الحرة بيروت ـ بقلم: سيمون صفير
إلى متى سيظلّ لبنان مصنّفاً ضمن دول العالم الثالث النامية، وإلى متى سيظلّ يشحذ الحلول السياسيّة والاقتصاديّة من دول القرار العظمى؟
تكثر الأخبار والتّحاليل السياسيّة المتدفّقة من أفواه سياسيّين وأبواق “إعلاميّة” تابعة لأحزاب، تصل إلى آذاننا وأبصارنا، عبر وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمكتوبة وعبر منصّات التواصل الإجتماعي. وكلّ فريق سياسي يسخّر ما لديه من طاقات وإمكانات لتلميع صورته أمام الرأي العام وينبري للدفاع عن خياراته السياسيّة وصوابيّة أفكاره وقراراته وأفعاله، فيما خصمه يحذو حذوه.
ونسمع صوت هذا النائب أو ذاك الوزير يعلو في وجه من يعارضه الرأي والموقف من الجبهة المواجهة له. وهكذا تكثر الآراء والآراء المضادة، وتكثر مصادر التمويل السياسي المشروط من الخارج لأحزاب السلطة المدرجة على الـ payrollويكثر التضليل، فتتفاقم المشاكل التي يعجز عن حلّها من تسبّبوا بها أصلاً، ومنهم من تربّعوا على عرش السلطات الدستورية ويعملون لمصالحهم الشخصية على حساب مصالح الوطن والشعب العليا والشريفة… وهنا الطامة الكبرى!
وشوشات نسمعها يومياً على مدار الساعة، تلهي البعض عن الجوهر. أما البعض الآخر فيتابع ويحلل ليصل إلى استنتاج منطقي وواقعي في ما خص وضعنا اللبناني والإقليمي، مفاده أن إسرائيل، المدعومة من الإدارة الأميركية، قادرة أن تستمر في إخضاع كل الدول العربية النامية والنفطية منها.
وماذا عسانا نقول عن لبنان النازف بل المستنزف من أعداء الداخل قبل أعداء الخارج الطامعين بخيراته وموقعه الاستراتيجي على خريطة الشرق الأوسط؟ أزمة تعقب أزمة، أما أزمة فقدان رجال الدولة هي عندنا الأخطر والأفظع.
لقد بات من الضروري والبديهي إعادة بناء وتوسيع مرفأ بيروت الذي تم تفجيره في الرابع من آب 2020، ومن الضروري محاكمة المتورّطين في هذه الجريمة في الداخل والخارج، والعمل على توسيع مرفأ جونيه عاصمة كسروان، وبناء إهراءات قمح ومخازن حبوب ومطاحن، ليصير مرفأ دولياً على المستوى التجاري والسياحي، ويتحوّل إلى محور إقتصادي هام في المنطقة كخطوة أولى على طريق اللامركزيّة الإداريّة والماليّة والاقتصاديّة.
هذا ومن الضروري تعقيم لبنان واستنهاض قواه وتحريره من أمراضه وخروجه من جامعة الدول العربيّة مع محافظته على أمتن العلاقات مع كل الدول العربية الصديقة وتطويرها واستثمارها في كل المجالات وعلى أعلى المستويات، لما فيه الخير العام والمصالح المشتركة على الصعد كافة.
ولا بدّ من بناء دولة لبنانيّة حديثة وعصريّة تليق بنا ونليق بها. فنسير بوطننا إلى العلى، على طريق الرقي والتطوير المستدام، لنصل به مستقبلاً، وباستحقاق، إلى مصاف دول العالم الأول الحضاري، خاصة وأن بيروت “أم الشرائع” هي التي نشرت القوانين في أربعة أقطار العالم.
من الضروري أن نهدي لبنان نخبة سياسية تقوده، فنهلّل ونفرح برجال دولة أفذاذ رؤيويّين يديرون شؤونه بحكمة وإيمان ومسؤولية، فتنتفي شكوانا من فقداننا لرجال دولة، حاجتنا إليهم كحاجتنا إلى الماء والهواء والغذاء والدواء والحرية والكرامة والمحبة.
أمبراطوريات اختفت عن وجه الأرض، على مر التاريخ والأجيال. أنظمة سياسية، ومنها أخيراً النظام السوري الديكتاتوري، الذي أذاق شعبه وشعبنا الأمرّين، اندحرت إلى غير رجعة. فما المانع لنا كلبنانيّين أن نأخذ القرار وننفّذه، فنعدّ العدّة، ونشحذ الهمم ونضافر الجهود ونشمّر عن الزنود ونستثمر طاقاتنا الفكرية ومهاراتنا المهنية للنهوض بوطننا؟
وهل هذا مُحال؟ هل تنقصنا الإرادة الصلبة وحب الحياة وروح التعاضد والنخوة التي توارثناها عن السلف الصالح، لكي نبادر وننطلق إلى ورشة إصلاح وطننا لما فيه خيره وتحقيقاً لأهدافنا السامية ومصالحنا العليا؟
من الضروري ألّا نقف على الأطلال نبكي وننتحب، أو نتغنّى بأمجاد الماضي ونكتفي بها، أو نتحسّر عليها، بل أن نلمّ شملنا، نتعاضد، ونتفانى في محبة لبنان المنارة، فننخرط كمجتمع حيويّ في ورشة إعمار هذا الوطن الحلو التائق إلى الخلاص… وخلاصه لا يكون إلا بمحبّتنا له وتكاتفنا واتكالنا على الله.


