جريدة الحرة بيروت
بقلم :أمين نصر
باحث في التاريخ المعاصر ومهتم بالعلاقات الألمانية – الإسلامية
تمثل الصروح التذكارية الوطنية غاية ضرورية لنسج هوية محددة للمجتمعات التي ناضلت من أجل تحقيق رؤى سياسية وكفاحية. من هنا، يعتبر حصر دور الصروح الوطنية من تماثيل ولوحات تذكارية باتجاه واحد فقط هو خطأً كبيرًا، فهذه الأعمال والمنحوتات، لا تُحصر فقط ضمن “جماليات هندسية” تخطف الانظار لدقة صنعتها دون أن يكون لها دورًا وظيفيًا مرتبط بفكرة تكوين الدولة والمجتمع.

إن فكرة بناء الصروح والتماثيل، قديمة قِدَم الإمبراطوريات، لكن دورها تغيّر بفعل الزمن وتطور الأيديولوجيات ونشوء الكيانات السياسية، وبروز مفهوم الدولة والحكومة. في عالمي اليونان وروما القديمين، نجد أن الصروح والتماثيل كانت موجودة بالفعل، لكنها شيدت لخدمة وتكريم الآلهة والأبطال أو لعظمة إمبراطور أو حاكم مستبد، ووجودها كان ضروريًا في الفضاء العام وبناء الهوية المحلية، مثل أبنية اليونان القديمة وتماثيل الإمبراطورية الرومانية التي عبرت عن هيبة الإمبراطور وانتصاراته. وبالفعل، مع تطور مفهوم المدينة-الدولة إلى الدويلة ثم الدولة، تغيرت فكرة هذه الصروح، فبدأت تُشيّد لتكريم الأشخاص أو رموز الدولة وحكّامها من ملوك وقادة ومفكرين، ثم تحولت إلى أداة لخدمة السلطة والدعاية السياسية والحزبية.
تعد ألمانيا من أبرز الدول الأوروبية التي شهدت خلال أقل من قرن على تحولات سياسية وأديولوجية. فقامت الإمبراطورية بنظام ملكي دستوري بين أعوام 1871 و 1918، ثم انتقلت إلى الديمقراطية مع جمهورية فايمار بين 1919-1933، ثم تحولت إلى الفاشية والنازية بين 1933 و 1945، وإختبر سكان ألمانيا الشرقية الماركسية / الشيوعية 1949-1990، ثم الديمقراطية الليبرالية وإقتصادًا إجتماعيًا للسوق بعد العام 1990. وطُبعت كل حقبة تاريخية بطابع خاص يكاد يكون طابع إرتدادي على الفترة التي سبقتها، فالنازية صعدت في سياق أزمة فيمار السياسية مستفيدة من عدة أزمات عصفت بها، وألمانيا بنظومتها الحالية هي ردة فعل على وأد الديمقراطية والذنب التاريخي، فالنظام السياسي لم يستمر في ألمانيا، بل شهد على تبدلات أيديلوجية ساهمت المناخات السياسية في فرضه على الألمان كشعب ومجتمع، ومن هنا نرى أن الصروح الوطنية الألمانية السياسية والتذكارية هي نتيجة حتمية لتلك الأنظمة المتعاقبة منذ القرن التاسع عشر حتى اليوم، وهذه الصروح تحمل في طياتها هوية ألمانيا السياسية وتوجهاتها الفكرية.
لذلك، فالصرح الذي كان يمثل الشرعية والقيّم السياسية في مرحلة معينة تحول لاحقاً إلى رمز لنظام غير مقبول، فنتجت قطيعة سياسية مع الماضي أو أعيد تفسيرها، ثم تأتي مرحلة جديدة وتنتج صروحاً جديدة تعكس أيديولوجيتها، وهكذا.
في الإتحاد السوفياتي مثلاً، لم تتعرض منظومة التماثيل والصروح فيها للقطيعة نفسها التي شهدتها ألمانيا، فالتماثيل القيصرية لم تكن تخدم المؤسسة السوفياتية بذاتها، والذي حصل هو أن السوفييت أعادوا تفسير بعض الشخصيات التاريخية الروسية واستثمروها ضمن سردية وطنية جديدة. وهذا ينطبق أيضًا على فرنسا وبريطانيا، فما زالت الرموز الوطنية الفرنسية ماثلة للاجيال الحالية والقادمة، كدليل حي على تضحيات الجنود الفرنسيين منذ بناء قوس النصر الذي أمر نابليون ببنائه سنة 1806 واكتمل سنة 1836. ولا تزال بريطانيا مثالاً على الاستمرارية الرمزية؛ فعمود نلسون “Nelson” في ساحة ترافالغار، الذي اكتمل عام 1843، لا يزال جزءاً من السردية الوطنية البريطانية رغم تغير الحكومات والتحرر من عبء الإستعمار.
