الأكثر قراءة

إصدارات أسبوعية

سيادات مخترقة

جريدة الحرة ـ بيروت

بقلم: علي خليل ترحيني مدونة الكاتب علي ترحيني

بينما يفتتح عام ألفين وستة وعشرين فصوله على مشهد دولي شديد الاضطراب، يبدو أن العالم يمزق آخر خيوط معاهدة وستفاليا التي حكمت مفهوم السيادة لقرون، ليدخل طوراً جديداً من “السيادة المخترقة” التي لا تعترف بالحدود الوطنية أمام جبروت التكنولوجيا وشهوة الموارد. إن ما نشهده اليوم من ملاحقة رؤوس السلطة خارج حدودهم، كما يتجلى في المشهد الفنزويلي، وتصاعد الجدل الصادم حول الاستحواذ على أقاليم كاملة كغرينلاند تحت غطاء الأمن القومي، ليس إلا ارتداداً لزلزال جيوسياسي أعمق؛ حيث استبدلت القوى الكبرى الخطاب الدبلوماسي الكلاسيكي بـ “إمبريالية اقتصادية صريحة” تتجاوز القيم الأخلاقية التي تعارفت عليها البشرية منذ حقبة بريتون وودز. لقد باتت المصلحة الفجة هي المعيار الأوحد لتشخيص الحق والباطل، وأصبح مفهوم العبور إلى الاستقرار لا يتحقق إلا عبر السيطرة المطلقة على المعادن الحيوية، والممرات المائية، ومنابع الطاقة التي تشكل الشرايين المغذية لتدفق القوة الاقتصادية وضمان هيمنة العملة الخضراء في وجه التكتلات الناشئة.

في هذا النظام العالمي الذي يتشكل الآن، تسقط الأيديولوجيات التقليدية التي طالما حركت الجماهير لتترك الساحة لقيم الخوارزمية والاستدامة التقنية، حيث يعاد تعريف هوية الدولة القوية بمصطلحات الإزالة والمسح والسيطرة على الموارد، بينما تتقوقع الدولة الفاشلة خلف مفردات الانكسار والارتهان للمساعدات. إن الصراع المحموم بين الغرب والصين وروسيا في القطب الشمالي، أو في حقول أوكرانيا التي تتحول ببطء إلى “مخزن موارد” استراتيجي مقابل ضمانات أمنية صلبة، يؤكد أن الحرب انتقلت من المواجهة الميدانية التقليدية إلى التعطيل الوجودي للخصم عبر اختراقات الأمن السيبراني والمصادرات الميدانية للشحنات النفطية كما يحدث حالياً مع الناقلات المرتبطة بفنزويلا وروسيا. هذا التحول الجذري في فلسفة القوة وضع الأنظمة الإقليمية في مأزق تاريخي، إذ بقيت حبيسة أنماط صراع قديمة عجزت عن مجاراة “العبقرية التقنية” التي تفرض واقعاً سياسياً جديداً لا يعترف بفاعلية الحق إذا لم يتلحف بكساء القوة التكنولوجية.

ومع احتدام هذه التباينات، تظل منطقتنا العربية هي الميدان الأكثر اشتعالاً لهذه المواجهات بالوكالة، حيث يتحول الإنسان في جغرافيا ممتدة من جنوب لبنان وسوريا وصولاً إلى اليمن وفلسطين إلى وقود لتجارب “السيادة التكنولوجية” العابرة للحدود. إن الضغوط الدولية التي تُمارس اليوم لفرض “خارطة نار” جديدة أو ربط ملفات إعادة الإعمار بتفاهمات أمنية واقتصادية قسرية، إنما تهدف إلى تثبيت استقرار وظيفي يخدم سيادة الشركات الكبرى وتكنولوجيا الاقتصاد على حساب السيادة الوطنية.

ومن هنا، يبرز مفهوم “الأصالة والعبور” كضرورة فكرية واستراتيجية، إذ يشير إلى أن استرجاع الحق والفاعلية السيادية في هذا العصر يتطلب مزاوجة حتمية بين حماية الموارد وامتلاك أدوات العصر التقنية. إن العالم اليوم لا يقيم وزناً للشعارات التي لا توفر حماية، والعبور نحو المستقبل يفرض على المنطقة انتزاع مكانتها كلاعب فاعل يمتلك تكنولوجيا القوة، بعيداً عن دور المتلقي لضربات الأقوياء، لضمان البقاء في منظومة دولية أضحت فيها “تكنولوجيا الإخضاع” هي اللغة الوحيدة التي تُكتب بها موازين القوى العالمية.

https://hura7.com/?p=72863

الأكثر قراءة