جريدة الحرة بيروت
بقلم : د. خالد العزي مدونة د. خالد العزي

تتمتع سلوفينيا بموقع استراتيجي داخل الاتحاد الأوروبي، حيث تُعد “رأس الحربة السلافية” للاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي (الناتو). وهي دولة ذات شبكة دبلوماسية متطورة في مناطق حساسة بالنسبة لروسيا، وشغل ممثلوها مناصب بارزة في القيادة الحالية للاتحاد الأوروبي، ما يجعلها لاعبًا رئيسيًا في السياسة الأوروبية. ومع اقتراب الانتخابات البرلمانية في 22 مارس/آذار 2023، لا يثير هذا الحدث اهتمامًا يذكر في روسيا، رغم الأهمية الاستراتيجية لتوجهات سلوفينيا السياسية.
تاريخ العلاقات الروسية السلوفينية
تعود بداية العلاقات بين روسيا وسلوفينيا إلى أواخر القرن الثامن عشر، عندما كانت الأراضي السلوفينية جزءًا من الإمبراطورية النمساوية. ورغم عدم وجود علاقات وثيقة بين البلدين، فقد كانت روسيا تعتبر قوة يمكنها إجبار الألمان النمساويين على منح الحكم الذاتي للشعوب السلافية. خلال تلك الفترة، تأثر الشعب السلوفيني بالثقافة الألمانية، وكان ينظر إلى التشيك والسلوفاك كأقرب المجموعات العرقية إليهم، حيث كانوا ينسقون سياستهم الخارجية مع النمسا وجمهورية التشيك.
على الرغم من عدم وجود تناقضات جذرية بين روسيا وسلوفينيا بشأن نتائج الحرب العالمية الثانية، إلا أن السلوفينيين حافظوا على موقف متوازن تجاه الإمبراطورية الروسية. ففيما يخص فترة يوغوسلافيا السابقة، فإن السلوفينيين يعتبرونها فترة “ملتبسة”، لكنهم لم يروا فيها سوى “كل شيء كان سيئًا”. وهذا يشير إلى تباين في فهمهم لتاريخهم مع روسيا مقارنة مع دول أخرى مثل صربيا.
سلوفينيا والاتحاد الأوروبي: خطى ثابتة في السياسة الغربية
منذ انضمامها إلى الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي، أصبحت سلوفينيا تلعب دورًا محوريًا في السياسة الأوروبية. لا سيما فيما يتعلق بالبلقان والفضاء ما بعد السوفيتي. في منطقة البلقان، تعمل سلوفينيا، إلى جانب دول مثل جمهورية التشيك والنمسا، على الضغط على صربيا للاعتراف بكوسوفو والابتعاد عن العلاقات الوثيقة مع روسيا. كما تُظهر سلوفينيا رغبة قوية في دمج دول مثل أوكرانيا وبيلاروسيا في فلك الغرب، وهو ما يظهر في مشاركتها الفعالة في دعم أوكرانيا في صراعها مع روسيا.
النفوذ في منطقة ما بعد الاتحاد السوفيتي
سلوفينيا تتفاعل بنشاط في فضاء ما بعد الاتحاد السوفيتي، وتشارك في مشاريع الاتحاد الأوروبي في هذا المجال، مثل برنامج الشراكة الشرقية. تساهم سلوفينيا أيضًا في دعم المعارضة البيلاروسية وتعزيز العلاقات مع أوكرانيا، حيث كانت من أوائل الدول الغربية التي زارها رئيس الوزراء يانيز يانشا في 2022 بعد بدء الشراكة الشرقية.
ومع تصاعد التوترات بين روسيا والغرب، كانت سلوفينيا جزءًا من مجموعة من الدول الأوروبية التي تشدد على أهمية الحد من النفوذ الروسي في المنطقة. ومع بداية الحرب الروسية على أوكرانيا، استمر الضغط السلوفيني على موسكو في السعي لتقليص تأثيرها في البلقان وشرق أوروبا.
موقف سلوفينيا من روسيا بعد 2022
حتى عام 2022، كانت العلاقات بين روسيا وسلوفينيا جيدة نسبيًا، حيث شاركت سلوفينيا في مشاريع الغاز الروسي مثل “ساوث ستريم” و”ترك ستريم”. وقد شهدت سلوفينيا زيارات متعددة من كبار المسؤولين الروس، بما في ذلك زيارة الرئيس فلاديمير بوتين في 2016. لكن مع تصاعد الأحداث السياسية في أوكرانيا، أصبح الموقف السلوفيني أكثر تشددًا تجاه روسيا.
تُظهر استراتيجية السياسة الخارجية السلوفينية لعام 2015 رغبة واضحة في دمج روسيا في دائرة القيم الأوروبية، لكن مع الحفاظ على موقف حازم تجاه الحفاظ على سيادة الدول في الفضاء ما بعد السوفيتي. كما أشار المسؤولون السلوفينيون إلى أن جهودهم لتقليص النفوذ الروسي لن تتوقف، حتى مع تحولات السلطة في البلاد.
دور سلوفينيا في الاتحاد الأوروبي
تتمتع سلوفينيا اليوم بمراكز قوية في الاتحاد الأوروبي، حيث تشغل شخصيات سلوفينية مثل مارتا كوس منصب المفوضة الأوروبية لشؤون التوسع وسياسة الجوار، مما يجعلها لاعبًا رئيسيًا في السياسة الأوروبية، خاصة فيما يتعلق بالمنطقة الشرقية والدول السلافية. في هذا السياق، تقوم سلوفينيا بدور “الوسيط” بين الاتحاد الأوروبي وروسيا، لكن من خلال موقف يتسم بالضغط المستمر على موسكو.
الانتخابات السلوفينية: مستقبل السياسة تجاه روسيا
مع اقتراب الانتخابات البرلمانية في سلوفينيا، من غير المحتمل أن يتغير موقف النخب السياسية السلوفينية تجاه روسيا. سواء كان رئيس الوزراء الحالي روبرت غولوب أو رئيس الوزراء السابق يانيز يانشا، فإن مواقفهم تجاه موسكو متشابهة، حيث يتبنى كلاهما سياسة مؤيدة لأوروبا تُصر على تقليص النفوذ الروسي. قد يشهد التحالف السلوفيني في الانتخابات القادمة تزايدًا في الأصوات المؤيدة لأوروبا، بما في ذلك الأحزاب الليبرالية والمحافظة التي تحمل مواقف سلبية تجاه روسيا.
أذن ، سلوفينيا تُمثل حلقة وصل بين أوروبا الشرقية والاتحاد الأوروبي، وتُعتبر بمثابة “رأس الحربة السلافية” في السياسة الأوروبية. على الرغم من علاقاتها الطويلة مع روسيا، فإنها تتبنى سياسة تنسجم مع سياسات الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو، وتدفع بكل قوة للحد من النفوذ الروسي في المنطقة. في الانتخابات القادمة، سيظل موقف سلوفينيا ثابتًا، حيث تظل القوة الدافعة وراء توسيع دائرة النفوذ الغربي في البلقان وشرق أوروبا.