بعد توحيد ألمانيا عام 1871، ركزت الدولة الجديدة (الإمبراطورية الألمانية 1871-1918) على بناء صروح تمجد الوحدة القومية والرومانسية الوطنية والإنتصار العسكري والروح الجرمانية. فنرى، أن “عمود النصر” في برلين Siegessäule بُني بعد الانتصارات البروسية في حروب التوحيد، وأصبح رمزًا للوحدة والإنتصار العسكري ولكن هذا السياق السياسي تغير بعد العام 1918.

ولكن مع وصول النازيين إلى الحكم أعيد إنتقائيًا توظيف الرموز البروسية لخدمة الأيديولوجية النازية، فنصب النصر في برلين أعيد تفسيره وأضيف إسطوانة رابعة عام 1938 على الإسطوانات الثلاث التي مثلت الإنتصارات العسكرية ضد الدنمارك (1864)والنمسا(1866) وفرنسا(1871) ، ليترفع أكثر في مدينة برلين ضمن مشروع إعادة بناء العاصمة وتحويلها إلى Welthauptstadt Germania ، التي حاول هتلر وألبيرت شبير بنائها. فيمثل ارتفاعه شأن الوطن الجرماني، ويعزز فكر الإنتصار والقوة والمجد على جميع الأمم.
وبعد الهزيمة العسكرية الكبرى التي منيت بها ألمانيا العام 1945 عاد التمثال ليفقد دوره التاريخي. أما نصب القيصر فيلهلم الأول أو Kyffhäuserdenkmal فمثل الربط بين الإمبراطورية الألمانية الحديثة (1871) والأسطورة الجرمانية القديمة للإمبراطور فريدريك بارباروسا في العصور الوسطى. وأيضًا Völkerschlachtdenkmal نصب معركة الأمم في لايبزيغ، الذي افتتح عام 1913 لإحياء ذكرى هزيمة نابليون في معركة الأمم عام 1813.
تأسست جمهورية فايمار عام 1919 لتكون مرحلة مختلفة عن سابقتها، فهي دولة مرتبطة بالديمقراطية أكثر ولم تبن صروحًا قومية مستفزة لجيرانها الأوربيين، بل ظهر فيها أبنية مثلت روح العصر والإنفتاح، وأقيم العديد من نصب الجنائزية التي إتخذت طابع رثائي دون أبعاد عسكرية وقومية، ورموزًا ديمقراطية وأصبح مبنى الرايخستاغ، الذي شُيد في عهد الإمبراطورية، مقرّاً للبرلمان في جمهورية فايمار، واكتسب في هذه المرحلة وظيفة مرتبطة بالنظام البرلماني الديمقراطي الجديد.
وفي العام 1933 حدث التحول الكبير، بحيث استخدم النازيون العمارة لربط الماضي بالحاضر، ووظفوا العمارة بشكل غير مسبوق لصناعة عبادة سياسية، يبرزون فيها العرق الآري، والمجد التاريخي والإنتصار العسكري والقوة والمجد، ومن أهم رموزهم Reichsparteitagsgelände للمهندس ألبيرت شبير أو ساحات الكونغرس النازي الحزبي، والذي صمم للمسيرات الجماهرية الضخمة بأبعاد وثنية دعائية، بالإضافة لتمثال “الرجل الألماني القوي” للمهندس أرنو بريكير والذي أطلق عليه أسم “الحزب Die partei ووضع على مدخل المستشارية، ولا ننسى طبعًا مبنى المستشارية الضخم الجديد Reichskanzlei ليمثل الروح الألمانية في ذلك العصر، والعديد من المشاريع والرموزWelthauptstadt Germania في برلين، و Olympiastadion Berlin والذي وظف لخدمة الدعاية الألمانية في الألعاب الأولمبية عام 1936.
