في سوريا.
بين هدنة قسرية وسلام عادل
من هنا، يتضح أن ما يجري ليس “سلاماً” بالمعنى الحقيقي، بل هدنة مفروضة بميزان القوى. سلام حقيقي لا يمكن أن يقوم دون انسحاب إسرائيلي كامل من الأراضي المحتلة، وضمان حقوق الشعب الفلسطيني، واحترام السيادة السورية بلا استثناء. أما أن يتحول “السلام” إلى مجرد انسحاب جزئي للغارات مقابل تجريد دمشق من أوراق قوتها، فهو وصفة لتأجيل الانفجار لا لتفاديه.
إن إسرائيل لاعب فوق الدولة في المنطقة، مستفيدة من دعم أميركي مطلق يضمن تفوقها النوعي، فيما تُترك الدول العربية لتواجه أزماتها منفردة. واشنطن ليست راعياً للسلام، بل راعٍ للترتيبات الأمنية التي تحفظ لإسرائيل مكانتها. وسوريا، المحاصرة سياسياً واقتصادياً، تجد نفسها بين مطرقة الاستنزاف وسندان التنازلات. وفي ظل غياب موقف عربي جامع، تبقى الجغرافيا وحدها الضامن بأن أي اتفاق يفرض على الورق لن يصمد طويلاً إذا لم يترجم إلى واقع متوازن على الأرض.
في الشرق الأوسط، لا سلام بلا عدالة، ولا عدالة بلا استعادة الحقوق. كل ما يجري اليوم تحت عنوان “اتفاق سوري–إسرائيلي” ليس سوى محاولة لتجميل واقع مختل، حيث الأقوى يفرض شروطه، والأضعف يرضخ تحت ضغط الحاجة.
لكن التاريخ علّمنا أن الترتيبات الأمنية لا تصمد طويلاً إذا لم تُدعّم بشرعية شعبية وعدالة حقيقية. وما يبدو اليوم كإنجاز دبلوماسي قد يتحول غداً إلى عبء جديد، إذا بقي الاحتلال قائماً والحقوق مهدورة.
السلام في هذه المنطقة ليس سوى هدنة، تُمدد أو تُلغى تبعاً لموازين القوى. أما السلام بمعناه الحقيقي، فلن يأتي إلا يوم تعود الأرض لأصحابها، وتزول أطماع التوسع، وتُبنى علاقات على أساس الندية والاحترام المتبادل، لا على أساس القهر والإملاء. وحتى ذلك الحين، ستظل الجغرافيا تُذكرنا بأن الشرق الأوسط محكوم بالتوتر، وأن “سلام الورق” لن يُطفئ نيران الصراع.


