جريدة الحرة بيروت
بقلم : د. خالد العزي مدونة د. خالد العزي
يقف الشرق الأوسط اليوم على أعتاب مرحلة جديدة قد تعيد تشكيل أسواق الطاقة العالمية لعقود طويلة. فمع تصاعد الحديث عن احتمال التوصل إلى اتفاق سلام يخفف من حدة التوتر في الخليج، ويعيد فتح مضيق هرمز أمام الملاحة الدولية بصورة طبيعية، يعتقد البعض أن العالم يقترب من نهاية الأزمة، وأن أسواق النفط والغاز ستستعيد تدريجيًا توازنها السابق.
غير أن الواقع يبدو أكثر تعقيدًا مما توحي به المؤشرات السياسية. فالهدوء المحتمل في الخليج لا يعني بالضرورة عودة النظام النفطي العالمي إلى ما كان عليه قبل التصعيد الأخير. لقد تغيّر شيء جوهري في بنية سوق الطاقة الدولية، وكأن العالم فتح بالفعل “صندوق باندورا” الجيوسياسي، ولم يعد قادرًا على إغلاقه بسهولة.
مضيق هرمز… من ممر تجاري إلى ورقة ردع استراتيجية
على مدى عقود، تعامل العالم مع مضيق هرمز باعتباره الشريان الحيوي الأهم لتدفق الطاقة العالمية، لكنه ظل أيضًا ممرًا محميًا نسبيًا تحت المظلة الأمنية الأمريكية. إلا أن الأزمة الأخيرة أثبتت أن هذا المضيق لم يعد مجرد ممر بحري، بل تحول إلى أداة ضغط استراتيجية قادرة على إرباك الاقتصاد العالمي خلال ساعات.
إيران خرجت من المواجهة وهي تدرك أن مجرد التلويح بإغلاق المضيق أو تهديد الملاحة فيه يكفي لرفع أسعار النفط والغاز والتأمين والشحن البحري في مختلف أنحاء العالم. ولهذا، لم يعد السؤال المطروح هو ما إذا كانت طهران ستغلق المضيق، بل كيف ستستخدم هذه الورقة مستقبلًا ضمن معادلات الردع الإقليمي والدولي.
ويعتقد كثير من الخبراء أن أي مواجهة مقبلة مع إيران ستترافق تلقائيًا مع مخاطر تهدد حركة التجارة والطاقة العالمية، حتى لو لم يتم إغلاق المضيق فعليًا.
أسعار النفط قد تتراجع… لكن ليس إلى ما كانت عليه
مع الحديث عن احتمالات التسوية وعودة الملاحة إلى طبيعتها، تتوقع المؤسسات الاقتصادية تراجع أسعار النفط مقارنة بذروة الأزمة. وتشير تقديرات عدة إلى أن خام برنت قد ينخفض إلى حدود 80 أو 85 دولارًا للبرميل، وربما يتراوح بين 75 و85 دولارًا إذا استقرت الأوضاع بالكامل. لكن العودة إلى مستويات ما قبل الأزمة، عندما كان النفط يتحرك قرب 60 أو 70 دولارًا للبرميل، تبدو بعيدة المنال في المرحلة الحالية.
فالأسواق لم تعد تُسعّر النفط وفق معادلات العرض والطلب فقط، بل بات “لخطر الجيوسياسي” جزءًا ثابتًا من آلية التسعير العالمية. وبمعنى آخر، فإن “علاوة الحرب” لم تعد حالة استثنائية مؤقتة، بل تحولت إلى عنصر دائم في سوق الطاقة.
كما أن دول الخليج، التي خزّنت كميات ضخمة من النفط خلال فترة التوتر، ستحتاج إلى وقت لإعادة تنظيم الإنتاج والتصدير، خصوصًا مع استمرار الاضطرابات المرتبطة بالنقل والتأمين البحري.
الوقود سيظل مرتفع الكلفة
ورغم احتمال انخفاض أسعار النفط الخام، فإن ذلك لا يعني بالضرورة تراجعًا سريعًا في أسعار البنزين والديزل ووقود الطائرات.
فالأزمة لم تضرب فقط إنتاج النفط، بل أصابت أيضًا شبكات التكرير والنقل والتخزين وسلاسل الإمداد العالمية. كما أن العديد من المصافي الدولية تعمل حاليًا بأقل من طاقتها الإنتاجية، ما يعني أن نقص المشتقات النفطية قد يستمر حتى مع زيادة المعروض النفطي.
ولهذا، قد يشهد العالم مرحلة غير مألوفة: انخفاض تدريجي في أسعار النفط الخام، مقابل استمرار ارتفاع أسعار الوقود لفترة أطول، خصوصًا في أوروبا وآسيا.
الغاز الطبيعي يدخل مرحلة أكثر حساسية
أما سوق الغاز الطبيعي، فيبدو أكثر هشاشة وتعقيدًا. فالأضرار التي طالت منشآت الغاز الطبيعي المسال في قطر، إحدى أكبر الدول المصدّرة للغاز في العالم، فتحت الباب أمام أزمة طويلة الأمد قد تمتد لسنوات. وتشير تقديرات دولية إلى أن إعادة تأهيل بعض خطوط الإنتاج المتضررة قد تستغرق ما بين ثلاث وخمس سنوات.
