الثلاثاء, ديسمبر 16, 2025
14.7 C
Beirut

الأكثر قراءة

إصدارات أسبوعية

“صوت الشعب”: صعود نجم منصّات المراهنة على التطوّرات الجيوسياسية

مايكل فرومان / رئيس مجلس العلاقات الخارجية

ترجمة بتصرّف

جريدة الحرة ـ بيروت

كثيراً ما يُطلَب مني أن أقدّم توقّعات بشأن هذا التطور الجيوسياسي أو ذاك في أنحاء مختلفة من العالم. غير أنّي، بعد أن شهدتُ من الأخطاء ما يكفي ــ أخطائي وأخطاء غيري على حدّ سواء ــ طوّرت قدراً من التواضع إزاء قدرة أي فرد بمفرده على الإحاطة بالمستقبل. فباستثناء “أوراكل دلفي” (إشارة إلى الحكيمة والوسيطة الروحية الإغريقية)، يظلّ التنبؤ بما هو آتٍ مهمة عسيرة. ومع ذلك، فإنّ فئة جديدة من “أسواق التنبؤ” بدأت تخوض هذه التجربة بجدّية لافتة.

فعبر منصّات مثل “Polymarketو”Kalshiوغيرها، بات بالإمكان المراهنة بمبالغ ضخمة على مآلات أحداث جيوسياسية كبرى: احتمال التوصّل إلى وقفٍ لإطلاق النار في أوكرانيا بحلول عام 2026 (احتمال بنسبة 25%)، احتمال إقدام الصين على غزو تايوان في عام 2025 (6%)، أو انتهاء ولاية آية الله علي خامنئي كقائد أعلى للجمهورية الإسلامية في العام نفسه (19%). وقد ضخّ المضاربون، منذ بداية هذا العام وحده، عشرات ملايين الدولارات في هذه الأسواق، مع ارتفاع مطّرد في حجم التداولات يوماً بعد يوم. ولنا أن نشير إلى أنّ الرهانات على نتيجة الانتخابات الرئاسية الأميركية لعام 2024 تجاوزت وحدها حاجز المليار دولار.

بغضّ النظر عن الإشكاليات الأخلاقية والقانونية التي تثيرها هذه الأسواق، فإنّ هذه المنصّات تمثّل تجربة ديمقراطية مثيرة للاهتمام، لاسيّما بالنسبة لأولئك العاملين في حقل السياسات العامة الذين يعلون من شأن الخبرة والمعرفة التخصصية.

على أنّ “حكمة الجماهير” ليست بالطرح الجديد كلياً. ففي عام 1907، ابتكر العالِم الموسوعي البريطاني، السير فرانسيس غالتون، تجربة بسيطة: في أحد معارض الماشية، جمع من سكان البلدة والمزارعين 787 ورقة رهان لقاء رسم رمزي، طالباً منهم تخمين وزن ثور معروض كجائزة. وإذ تباينت التخمينات على نطاق واسع، بلغ الوسط الحسابي للتخمينات 1207 أرطال، أي بزيادة لم تتجاوز 1% عن الوزن الفعلي للثور. وقد وصل إعجاب الرجل الأرستقراطي بهذه النتيجة حدّ قوله: “أجد هذه النتيجة أكثر إقناعاً بموثوقية الحكم الديمقراطي مما كان متوقعاً”.

قد يكون من السهل تقدير وزن ثور، لكنّ الأمر يختلف تماماً حين يتعلّق بتقدير حسابات دونالد ترامب وسائر قادة العالم في ما يخصّ مخططاتهم الجيوسياسية. أو لعلّه لا يختلف! ففي شهر حزيران/يونيو، عندما صرّح ترامب بأنّه يفكّر في توجيه ضربة للبرنامج النووي الإيراني، سارع العديد من خبراء الشرق الأوسط إلى استبعاد احتمال لجوء الولايات المتحدة إلى الضربات العسكرية، على الأقل في تلك اللحظة الزمنية. لكن أسواق التنبؤ لم تُبدِ مثل هذا الاستخفاف، إذ قدّرت احتمال تنفيذ الضربة بنسبة 58% قبل نهاية ذلك الأسبوع. وتبيّن لاحقاً أنّ سبع قاذفات B-2 الشبحية كانت بالفعل في طريقها إلى الأجواء الإيرانية، محمَّلة بأربع عشرة قنبلة خارقة للتحصينات.

ورغم أنّ هذه الأسواق كانت موضة شائعة في عشرينيات القرن الماضي، فإنّها صارت، على مدى العقدين الماضيين، من المحرّمات ومجرَّمة في معظم الولايات المتحدة. غير أنّ الحكومة الأميركية ليست غريبة عن هذا النوع من الأدوات. ففي مرحلة ما، كان جهاز الأمن القومي من أبرز مستخدميها؛ في العقد الثاني من الألفية، أنشأت أجهزة الاستخبارات الأميركية سوقاً داخلية للتنبؤات على شبكتها المصنّفة، أُطلق عليها اسم سوق التنبؤ التابعة لمجتمع الاستخبارات. وقد شارك في هذه المنصّة أكثر من 4000 مستخدم من أفراد مجتمع الاستخبارات، وأجروا ما يزيد على 190 ألف عملية تداوُل مرتبطة بأسئلة التوقعات الجيوسياسية. كذلك، استثمرت وكالة مشاريع أبحاث الاستخبارات المتقدمة (IARPA) في عدد من برامج الابتكار واسعة النطاق في مجال التنبؤ، أبرزها برنامج التقدير الشرطي التجميعي (Aggregative Contingent Estimation Program) ومسابقة التنبؤ الهجين (Hybrid Forecasting Competition).

