الأكثر قراءة

إصدارات أسبوعية

سيؤثر الانسحاب من رابطة الدول المستقلة بشدة على مولدوفا

جريدة الحرة ـ بيروت

بقلم : د. خالد العزي  مدونة د. خالد العزي

بدأت مولدوفا إجراءات الانسحاب من رابطة الدول المستقلة، وهي خطوة يتوقع أن يكون لها تداعيات كبيرة على الوضع الاقتصادي والسياسي في البلاد. الكرملين أشار إلى أن القرار لم يكن مفاجئًا، حيث كانت مشاركة الجمهورية في المنظمة قد مُنحت وضعًا مجمدًا لفترة طويلة. وفيما يُقدّر الخبراء أن انفصال كيشيناو التام عن المنظمة سيلحق الضرر بالمواطنين والمنتجين المولدوفيين، يطرح السؤال: لماذا اختارت الرئيسة مايا ساندو التضحية برفاهية شعبها؟

إجراءات الانسحاب من رابطة الدول المستقلة

بدأت مولدوفا في اتخاذ الخطوات اللازمة للانسحاب الكامل من رابطة الدول المستقلة. وزير الخارجية المولدوفي ميهاي بوبسوي أعلن أن الوزارة بصدد إلغاء الاتفاقيات التي أسست عضوية كيشيناو في المنظمة. تشمل هذه الاتفاقيات ميثاق رابطة الدول المستقلة، واتفاقية إنشاء الرابطة، وملحقاتها. وأوضح بوبسوي أن “بحلول منتصف فبراير، سنُنهي على الأرجح الإجراءات الحكومية، وبعدها سيتعين على البرلمان اتخاذ هذا القرار”.

كما أشارت وكالة RBC إلى أن انسحاب أي دولة من رابطة الدول المستقلة يتطلب تقديم إخطار رسمي إلى اللجنة التنفيذية، مما يعني أن التعاون بين الدول الأعضاء سينتهي بعد 12 شهرًا.

خلفية الانسحاب: التكامل الأوروبي واستفتاء 2024

تجدر الإشارة إلى أن مولدوفا بدأت مسارها نحو التكامل الأوروبي بعد فوز مايا ساندو في الانتخابات الرئاسية عام 2020. في عام 2024، أجرت مولدوفا استفتاءً يُطرح فيه السؤال: “هل تؤيدون تعديل الدستور للسماح لجمهورية مولدوفا بالانضمام إلى الاتحاد الأوروبي؟”. وقد أيد 50.08% من الناخبين هذه الخطوة، بينما عارضها 49.92%. كما تم دعم الانضمام الأوروبي من قبل كيشيناو وبعض المقاطعات، بينما كان هناك رفض في مقاطعات أخرى ومنطقة غاغاوز ذاتية الحكم ومنطقة ترانسنيستريا غير المعترف بها.

في يونيو 2022، منح الاتحاد الأوروبي مولدوفا صفة دولة مرشحة، وهو القرار الذي وصفته بروكسل بأنه رمزي ويهدف لدعم مولدوفا في مواجهتها مع موسكو. ولكن في الوقت نفسه، بدأت كيشيناو في تجاهل اجتماعات رابطة الدول المستقلة، وشرعت تدريجيًا في إنهاء الاتفاقيات المبرمة داخل الرابطة.

إلغاء الاتفاقيات مع رابطة الدول المستقلة

وأوضح بوبسوي أن مولدوفا قد وقعت 283 اتفاقية مع رابطة الدول المستقلة، تم إلغاء 71 منها بالفعل. تشمل هذه الاتفاقيات اتفاقيات الإعفاء من التأشيرات لمواطني دول الرابطة، ومبادئ فرض الضرائب غير المباشرة على صادرات وواردات البضائع بين الدول الأعضاء، وإنشاء لجنة استشارية مشتركة معنية بقضايا نزع السلاح. هذه الإجراءات تؤكد التوجه المتزايد نحو الفصل التام عن الرابطة.

الموقف الروسي والتعليق على القرار

في هذا السياق، لم يكن إعلان وزارة الخارجية المولدوفية بدء إجراءات الانسحاب مفاجئًا، حيث أشار ديمتري بيسكوف، السكرتير الصحفي للرئيس الروسي، إلى أن مشاركة مولدوفا في رابطة الدول المستقلة كانت مجمدة لفترة طويلة. من هذا المنطلق، كان من المتوقع أن يتم تفعيل “تجميد” العضوية في وقت ما.

