الأكثر قراءة

إصدارات أسبوعية

شخصنة الصراع وإدارة التسويات ـ استراتيجية ترامب

جريدة الحرة بيروت

بقلم : علي خليل ترحيني مدونة الكاتب علي خليل ترحيني

شخصنة الصراع وإدارة التسويات ـ استراتيجية ترامب

ترتكز الفلسفة السياسية لدونالد ترامب في إدارة النزاعات الدولية على موازنة دقيقة بين النزعة الفردية ومفهوم إنهاء الحروب، حيث تتحول الأزمات الجيوسياسية المعقدة في منظوره إلى “صفقات شخصية” تعتمد على الكاريزما والتفاوض المباشر.

إن جوهر هذا النهج يكمن في تغليب منطق “رجل الأعمال” على الاعتبارات الأيديولوجية؛ إذ لا يبحث ترامب عن حلول تاريخية عادلة بقدر ما يسعى إلى “اتفاق” ينهي النزيف المالي ويسمح له بإعلان النصر تحت شعار “براند ترامب”.

هذا السلوك يدفعه إلى تجاوز القنوات المؤسساتية الرسمية، كوزارة الخارجية ومجلس الأمن القومي، والاعتماد على دائرة ضيقة من المقربين، مما يمنحه مرونة عالية في التفاوض مع “القادة الأقوياء” بعيداً عن قيود حقوق الإنسان، وهو ما يسهل الوصول إلى تفاهمات سريعة وإن كانت تتسم بالهشاشة البنيوية.

وفي سياق المواجهة المفتوحة مع إيران، تتبلور رؤية ترامب وفق مبدأ “التحطيم ثم التفاوض”، حيث يدمج بين التصعيد العسكري العنيف والضغط الاقتصادي المطلق لإجبار الخصم على الخضوع لاتفاق جديد بشروطه.

وقد تجلى هذا في عمليات عسكرية مكثفة استهدفت تدمير القدرات النووية والصاروخية والبحرية، انطلاقاً من إيمانه بأن القوة المفرطة هي الوسيلة الأسرع لفرض “السلام من خلال القوة”. كما حاول توظيف الدعاية الاقتصادية عبر نموذج السيطرة على النفط الفنزويلي وإدارة بيعه كرسالة تهديد استباقية، بهدف النأي ببلاده عن أزمات الطاقة التي قد تنجم عن إغلاق مضيق هرمز، مراهناً على أن إضعاف الهيكل القيادي سيسمح بخلخلة النظام من الداخل دون الحاجة لغزو بري أمريكي.

إلا أن هذه الحسابات الشخصية التي تسعى لـ “إغلاق الملفات” بأقل تكلفة، اصطدمت بواقع ميداني مغاير؛ فمع دخول المواجهة مراحل متقدمة، يواجه ترامب تحدياً يتمثل في استمرار التماسك والرد الصاروخي رغم غياب القيادات العليا.

وبدلاً من أن يؤدي الاغتيال إلى انهيار النظام، أفضت النتائج إلى التحام شعبي وتحول الحادثة إلى رمزية جامعة تدفع نحو الاستماتة في الدفاع، مما جر واشنطن إلى حرب استنزاف واسعة لا يفضلها ترامب. هنا تظهر الفجوة بين “الواقعية السياسية” التي تدار كصفقة تجارية، وبين العقيدة التي تجعل من الموت والاستنزاف جزءاً من مسار النصر، حيث تفشل أدوات الضغط الأقصى في التعامل مع المحركات الروحية والوطنية التي تولدت بعد الصدام المباشر.

أمام التداعيات المهولة لهذه الحرب على الأمن الإقليمي واستقرار الممرات المائية والاقتصاد العالمي، تتصادم ثلاث إرادات استراتيجية ترسم ملامح الحل أو الانفجار: فبينما يصر ترامب على “اتفاقية إذعان” تجرد إيران من أنيابها الصاروخية والنووية مقابل وقف التدمير، ترفض طهران منطق المقايضة تحت الضغط، معتبرة أن ثمن الاغتيالات والدمار لا يعوضه إلا رحيل كامل للقوات الأمريكية من المنطقة وتثبيت دورها الإقليمي كشرط لأي تهدئة.

ومن جهة أخرى، ترى إسرائيل في استمرار التصعيد فرصة تاريخية للقضاء النهائي على التهديد الوجودي، مما يضغط على واشنطن للاستمرار في تقويض القدرات الإيرانية وتجاوز فكرة الهدنة المؤقتة.

وفي ظل هذا التقاطع، تبرز استراتيجية ترامب للحل عبر مسارين استراتيجيين لإنقاذ أسواق النفط وممرات الطاقة: الأول يعتمد “تجميد المواجهة” وفق خطة “كيلوج-فليت”، بفرض وقف إطلاق نار فوري يبقي القوات على خطوط التماس الحالية.

والمسار الثاني يرتكز على مبدأ “الإعمار مقابل التجريد”؛ بحيث يتم تحويل المساعدات الدولية وصناديق الإعمار كجزرة سياسية، شريطة التزام كافة الأطراف باتفاقية أمنية شاملة تضمن استقرار الملاحة في مضيق هرمز وتنهي تهديد الصواريخ العابرة للحدود، محاولاً بذلك استبدال المواجهة العسكرية المفتوحة بحصار اقتصادي منظم يضمن بقاء الخصم في حالة انكفاء داخلي دون الانزلاق إلى كارثة عالمية شاملة.

https://hura7.com/?p=75723

الأكثر قراءة