جريدة الحرة بيروت
بقلم : د .عبد الرؤوف سنّو، مؤرّخ وباحث
ينطلق هذا المقال من شعور عميق بالألم على ما أصاب لبنان واللبنانيين عمومًا، والشيعة خصوصًا، من خسائر في الأرواح والممتلكات والاستقرار والكرامة الإنسانية. كما ينطلق من قناعة بأنّ الوقت حان لمراجعة المسار العسكري والسياسي والأيديولوجي الذي قاد الطائفة الشيعية إلى موقع مختلف جذريًا وطنيّا عما كانت عليه قبل نصف قرن. فالمسألة اليوم لا تتعلق بخلاف سياسي عابر، بل بسؤال وجودي حول مستقبل جماعة دفعت أثمانًا باهظة باسم خيارات لم تعد نتائجها موضع إجماع حتى داخل بيئتها الحاضنة.
أولًا: من شيعة الحرمان إلى شيعة الدولة
لم يكن الشيعة اللبنانيون تاريخيًا امتدادًا طبيعياً لإيران أو لأي مشروع خارجي. فقد كانوا جزءًا من النسيج الوطني اللبناني والعربي، وأسهموا في الحياة الفكرية والسياسية منذ نشوء دولة لبنان الكبير. إلا أنهم عانوا طويلًا من التهميش السياسي والاقتصادي والإنمائي، خصوصًا في الجنوب والبقاع.
جاء الإمام موسى الصدر ليُحدث تحولًا جذريًا في هذا الواقع. فقد نجح في إخراج الشيعة من حالة التشتت بين الإقطاع السياسي التقليدي والأحزاب اليسارية والقومية العربية، وأعاد تنظيمهم ضمن مشروع وطني لبناني. أسس “المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى” في العام 1969، ثم “حركة المحرومين” في العام 1974، وأطلق نهضة اجتماعية وتربوية وتنموية واسعة. ولم يكن هدفه بناء كيان طائفي مغلق، بل إدماج الشيعة في الدولة اللبنانية كشريك كامل الحقوق والواجبات.
تكمن أهمية الصدر في أنّه لم يحوّل الشيعة إلى جماعة مذهبية منغلقة، بل إلى قوة وطنية تسعى إلى انتزاع حقوقها من داخل الدولة لا من خارجها. وقد تجاوز في خطابه الإطار الطائفي الضيق بالدعوة إلى الحوار الإسلامي–المسيحي والعيش المشترك والعدالة الاجتماعية، مؤكدًا أنّ قوة الشيعة لا تتحقّق إلا من خلال دولة قوية وعادلة.
ثانيًا: المقاومة والسيادة في فكر الإمام الصدر
تميّز الإمام الصدر برؤية متوازنة جمعت بين دعم القضية الفلسطينية والحفاظ على السيادة اللبنانية. فقد رأى أنّ “اتفاق القاهرة” لعام 1969 أضعف حضور الدولة اللبنانية في الجنوب، لأنه شرعن وجودًا مسلحًا خارج سلطتها الكاملة، وترك الجنوبيين والفلسطينيين في مواجهة مباشرة مع الاعتداءات الإسرائيلية. ولذلك لم يقبل أن تتحوّل المقاومة الفلسطينية إلى بديل عن الجيش اللبناني، بل دعا إلى الجمع بين دعم فلسطين وتعزيز سيادة الدولة اللبنانية.
وعندما تعرضت عيترون للاعتداء الإسرائيلي في شباط 1975، زار البلدة فورًا ودعا أهلها إلى الصمود وعدم ترك أرضهم، إدراكًا منه لخطورة تهجير سكان القرى الحدودية. كما طالب بتحصين الجنوب وتسليح أبنائه وتدريبهم للدفاع عنه ضمن إطار الدولة. وبعد الاجتياح الإسرائيلي في العام 1978، جال على عدد من العواصم العربية محذرًا من كارثة تحل بلبنان، فدعا إلى إبعاد البلاد عن الصراع العربي–الإسرائيلي. وهي دعوة لافتة لرجل دين رأى أنّ حماية لبنان بإبعاده عن الصراع العربي-الإسرائيلي شرط أساسي لحماية أهله وقضيته الوطنية.
ثالثًا: الفراغ الذي غيّر وجه الطائفة
شكّل اختفاء الإمام موسى الصدر في العام 1978 نقطة تحول كبرى في تاريخ الشيعة اللبنانيين. ومهما تكن الجهة المسؤولة عن تغييبه، فإنّ المؤكّد أنّ غيابه خلق فراغًا قياديًا استراتيجيًا داخل الطائفة. ومع انتصار الثورة الإيرانية في العام 1979 ثم الاجتياح الإسرائيلي للبنان في العام 1982، دخلت الطائفة الشيعية مرحلة جديدة مختلفة جذريًا عن المرحلة التي أسس لها الصدر.