ورغم أن أوروبا لا تعتمد بصورة كبيرة على الغاز القطري مقارنة بالأسواق الآسيوية، فإن أي تراجع في الإمدادات القطرية سيدفع الدول الآسيوية إلى زيادة مشترياتها من الأسواق العالمية، ما سيرفع الأسعار ويزيد المنافسة الدولية على مصادر الطاقة.
وفي ظل انخفاض احتياطيات الغاز الأوروبية إلى مستويات مقلقة، تخشى العواصم الأوروبية من صعوبة تأمين احتياجات الشتاء المقبل إذا استمرت التوترات أو تعطلت الإمدادات مرة أخرى.
ولادة “النظام الطبيعي الجديد”
لكن التحول الأخطر لا يرتبط بالأسعار وحدها، بل بطبيعة النظام العالمي للطاقة نفسه. فالخبراء يتحدثون اليوم عن ولادة “وضع طبيعي جديد”، تصبح فيه الطاقة جزءًا مباشرًا من الصراعات الجيوسياسية والحروب الدولية. فمن تفجير خطوط “نورد ستريم”، إلى الهجمات على ناقلات النفط الروسية، وصولًا إلى التوترات في البحر الأحمر وأزمة مضيق هرمز، أصبح استخدام الطاقة كسلاح سياسي واقتصادي وعسكري أمرًا شبه اعتيادي.
وبذلك، لم تعد خطوط الأنابيب والموانئ والمضائق مجرد بنى اقتصادية، بل تحولت إلى أدوات ضغط استراتيجية وأهداف حساسة في النزاعات الدولية.
ولهذا السبب، تعيد شركات الشحن والتأمين العالمية حساباتها بالكامل. وحتى لو عاد مضيق هرمز إلى العمل بصورة طبيعية، فإن تكاليف التأمين والنقل البحري ستظل مرتفعة لفترة طويلة، بسبب الخوف الدائم من عودة التصعيد في أي لحظة.
روسيا والصين… شراكة الضرورة
في خضم هذه التحولات، تحاول روسيا تقديم نفسها للصين باعتبارها شريكًا أكثر استقرارًا في مجال الطاقة. فموسكو ترى أن اضطراب الممرات البحرية يمنحها فرصة لتعزيز مشاريع خطوط الأنابيب البرية مع بكين، وعلى رأسها مشروع “قوة سيبيريا 2″، بما يقلل اعتماد الصين على طرق التجارة البحرية المهددة.
وفي المقابل، تدرك الصين أن العالم يدخل عصرًا جديدًا أصبحت فيه الممرات البحرية ومصادر الطاقة أدوات ضغط يمكن تعطيلها أو استهدافها بسهولة.
ولهذا، تبدو بكين أكثر اهتمامًا بتوسيع شراكاتها الطاقوية مع روسيا وآسيا الوسطى، بهدف تقليل المخاطر المرتبطة بالمضائق البحرية، سواء في هرمز أو ملقا أو البحر الأحمر.
هل يواجه تحالف أوبك+ خطر الانهيار؟
لكن السيناريو الأكثر حساسية يتمثل في احتمال اهتزاز تحالف “أوبك+” نفسه.
فإذا عادت الإمدادات الخليجية بقوة إلى الأسواق، وقررت بعض الدول رفع إنتاجها بصورة منفردة، فقد يدخل التحالف في أزمة داخلية تهدد تماسكه. وفي حال انهيار الاتفاقات الحالية، قد يشهد السوق تدفق كميات ضخمة من النفط خلال فترة قصيرة، ما قد يؤدي إلى انهيار الأسعار بصورة حادة.
بعض التقديرات تتحدث عن احتمال هبوط النفط إلى ما بين 30 و40 دولارًا للبرميل إذا اندلعت حرب إنتاج جديدة داخل “أوبك+” بالتزامن مع إعادة فتح مضيق هرمز بالكامل.
غير أن هذا السيناريو يبقى مرتبطًا بسؤال أساسي: هل ستقبل إيران فعلًا بعودة الأمور إلى ما كانت عليه؟ أم أنها ستحتفظ بورقة المضيق باعتبارها أداة ردع استراتيجية تستخدمها كلما تعرضت لضغوط أو تهديدات جديدة؟
عصر “الطاقة القلقة”
الأكيد أن العالم لا يعيش مجرد أزمة عابرة في أسعار النفط، بل يدخل مرحلة جديدة تتداخل فيها الطاقة مع الأمن والعسكر والجغرافيا السياسية بصورة غير مسبوقة.
فمن الخليج إلى البحر الأحمر، ومن “نورد ستريم” إلى مضيق هرمز، لم تعد الطاقة مجرد سلعة اقتصادية، بل أصبحت جزءًا أساسيًا من معادلة الصراع الدولي.
ولهذا، حتى لو تحقق السلام وهدأت الجبهات مؤقتًا، فإن أسواق النفط والغاز لن تعود إلى “الوضع الطبيعي القديم”.
لقد دخل العالم بالفعل عصر “الطاقة القلقة”، حيث يمكن لصاروخ واحد، أو ناقلة نفط، أو إغلاق مضيق بحري، أن يهز الاقتصاد العالمي بأكمله خلال ساعات.


