الأكثر قراءة

ضاهر لـ”الحرة”: الصلاحيات الواسعة لوزارة المالية في تطبيق القانون 410 تفتح ثغرات المحسوبيات قبل الانتخابات النيابية

إعفاءات المتضررين من الحرب الإسرائيلية محاطة بثغرات قانونية واستنسابية محتملة

أمل خليل

جريدة الحرة ـ بيروت

في الجلسة الأخيرة لمجلس النواب، أُقرّ مشروع القانون المُعجّل الوارد بالمرسوم رقم 410 تاريخ 2025، الرامي إلى منح المتضررين من الحرب الإسرائيلية على لبنان بعض الإعفاءات من الضرائب والرسوم، وتعليق المهل المتعلقة بالحقوق والواجبات الضريبية، وذلك بصيغته المعدّلة.

ورغم أهمية هذا القانون، إلا أنّه يعاني، بحسب المختصين، من شوائب قانونية تفقده الكثير من فعاليته، وتفتح الباب أمام الطعن فيه أمام المجلس الدستوري. كما أنه يُكرّس تباعداً وتنافراً بين اللبنانيين، نظراً لانعدام الشفافية في الآليات المعتمدة لتحديد المستفيدين من الإعفاءات والمساعدات، لا سيّما عند مقارنته بالضوابط الواضحة التي نصّ عليها القانون رقم 194/2020 المتعلق بإعفاءات متضرري انفجار مرفأ بيروت، مقابل غموض المعايير في القانون الجديد الوارد في المرسوم 410/2025.

المتضررون من العدوان الإسرائيلي على لبنان

القانون ضروري ويقارب حقوق شريحة واسعة من المواطنين

في حديث خاص إلى جريدة “الحرة”، يفنّد الأستاذ المحاضر في قانون الضرائب والمالية العامة، المحامي كريم ضاهر، القانون المعجّل الوارد في المرسوم 410/2025، عارضًا ما له وما عليه، حسناته وثغراته، مؤكّدًا أن “إمكانية التصحيح والتحسين لا تزال قائمة”.

ويشدّد ضاهر على أنّه “لا يقارب الثغرات التي تعتري القانون الجديد من زاوية معارضته لحماية المتضررين من العدوان الإسرائيلي الغاشم الذي استهدف مواطنين لبنانيين منذ 7 تشرين الأول 2023، وتفاقمت حدّته اعتبارًا من أيلول 2024″، مضيفًا أن “القانون، من حيث المبدأ، محق وعادل وضروري، ويجب أن يُقرّ لعدّة أسباب، أولها أن من واجب الدولة والمشرّع رعاية المواطنين، خصوصًا عندما يكون الضرر ناجمًا عن قوة قاهرة وخارجة عن إرادتهم. فالحرب لم يجلبها اللبنانيون لأنفسهم، وإن كانت هناك أعمال مقاومة، كما أن بعض اللبنانيين يحمّلون أطرافًا داخلية أو خارجية مسؤولية ما جرى”.

ويجزم ضاهر بأنّ القانون يقارب حقوق شريحة كبيرة من المواطنين، تشمل بحسب التقديرات مليون نازح، ونحو أربعة آلاف شهيد، وستة عشر ألف جريح، وعشرات آلاف الوحدات السكنية والمؤسسات التجارية التي دُمّرت أو تضرّرت. ومن غير الجائز تحميل هؤلاء المواطنين مسؤولية ما حصل، حتى لو تعدّدت القراءات السياسية في شأن أسبابه وخلفياته.

ويرى أن دور الدولة في هذا السياق هو دور الراعي، ودور باقي المواطنين هو دور تضامني، وهو ما تجلّى خلال الحرب من خلال تضامن اللبنانيين من مختلف المناطق والانتماءات مع إخوتهم النازحين، وتقديمهم للمساعدة والإغاثة، وهو الحد الأدنى من الواجب الوطني.

ويضيف: “من هنا، فإن إقرار هذا القانون يُعدّ محقًّا وأساسيًّا، ليس فقط من ناحية العدالة الاجتماعية، بل أيضًا من حيث ترسيخ مبدأ التضامن الوطني والمواطنة والعقد الاجتماعي الذي يجمع اللبنانيين في وحدة المصير والآلام”.

ويتابع ضاهر: “هذا النموذج شهدناه أيضًا عقب انفجار مرفأ بيروت، عندما أقرّ القانون 194/2020، الذي منح المتضررين إعفاءات ضريبية وحوافز مالية ومساعدات، وهو ما أعاد تأكيد دور الدولة كراعٍ للمواطنين، ورسّخ قيم التضامن الوطني. وعلى هذا الأساس، فإن القانون الحالي يمثّل امتدادًا لهذا النهج، ويكتسب مشروعيته من المقارنة الموضوعية مع تجارب مشابهة”.