ومع سقوط النازية سقطت رموزها وقسمت ألمانيا ودخلت البلاد في مرحلة “تنظيف صورتها” وبحسب رواية كل من ألمانيا الغربية والشرقية عن الماضي، وذلك من خلال هدم أو التقليل من شأن عمارتها ورموزها العسكرية والفاشية. ومن هنا، نفهم موجة الصروح السوفياتي التي إنتشرت في ألمانيا الشرقية والتي مجدت النصر على الفاشية وتمجيد الطبقة العاملة “البروليتاريا”. والأمثلة كثيرة، النصب السوفيتي في تريبتو والذي يصور جنديًا سوفياتيًا كاسرًا بسيفه الصليب المعقوف، أي بمعنى نهائية الإنتصار على الفاشية في قلب برلين نفسها. ومبنى Berliner Schloss البروسي والذي هدمته سلطات ألمانيا الشرقية لكنها أبقت على رمز شيوعي فيها، وهي الشرفة التي اعلن منها كارل لايبنخت قيام الجمهورية الإشتراكية في التاسع من نوفمبرعام 1918، وبُني مكانه قصر الجمهورية Palast der Republik، الذي احتوى على مقر مجلس الشعب لألمانيا الشرقية إلى جانب مرافق عامة وثقافية، وبعد سقوط ألمانيا الشرقية، وبعد جدال طويل حول مستقبل الموقع، تقرر إعادة بناء واجهات قصر برلين التاريخية، وأقيم خلفها مبنى حديث أصبح يعرف باسم Humboldt Forum ، وافتتح عام 2021.
بعد إعادة توحيد ألمانيا عام 1990، دخلت البلاد في مرحلة نكران الماضي والإعتراف بالذنب التاريخي، والتشديد على القيّم الديمقراطية، والتعددية وإحترام حقوق الإنسان. بمعنى آخر تغيرت المفاهيم وتغير مفهوم الصرح الوطني بشكل جذري. فلم يعد الصرح الوطني في ألمانيا المعاصرة يهدف بالضرورة إلى تمجيد الدولة أو انتصاراتها، بل أصبح في بعض أمثلته وسيلة لمواجهة الماضي وتوثيق جرائمه.
فنصب الضحايا اليهود أو المحرقة Denkmal für die ermordeten Juden Europas في برلين، بني لا لتمجيد الماضي، بل لإحياء ذكرى جريمة إرتكبتها الدولة نفسها، وأرتكبها أباء وأجداد من هم في الحكم اليوم، بل أن معسكرات الإعتقال نفسها تحولت لمتاحف مفتوحة تذكر بالماضي السيئ لألمانيا، بينما يختصر فكرة إعادة بناء قصر برلين قرارًا شديد الرمزية، هو التخلص من الرموز الإشتراكية والشيوعية وإستعادة التراث البروسي الثقافي فقط وليس العسكري. أما رمزية القبة الزجاجية على مبنى البرلمان فترمز إلى الشفافية الألمانية وسيادة الشعب والمسائلة.
الخلاصة
يمكن تلخيص تطور “الصروح الوطنية” الألمانية من رمزية القوة والإنتصار مع بروسيا والإمبراطورية إلى الحداثة مع جمهورية فايمار، إلى القوة والروح الجماعية مع الرايخ الثالث، إلى الإنتصار على الفاشية ونهضة الطبقة العاملة مع ألمانيا الشرقية، إلى الإعتراف بالذنب التاريخي وتصحيح أخطاء الماضي. وهذا ما يجعل من ألمانيا حالة فريدة بين الأمم، فالدولة أنتقلت من الماضي العسكري إلى الحاضر التعددي والوعي بالمسؤوليات، فالصروح ليست مجرد مبان تاريخية بل هي ذاكرة مجتمع ودولة وأدوات سياسية عميقة تستخدمها الدولة لصناعة هوية وذاكرة وإنتماء.
ففي ألمانيا اليوم، يصعب الحديث عن مفهوم وطني للصروح او رمزية خالصة لها؛ فهي تتبع المرحلة التي أنتجت فيها هذه الصروح، وهنا الاشكالية في تاريخ المانيا بان البلاد ما زالت تعيش مرحلة من مراحل تاريخها السياسي وهذه المرحلة تمثل مرحلة الذنب التاريخي.
ففي المستقبل إذا تغير النظام الألماني، ماذا سيحدث للصروح الحالية؟