لم يُخلق حزب الله من العدم بعد الاجتياح الإسرائيلي، إذ كانت له جذوره فكرية وتنظيمية سابقة “أمل الإسلامية”، وداخل الأوساط الخمينية اللبنانية. لكن تحوَله إلى تنظيم موحّد يحمل اسم “حزب الله” تمّ بعد العام 1982 برعاية الحرس الثوري الإيراني وإشراف السفير الإيراني في دمشق علي أكبر محتشمي بور.
ويرى بعض الباحثين أنّ غياب الإمام الصدر أفسح المجال لصعود المشروع الخميني داخل الطائفة، وأنّه لو بقي حاضرًا لشكّل مرجعية شيعيّة وطنيّة منافسة. غير أنّ هذا التفسير يبقى في إطار الفرضيات التحليلية، لأنّ الأدلة الوثائقية القاطعة على وجود تخطيط مسبق لذلك ما تزال غائبة. أما الحقيقة التاريخية الثابتة، فهي أنّ الفراغ الذي خلّفه الصدر استُثمر لاحقًا في سياق التحوّلات التي أعقبت الثورة الإيرانية والاجتياح الإسرائيلي.
رابعًا: من حرب الإخوة إلى الثنائيّة الشيعيّة
لم يفرض حزب الله نفسه بسهولة داخل البيئة الشيعية. فقد شهدت سنوات 1987–1991 مواجهات دامية بينه وبين حركة أمل في ما عُرف بـ “حرب الإخوة”. وكان الصراع يدور بعد تمدّده من البقاع إلى الجنوب حول تمثيل الشيعة وقيادتهم، ودور كلّ طرف في المستقبل السياسي للطائفة.
لكن سورية وإيران توصلتا في نهاية المطاف إلى تسوية قائمة على توزيع النفوذ والأدوار. فاحتفظ حزب الله بالمقاومة والسلاح، بينما تولت حركة أمل التمثيل السياسي والمؤسساتي داخل الدولة اللبنانية. ومن هذه التسوية ولدت الثنائيّة الشيعيّة التي لا تزال تحكم الحياة السياسية للطائفة حتى اليوم. فأنهت الصراع على الزعامة والوظيفة والدور، وحوّلت التنافس بين الطرفين إلى شراكة في إدارة الشأن الشيعي. وهذا التحالف لم يقم على وحدة عقائدية أو سياسية كاملة، بل على تسوية سورية-إيرانية جمعت بين مشروعين مختلفين: مشروع لبناني براغماتي يقوده نبيه بري من داخل مؤسسات الدولة، ومشروع عقائدي عابر للحدود يقوده حزب الله تحت مظلة ولاية الفقيه. وقد استمر هذا التحالف لأنّ المصالح المشتركة في إدارة الطائفة واحتكار تمثيلها في ظلّ الراعيين الإقليميين كانت أقوى من التناقضات الفكرية والسياسية بين الطرفين.
خامسًا: سنوات الصعود: من التحرير إلى النفوذ الكاسح
شكّل تحرير الجنوب في العام 2000 ذروة الصعود الشيعي السياسي والمعنوي. فقد اكتسب حزب الله شرعية واسعة بوصفه القوة التي ساهمت في إنهاء الاحتلال الإسرائيلي، في حين استفادت الطائفة من شبكة واسعة من الخدمات الاجتماعية والمؤسسات الصحية والتربوية التي وفرها الحزب بدعم إيراني كبير.
ثم جاءت مرحلة ما بعد الانسحاب السوري من لبنان في العام 2005 لتفتح الباب أمام توسع النفوذ الشيعي داخل مؤسّسات الدولة. ومع الوقت، أصبحت الثنائية الشيعيّة اللاعب الأكثر تأثيرًا ونفوذًا في الحياة السياسية اللبنانية. وتعزز الحضور الشيعي في الإدارة والاقتصاد والسياسة، وتكرس نفوذ واسع في مجلس النواب والحكومات والإمساك بالعديد من مؤسّسات الدولة.
وعلى مدى أكثر من عقدين، عاش قسم كبير من الشيعة اللبنانيين مرحلة من الاستقرار النسبي والصعود الاجتماعي والاقتصادي لم تعرفها الطائفة في تاريخها الحديث. وبدا للكثيرين أنّ معادلة المقاومة والتحالف مع إيران حقّقت مكاسب ملموسة لم تكن متاحة في الماضي.