ويكشف في هذا السياق أنه “مع بداية الحرب، أعددنا، بالتعاون مع فريق من الخبراء، دراسة عن الواقع الاقتصادي الناتج عن الحرب، ورفعنا توصيات عاجلة تتضمن حزمة من التدابير السريعة. كما قمنا بتحضير اقتراح قانون للإعفاءات والحوافز الضريبية، كان نطاقه أشمل من القانون الذي أُقرّ مؤخرًا”.

المتضررون من انفجار مرفأ بيروت

ثغرات تضرب روحية القانون

في المقابل، يسجّل المحامي كريم ضاهر ملاحظات عدّة على ما ورد في القانون، كاشفًا عن الثغرات القانونية التي تشوبه: “أسجّل تحفّظي على مضمون بعض المواد الواردة في القانون، إذ يُلاحظ، كما جرت العادة، أن القوانين تُصاغ بصيَغٍ ملتبسة، تتيح المجال لتحويرها عن أهدافها الوطنية واستعمالها، عند الحاجة، لأغراض سياسية، حزبية، أو انتخابية. وهذا ما يُفرغ القانون من روحيّته وهدفه السامي. فبدلاً من أن يشكّل بابًا للتضامن بين اللبنانيين، قد يتحوّل إلى سبب في تأجيج النقمة والانقسام، إذا ما استُخدم بطريقة غير حيادية أو عادلة، أو وفقًا لمعيار المحسوبيات”.

ويلفت إلى “أن قسمًا من اللبنانيين، بفعل هذه المحسوبيات، سيبدأ بالتشكيك بجدوى الالتزام بواجباتهم القانونية والضريبية، خصوصًا في ظل الأزمة المصرفية والضبابية التي تحيط بمصير الودائع، وذلك عند مشاهدتهم كيف تُهدر الأموال وتُمنح الإعفاءات من الضرائب في غير محلّها، لغايات تخدم أزلام السياسيين والمقرّبين منهم. فإذا لم تتحقّق العدالة في تطبيق هذا القانون، فإن ذلك سيؤدي إلى خلق تباعد ونقمة بين اللبنانيين، بدلاً من أن يقربهم من بعضهم البعض”.

ويعدّد ضاهر، على سبيل المثال لا الحصر، بعض الشوائب التي تعتري القانون:

أولًا: من هي الجهة التي ستُناط بها مهمة تحديد وتقدير الأضرار، وتحديد المستفيدين من الإعفاءات والتعويضات؟

بالمقارنة مع القانون 194/2020 الذي طُبّق على متضرري انفجار مرفأ بيروت، شكّلت الدولة لجنة ضمّت مختلف الأطراف والوزارات المختصة (المالية، الدفاع، الداخلية، النقل)، بالإضافة إلى نقابة المهندسين، ومجلس الإنماء والإعمار، وممثلين عن قيادة الجيش، بوصفها المؤسسة الأقدر ميدانيًا على مسح الأضرار. وكانت اللجنة ترفع تقاريرها إلى مجلس الوزراء للمصادقة عليها.

أما في القانون الجديد، فقد أُنيطت هذه المهمة بوزارة المالية وحدها، التي مُنحت صلاحية تشكيل لجنة خاصة، دون تحديد أي معايير للتشكيل، كما أُعطيت الحق في التعاقد مع شركة خاصة لتدقيق الملفات، ورفعها إلى الوزارة التي تقوم بدورها، عبر لجنة تقنية، بمقاطعة البيانات مع مؤشرات متوفرة من مراجع دولية مثل البنك الدولي. وبذلك، تصبح وزارة المالية المرجع الوحيد لتفسير وتطبيق المادة 7 من القانون، وتحديد آليات التنفيذ، ما يجعلها “الآمر الناهي” في هذا السياق.

ويُنبّه ضاهر إلى أن “هذا التركيز المفرط للصلاحيات في يد طرف واحد أمر غير مقبول، لا سيما وأن الوزارة، شئنا أم أبينا، تُحسب راهنًا على طرف سياسي معين، مع احترامنا الكامل لشخص الوزير الحالي، وكفاءته، ومناقبيته”.

