الأكثر قراءة

سياسة تركيا في إدارة الصراعات الدولية

جريدة الحرة ـ بيروت

بقلم : د. خالد العزي مدونة د. خالد العزي

بعد تصاعد التوترات بين إيران وتركيا نتيجة سقوط صاروخين إيرانيين بالقرب من الحدود التركية، في 11 مارس 2026، لقد وجه وزير الخارجية التركي تصريحًا شديد اللهجة إلى نظيره الإيراني. في هذا التصريح، حذر الوزير التركي من أن تركيا لن تسمح بأي تهديدات لأمنها القومي، مؤكدًا أن الاعتداءات العسكرية أو استهداف الأراضي التركية من قبل إيران ستكون غير مقبولة. وأضاف أن تركيا مستعدة للرد بشكل قوي إذا استمر التصعيد.

وفي تصريحاته، شدد رئيس الدبلوماسية التركية على أن سلامة تركيا وأمنها القومي يمثل خطًا أحمر لا يمكن التهاون فيه. وأوضح أن أي تهديد للأراضي التركية، سواء كان عبر الطائرات المسيرة أو الصواريخ، سيقابل برد حاسم. هذه التصريحات تأتي في وقت حساس، حيث شهدت العلاقات التركية-الإيرانية تحسنًا في الفترة الأخيرة، لكنها سرعان ما تأثرت بشكل واضح بعد الحادث الأخير الذي ألقت تركيا باللوم فيه على إيران.

في تصريح لافت سابقًا، لوزير الخارجية ورئيس جهاز الاستخبارات التركي هاكان فيدان، قال كلامًا يستحق أن يُدرس في مجال العلاقات الدولية. ففي حديثه عن الضغوط التي يواجهها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في عملية صنع القرار، أشار بوضوح إلى أنه “لو اطّلع الإيرانيون على حجم الضغوط التي يواجهها الرئيس ترامب، وقدموا له شيئًا مسبقًا، لما كان للضغط الإسرائيلي هذا التأثير”. هذه الجملة تختصر فلسفة كاملة في إدارة الصراع، حيث تركز على فهم موازين القوى داخل واشنطن، والتعامل ببراغماتية تمنع تحويل الخصومة إلى مواجهة حاسمة قد يكون لها تبعات كبيرة.

ويذكر هذا التصريح بما قاله نفتالي بينيت، رئيس وزراء إسرائيل السابق، عندما وصف خطورة تركيا، قائلاً إن الخطر لا يكمن في قوتها العسكرية فحسب، بل في سياستها الخارجية. وهو محق، فأنقرة تدير ملفاتها الدولية بذكاء وحذر: تناور، تساوم، تتقدم خطوة وتتراجع أخرى، ولكنها تبقى محافظة على مصالحها الاستراتيجية وتراكم قوتها بمرور الوقت. فلسفة فيدان هنا تتجسد في محاولة فهم حدود الخصوم، والتفاعل مع المواقف بمرونة سياسية، وهو ما يساهم في احتواء الأزمات بطريقة تمنع التصعيد.

البراغماتية التركية في إدارة الصراعات

فيدان، في حديثه الموجه إلى الإيرانيين، يوضح أن تركيا قد تعلمت جيدًا كيفية التعامل مع تعقيدات السياسة الدولية. وفقًا له، كان بإمكان إيران احتواء الضغوط الأمريكية بمرونة سياسية، بدلاً من السماح للضغط الإسرائيلي أن يحقق تأثيرًا قويًا. فيدان يقول: “أنتم تعلمون حدود ترامب، وكان يمكن احتواء اللحظة بمرونة سياسية تمنع الضربة وتحفظ أوراق القوة لكم.”

وفي سياق حديثه، يُبرز فيدان السياسة التركية التي تُدير الأزمات بطريقة براجماتية، بحيث تتجنب الاصطفاف في جبهة واحدة ضدها، وفي الوقت نفسه تضمن استمرار تعزيز قوتها. ويضيف فيدان أن تركيا اليوم تمتلك مجموعة من المقومات الاستراتيجية التي تضعها في موقع قوي على الصعيدين الإقليمي والدولي. على سبيل المثال:

  • صواريخ باليستية، تحدثت عنها تركيا ضمن مشاريع متقدمة في الصناعات الدفاعية.
  • اقتصاد صناعي متماسك، يدعم استقرار البلاد ويفتح الأفق أمام تركيا لتوسيع نفوذها على مستوى العالم.
  • خطوط تجارة مفتوحة مع مختلف الدول، وخصوصًا في مناطق حيوية مثل القرن الإفريقي، الشرق الأوسط، أوروبا، وليبيا.
  • نفوذ سياسي واسع في مناطق عدة، من الشام إلى شرق المتوسط.

كل هذه العوامل جعلت من تركيا قوة إقليمية صاعدة، تتمتع بقدرة على إدارة ملفاتها دون الاصطدام المباشر بالمنظومة الدولية، وهو ما يميز سياستها.

مقارنة مع إيران: التحديات السياسية والاقتصادية

في المقابل، سياسة إيران دفعتها إلى عزلة خانقة، مما أوقعها في استنزاف اقتصادي وعسكري مستمر، فضلاً عن تآكل سياسي يهدد بنيتها الداخلية. على الرغم من أن إيران قد نجحت في تقديم نفسها على الساحة الدولية باعتبارها دولة “تقاوم الإمبريالية” وتواجه القوى الكبرى في العالم، فإن ذلك لا يعكس حقيقة الوضع الميداني. إيران ربما نجحت في الحصول على دعم من بعض القوميين في الشارع العربي، ولكن على حساب استنزاف مواردها الداخلية، وجعل الشعب الإيراني يواجه تحديات اقتصادية هائلة، وسط بيئة من القلق والخوف من التصعيد العسكري.

الأزمة الكبرى تكمن في أن معظم الشعوب التي تتحدث عن المقاومة “العميقة” تجد نفسها في حالة من الجوع والفقر، في انتظار صاروخ نووي قد يسقط عليهم ليضع حداً لمعاناتهم اليومية، وهو ما يعكس تفكيرًا عاطفيًا فارغًا لا يواجه المشكلات الحقيقية التي يعاني منها المواطن العادي.

الدرس الواضح: السياسة التركية مدرسة براغماتية

الدرس الذي يمكن استخلاصه من المقارنة بين السياسة التركية والإيرانية هو أن السياسة التركية هي مدرسة براغماتية بامتياز، تهتم بإدارة الصراع والحفاظ على مصالحها دون أن تبتلعها النيران الدولية. تركيا نجحت في تعزيز قوتها الداخلية والخارجية بطريقة ذكية، دون الدخول في صراعات تستهلك مواردها وتعرضها للخطر، وهو ما يجعلها نموذجًا في العلاقات الدولية.

https://hura7.com/?p=76201

الأكثر قراءة