واليوم، نعود إلى النقطة ذاتها ولكن في سياق مغاير؛ إذ تستعدّ منصّة “Polymarket”–  المدعومة حالياً من دونالد ترامب الابن – لدخول السوق الأميركية بعد معركة قانونية طويلة، بينما تتبنى لجنة تداول السلع الآجلة (CFTC)  نهجاً أقرب إلى “عدم التدخل”، تجلّى في سماحها ببعض أشكال المراهنة على الرياضة عبر هذه المنصّات.

والواقع أنّ المراهنات الرياضية باتت بالفعل الفئة الأعلى من حيث حجم التداول في هذه الأسواق، الأمر الذي يثير تساؤلاً أعمق: ما هي الجدوى الحقيقية لأسواق التنبؤ الحديثة، ولا سيّما في مجال السياسة الخارجية؟ تشير الأدبيات إلى ثلاث وظائف متداخلة: التحوّط ضد المخاطر الاقتصادية المرتبطة بالأحداث الواقعية؛ تسعير تلك الأحداث ومن ثمّ التنبؤ بها؛ وتوفير المتعة للمقامرين. حتى الآن، أخفقت أسواق التنبؤ في تحقيق الهدف الأول، وحققت تقدّماً ملموساً في الهدف الثاني، فيما سجّلت نجاحاً كاسحاً في الهدف الثالث. وأغلب الظن أنّ هذه الديناميات لن تتغيّر في المستقبل القريب.

في جوهرها، ليست الأسواق سوى آليات لتجميع المعلومات. فعندما يكون هناك تسعير خاطئ في السوق، يمتلك المشاركون حافزاً مالياً لإجراء صفقات تُصحّح ذلك الخطأ، وبذلك تنتشر المعلومة ويُعاد ضبط التوازن. غير أنّ قدرة الأسواق على جمع المعلومات تظل رهينة مستوى سيولتها وعمقها. ومن هذه الناحية، فإن أسواق التنبؤ الجيوسياسي الراهنة لا تزال قاصرة في معظمها، إذ، حتى الآن، ومع استثناء الأسواق الخاصة بالانتخابات، ظلّت معظم أسواق التنبؤ محدودة التداول.

وقد تبقى السيولة مقيّدة لأسباب عدة. فثمة اهتمام عام متواضع، وقيمة اقتصادية محدودة لنتائج كثير من الأحداث الجيوسياسية. أما الأطراف التي ترتبط مصالحها المالية الكبرى بتلك الأحداث، فهي أكثر ميلاً إلى التحوّط من خلال أسواق التأمين بدلاً من التعويل على أسواق التنبؤ. يضاف إلى ذلك القيود المفروضة على طبيعة الأحداث التي يُسمح للأسواق بالتنبؤ بها؛ إذ يحظر القانون الأميركي على المنصّات المرخَّصة في الولايات المتحدة، مثل “Kalshi”، طرح عقود مرتبطة بالإرهاب أو الحروب أو الاغتيالات. ورغم أنّ هذه القيود قد يُطعَن بها قانونياً، فإن لها مبررات وجيهة، سواء من منظور أخلاقي، أو لتجنّب الاحتمال القاتم بأن يقدم البعض على ارتكاب مثل هذه الأفعال بغية جني أرباح من مراكزهم السوقية. وأخيراً، ستظل مشكلة السيولة قائمة ما لم تُعتمد ضوابط أكثر صرامة تحول دون إساءة استخدام الأسواق، وتضمن فرض عقوبات رادعة على الممارسات المحظورة مثل التداول بناءً على معلومات داخلية  (insider trading).

ومن دون سيولة كافية – وهي ما يمنح الأسعار قيمتها الحقيقية – من الحكمة التعامل مع نسب الاحتمالات الجيوسياسية المتداولة في الأسواق اليوم بهامش خطأ واسع. فلا يجوز أن تكون أسواق التنبؤ مبرّراً للاستغناء عن الخبرة، وخصوصاً خبرة الأكاديميين والمحللين. فالسوق لا تشكّل بديلاً عن المعرفة التخصصية، بل مكمّلاً لها. الأسعار تصلح كـ”اختبار حدسي”، لكنها ليست “كرة بلورية” تكشف المستقبل. أما دقّة التنبؤ فلا تُقاس بصفقة واحدة، بل على مدى زمني أطول وبعيّنة واسعة نسبياً.

يمكن للمرء أن يستخدم أسواق التنبؤ اليوم لتصفية الضجيج المعلوماتي، لكن ليس لاختراق جوهر المسألة. مع ذلك، وبالرغم من هذه القيود، فإن أسواق التنبؤ في حالة صعود. ولست أرى من الحكمة المراهنة ضد هذا الاتجاه. فقد كتب السير غالتون قبل أكثر من قرن: “في هذه الأيام الديمقراطية، فإن أي بحث في مصداقية وأوجه خصوصية الأحكام الشعبية يُعدّ موضع اهتمام”.

https://hura7.com/?p=65293

الأكثر قراءة