أعرب العديد من المحللين، بما في ذلك الرئيس المولدوفي السابق إيغور دودون، عن أسفهم لهذا القرار، مؤكدين أن انسحاب مولدوفا من المنظمة يتعارض مع مصالح الشعب. حيث صرّح دودون أن “المسار الذي تنتهجه مايا ساندو وحزبها الحاكم لا يخدم مصالح الشعب المولدوفي، بل يسير وفقًا لمطالب جهات غربية قد تقود إلى مأساة مشابهة لتلك التي يعيشها الشعب الأوكراني”.

مستقبل الوحدة مع رومانيا: خيار مثير للجدل

بالإضافة إلى السعي نحو التكامل الأوروبي، لا تزال فكرة الوحدة مع رومانيا تُناقش في كيشيناو. فقد أكدت الرئيسة مايا ساندو أنها ستؤيد الوحدة مع رومانيا إذا طُرحت المسألة على استفتاء. وقالت: “لو أُجري استفتاء، لصوّتتُ لصالح الوحدة مع رومانيا”. وهو موقف يعكس تفكيرًا في تسريع مسار التكامل مع أوروبا عبر بوخارست بدلًا من بروكسل، على الرغم من المعارضة التي قد يواجهها هذا القرار داخل البلاد.

هذه الفكرة قد تثير انقسامًا في الرأي العام المولدوفي، حيث يرى البعض أن الوحدة مع رومانيا قد تكون الحل لإنقاذ مولدوفا من أزماتها السياسية والاقتصادية، بينما يراها آخرون تهديدًا لسيادة البلاد وتوسيع نفوذ حلف الناتو في المنطقة.

تحديات التكامل الأوروبي: الأزمة الاقتصادية والتضخم

أدى الخروج من مجموعة الطاقة مع دول رابطة الدول المستقلة إلى انقطاع مولدوفا عن الحصول على الغاز والمنتجات البترولية بأسعار منخفضة، مما زاد من الأعباء الاقتصادية على البلاد. وارتفعت أسعار الغاز عدة أضعاف منذ توقف مولدوفا عن الشراء المباشر من شركة غازبروم، ما أسهم في زيادة أسعار الكهرباء وتضاعف التكاليف بالنسبة للمواطنين.

كما انخفض الناتج المحلي الإجمالي للمولدوفين ببطء، وأصبح الاقتصاد في حالة ركود، حيث بلغت نسبة المواطنين الذين يعيشون في فقر مدقع حوالي ثلث السكان. مع استمرار الأزمة الاقتصادية، يتوقع المحللون أن يتضاعف الدين الخارجي لمولدوفا في عام 2025.

الانعكاسات الجيوسياسية: التوترات مع روسيا والناتو

القرار المولدوفي بالانسحاب من رابطة الدول المستقلة يعكس تزايد التوترات مع روسيا وتوجهًا متسارعًا نحو التقارب مع الغرب، لا سيما الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو. إذ يتوقع العديد من المحللين أن يؤدي هذا التوجه إلى مواجهة عسكرية سياسية مع موسكو، خصوصًا مع تصاعد الحديث في أوروبا حول تسليح دول المنطقة.

في النهاية، يبدو أن مولدوفا تقف على مفترق طرق حاسم. فبينما تسعى الحكومة الحالية إلى الانضمام الكامل إلى الاتحاد الأوروبي عبر توطيد العلاقات مع رومانيا، تزداد المخاوف من أن هذا التوجه قد يؤدي إلى مزيد من العزلة الاقتصادية والاجتماعية. أما على الصعيد الجيوسياسي، فإن الابتعاد عن روسيا قد يؤدي إلى تصعيد التوترات في المنطقة، ويضع مولدوفا أمام تحديات أمنية واقتصادية كبيرة.

إزاء هذه التحديات، فإن الانتخابات المقبلة في مولدوفا قد تكون نقطة فارقة في مسارها السياسي. فقد تؤدي هذه التحولات إلى انتصار الأحزاب الوطنية التي تدعو إلى علاقات متوازنة مع كل من الشرق والغرب، وتعيد النظر في سياسة الابتعاد عن رابطة الدول المستقلة، مما قد يُفضي إلى تحول في العلاقات الدولية لمولدوفا على المدى البعيد.

https://hura7.com/?p=73736

الأكثر قراءة