غير أنّ هذا الصعود لم يقتصر على السياسة والاقتصاد والنفوذ داخل الدولة، بل رافقته عملية إعادة تشكيل ثقافي وتربوي داخل البيئة الحاضنة للحزب. فبينما كان مشروع الإمام موسى الصدر يرتكز على التعليم والتنمية وتحسين شروط الحياة ودمج الشيعة في الدولة اللبنانية، برز تدريجيًا خطاب جديد جعل من الشهادة والتضحية القيمة الرمزيّة الأعلى. وانعكس ذلك في المؤسّسات التربوية والكشفية والثقافية التابعة للحزب، حيث احتلت رموز الثورة الإيرانية وولاية الفقيه موقعًا متقدمًا في عملية التنشئة الاجتماعية والسياسية. وهكذا انتقل قسم من الأجيال الجديدة من ثقافة التعليم والتنمية وتحسين شروط الحياة إلى ثقافة التعبئة والاستشهاد لتصبح جزءًا أساسيًا من الهوية الجماعية. ولم يكن هذا التحول مجرّد تبدّل في الخطاب السياسي، بل مسّ نظرة الشباب إلى المستقبل وإلى معنى النجاح الفردي والجماعي.
سادسًا: من فائض القوة إلى فائض الخسارة
غير أنّ هذه المكاسب لم تكن بلا أثمان. فقد انخرط حزب الله تدريجيًا في صراعات إقليمية تجاوزت حدود لبنان، من سورية إلى العراق واليمن. كما رأى عدد من الباحثين أنّ حرب تموز 2006 لم تكن حدثًا لبنانيًا صرفًا، بل جزءًا من معادلات إقليمية أوسع عزّزت موقع إيران ودورها في المنطقة.
ومع ذلك، بقيت البيئة الشيعية خلال الفترة الممتدة بين العامين 2006 و2023 تتمتع بقدر من الاستقرار النسبي، ولم تدفع أكلافًا وجودية تهدّد موقعها داخل لبنان، وهذا ما زاد من نفوذ حزب الله على بيئته الحاضنة التي اتسعت على مساحة الجغرافيا اللبنانية. لكن هذه المعادلة تبدلت بصورة دراماتيكية مع حرب إسناد غزة منذ العام 2023، ثم مع إسناد إيران في المواجهات الدائرة في العام 2026.
هنا بدأ ما يمكن وصفه بالعدّ العكسي للمسار الذي سلكته الطائفة طوال العقود السابقة. فقد تعرّض الجنوب لدمار واسع، ودُمّرت قرى وبلدات كاملة، وتهجّرت عشرات آلاف العائلات، وسقط عدد كبير من القتلى والجرحى. وعادت مشاهد النزوح المتكرّر والخراب لتطغى على حياة بيئة كانت قد اعتادت منذ سنوات طويلة على قدر من الاستقرار والازدهار النسبي.
واللافت أنّ هذه الخسائر لم تعد تُفهم داخل البيئة الشيعيّة بوصفها أثمانًا لتحرير أرض محتلة، كما كان الحال قبل العام 2000، بل بوصفها أثمانًا لصراعات إقليمية تتجاوز لبنان وحدوده. ومن هنا بدأت الأسئلة الصعبة تظهر داخل الطائفة نفسها: إلى أي مدى يمكن الاستمرار في دفع هذه الأكلاف؟ وما حدود التضحيات المقبولة؟ وهل يمكن أن تستمرّ جماعة بشرية في تقديم أبنائها وقراها واقتصادها قربانًا لمشروع تتجاوز أولوياته حدود وطنها؟
سابعًا: بين القربان والانتفاض
حتى الآن، لا تزال البيئة الشيعيّة بعيدة عن انتفاضة شاملة على حزب الله. ويعود ذلك إلى عوامل عديدة، منها الخوف من خسارة الموقع السياسي الذي حقّقته الطائفة منذ العام 2000، واستمرار احتكار الثنائيّة الشيعيّة للتمثيل السياسي، إضافة إلى القلق من المجهول الذي قد يلي أي تحوّل جذري، خصوصًا بعد الذي حققته الطائفة على مدى أكثر من ثلاثة عقود.
لكن حجم الخسائر المتراكمة بدأ يفرض أسئلة جديدة لم تكن مطروحة سابقًا. فالحزب الذي شكّل رافعة سياسية ومعنوية للطائفة لعقود طويلة، بات عاجزًا عن منع الدمار أو تعويض خسائره، وإن ادعى “الانتصار” و”الصمود”. كما أنّ إيران نفسها لم تعد قادرة على تقديم مستويات الدعم التي عرفتها المراحل السابقة التي كانت الحزب يستخدمها لبلسمة معاناة شعبه. ومن هنا يبرز السؤال المركزي: هل يستمر الشيعة اللبنانيون في تقديم القربان تلو القربان لمشروع إقليمي تتجاوز حساباته حدود لبنان، أم يعيدون قراءة التجربة كلها على ضوء ما آلت إليه أوضاعهم اليوم؟
إنّ المسألة ليست بين أمل وحزب الله، ولا بين زعيم وآخر، بل بين خيارين مختلفين لمستقبل الطائفة: خيار الاستمرار في ربط مصيرها بصراعات المنطقة، وخيار إعادة تموضعها داخل الدولة اللبنانية بوصفها شريكًا كاملًا في بناء مستقبلها.