ويضيف: “نحن على مقربة من انتخابات نيابية مفصلية، ومن غير المقبول، لا قدر الله، أن تُدار الإعفاءات بمنطق الاستنسابية أو المحسوبيات، فتُمنح لمن هم مقرّبون وتُحجب عن الآخرين، مما يُحوّل هذه المساعدات إلى أداة انتخابية وتمييزية بين المواطنين. صحيح أنه لا يمكن الجزم مسبقًا بحدوث الاستنسابية، لكن حصر الصلاحيات بيد جهة واحدة دون رقابة ومراجعة ومساءلة شفافة وفعّالة، يُضاعف من احتمالات الانحراف في التطبيق. ومن هنا، لا يمكن – ولا يجب – ترك هذا الملف في عهدة وزارة أو جهة واحدة، كائنًا من كانت”.

لعدم حصر الصلاحيات كاملة بوزارة المالية

ثانيًا: إغفال المشرّع الذي وضع القانون، عند منحه الإعفاءات للمتضررين، أهم إعفاء، وهو رسم الانتقال المفروض على الهبات والمساعدات التي تصل إلى المتضررين من أشخاص طبيعيين أو معنويين.

فوفقًا للمادتين 16 و44 من المرسوم الاشتراعي رقم 146 تاريخ 12/6/1959 وتعديلاته (قانون رسم الانتقال)، تُفرض رسوم على كل مبلغ أو مال منقول أو غير منقول يُمنح دون مقابل، وتفوق قيمته راهنًا 96 مليون ليرة لبنانية بالنسبة للأشخاص الطبيعيين، وستة مليارات ليرة لبنانية بالنسبة للجمعيات، وتخضع لضريبة تصاعدية. وفي حال عدم وجود صلة قرابة بين المتبرّع والمتضرر، قد تصل نسبة الرسم إلى 45%.

وبحسب ضاهر فإن “هذا التفصيل لم يُلحظ في القانون، ومن الضروري إدراجه لإنصاف المتضررين وتحريرهم من أي موجب أو مسؤولية محتملة تجاه الدولة، خصوصًا فيما لو وُجّه إليهم مستقبلاً اتهام مغرض بالتهرّب الضريبي، وهو ما قد يرتّب عليهم عواقب خطرة مثل تبييض الأموال أو الإحالة إلى النيابة العامة المالية. وهذا يفتح، للأسف، بابًا إضافيًا للابتزاز والتهويل إن لم يُعالَج بشكل قانوني واضح وصارم”.

ثالثًا: وجود مؤسسات تجارية وأشخاص ساعدوا المتضررين خلال الحرب، واستضافوا النازحين لأشهر، ووفّروا لهم كل حاجاتهم الأساسية.

“ألا يحق لهؤلاء أيضًا أن يُمنحوا حوافز وإعفاءات ضريبية تعوّض خسائرهم، وتشجّعهم، هم وسواهم، على تكرار هذه المبادرات العفوية في المستقبل؟ خصوصًا أنهم قاموا بدور الدولة التي كانت عاجزة ومقصّرة في إدارة الأزمة؟”.

رابعًا: في ما يتعلق بإعفاء أهالي الشهداء الذين سقطوا خلال الحرب من الرسوم الضريبية، وهو أمر إيجابي، يلفت ضاهر إلى ضرورة تعديل النص القانوني لجهة ضمّ أهالي الشهداء الذين قد يسقطون أيضًا بعد تاريخ نشر القانون ونفاذه. “إن غياب هذا التوضيح يُنتج حالة من الغموض القانوني وعدم الاستقرار التشريعي، وهو ما لا يجيزه المجلس الدستوري، ويُشكّل خطرًا في إمكانية استغلال النصوص خارج غاياتها وأهدافها”.

خامسًا: تتضمّن إحدى مواد القانون نصًا يمنح إعفاءات ضريبية لمن تضرّرت مساكنهم، طالما أنها لم تُرمّم أو يُعاد إعمارها، لكن من دون تحديد أي مهلة زمنية لذلك.

وهذا خلل تكرّر في القانون السابق المتعلّق بمتضرري انفجار مرفأ بيروت، حيث لا تزال هناك منازل غير مرمّمة حتى اليوم. “إنّ ترك هذا الباب مفتوحًا دون تحديد فترة زمنية قصوى يُنتج أضرارًا بيئية وسياحية جسيمة، ويدفع نحو إبقاء مناطق منكوبة ومهملة لسنوات. لذلك، ينبغي تعديل هذه المادة بما يُلزم الدولة بوضع جدول زمني واضح لإعادة الإعمار، ويحمّلها المسؤولية الكاملة عن التأخّر أو التقصير”.

https://hura7.com/?p=60956

الأكثر قراءة