ثامنًا: الاستنتاج
تكشف تجربة الشيعة اللبنانيين خلال نصف القرن الماضي عن واحدة من أكثر التحولات دراماتيكية في تاريخ لبنان المعاصر. فقد انتقلت الطائفة من موقع التهميش والحرمان إلى موقع القوّة والنفوذ، ومن جماعة تبحث عن الاعتراف والمشاركة إلى جماعة أصبحت شريكًا أساسيًا في القرار الوطني. غير أنّ هذا الصعود لم يسر دائمًا في خطٍ واحدٍ، بل رافقته تحوّلات عميقة في طبيعة الدور والهوية والمرجعية.
لقد قام مشروع الإمام موسى الصدر على إدماج الشيعة في الدولة اللبنانية، وعلى الجمع بين العدالة الاجتماعية والسيادة الوطنية، وبين دعم القضايا العربية والحفاظ على الكيان اللبناني. أما المشروع الذي تكرّس لاحقًا على يد حزب الله، فقد ربط جزءًا كبيرًا من مصير الطائفة بمعادلات إقليمية تتجاوز حدود لبنان وأولوياته. وبين المشروعين يكمن الفارق بين قوّة تنبع من الدولة وقوّة تنبع من السلاح، وبين شراكة وطنيّة وارتباط بمحور إقليمي.
صحيح أنّ هذا المسار منح الشيعة نفوذًا سياسيًا غير مسبوق، وساهم في تحسين أوضاعهم الاجتماعية والاقتصادية، لكنه وضعهم أيضًا في قلب صراعات لم يكونوا دائمًا أصحاب القرار فيها. ومع مرور الوقت، بدأت الأكلاف البشرية والاقتصادية والاجتماعية تتجاوز المكاسب التي تحقّقت. وقد جاءت حروب إسناد غزة وإسناد إيران لتكشف هذه الحقيقة بصورة قاسية، إذ وجد الشيعة أنفسهم يدفعون مجددًا أثمان التهجير والقتل والتدمير وفقدان الاستقرار، بعد أكثر من عقدين من الصعود النسبي والطمأنينة، وفوق كلّ شيء، عودة الاحتلال الإسرائيلي لقراهم وبلداتهم ومدنهم في الجنوب.
ومن هنا، فإن السؤال المطروح اليوم لا يتعلق بمستقبل حزب الله وحده، بل بمستقبل الطائفة الشيعيّة نفسها. فهل يستمرّ الشيعة في اعتبار أنّ دورهم الإقليمي يبرّر استمرار دفع هذه الأكلاف المتزايدة؟ أم أنّ الوقت قد حان لإعادة النظر في تجربة امتدت عقودًا، والتمييز بين ما خدم مصالح الطائفة وما ألحق بها الأذى؟
إنّ التحدي الحقيقي لا يكمن في التخلي عن القوة أو النفوذ، بل في إعادة تعريفهما. فالقوة التي لا تحمي أهلها من الحروب المتكررة، ولا تمنع تدمير قراهم وتهجيرهم، تتحوّل مع الوقت إلى عبء عليهم. والنفوذ الذي لا يترجم استقرارًا وأمنًا وازدهارًا واستمتاعًا بالحياة يصبح موضع مساءلة من أصحابه قبل خصومه.
ولذلك، فإن المسألة لم تعد بين أمل وحزب الله، ولا بين شخصية وأخرى، ولا حتى بين إيران وخصومها. إنها تتعلق بخيار تاريخي أعمق: هل يبقى الشيعة جزءًا من مشروع إقليمي يطلب منهم المزيد من التضحيات كلّما اشتدت الأزمات، أم يعيدون تموضعهم داخل الدولة اللبنانية بوصفهم شريكًا كاملًا في بناء مستقبلها؟
إنّ استعادة السلم الأهلي وسيادة الدولة لا يمكن أن تتحقّق من دون الشيعة، كما أنّ مستقبل الشيعة أنفسهم لا يمكن أن يُبنى على الحروب الدائمة وتكرار الاستشهاد والدمار. ولهذا، فإنّ السؤال المركزي الذي يفرض نفسه اليوم ليس كم يستطيع الشيعة أن يضحوا بعد، بل إلى متى يستطيعون الاستمرار في تقديم القربان، وماذا تبقى من هذا القربان بعد كلّ ما جرى؟


