الأكثر قراءة

طالبان وبروكسل: الهجرة في قلب السياسة الأوروبية

جريدة الحرة بيروت

بقلم : د. خالد العزي مدونة د. خالد العزي

في مفارقة سياسية لافتة، لم تعد حركة طالبان بعيدة عن مراكز القرار الأوروبية كما كان يُتصوَّر، بل وصلت – بشكل غير مباشر – إلى قلب العاصمة الأوروبية بروكسل، حيث مقر الاتحاد الأوروبي، في خطوة تعكس التحولات العميقة في الجغرافيا السياسية للعلاقات الدولية.

ففي الوقت الذي كانت فيه مؤسسات الاتحاد الأوروبي تنتقد بشدة أي تواصل مع حركة طالبان، وتصف سياساتها بأنها منتهكة لحقوق الإنسان، خصوصاً ما يتعلق بحقوق النساء والتعليم والحريات، وجدت بروكسل نفسها مضطرة عملياً إلى فتح قنوات تواصل محدودة معها، تحت ضغط ملف أصبح أكثر إلحاحاً: ملف الهجرة.

الهجرة الأفغانية إلى أوروبا والسردية الروسية

تحاول روسيا، عبر وسائل إعلامها، توظيف ملف الحوار بين الاتحاد الأوروبي وحركة طالبان لتوجيه انتقادات إلى بروكسل، معتبرة أن سياسة الاتحاد الأوروبي السابقة في التعامل مع الملف الأفغاني اتسمت بالتردد وغياب البراغماتية، مقارنة بالمقاربة الروسية التي سارعت إلى فتح قنوات تواصل مع الحركة في وقت مبكر.

وفي هذا السياق، تروّج بعض الخطابات الإعلامية الروسية لفكرة مفادها أن غياب الحوار المباشر والفعّال بين بروكسل وكابول في السنوات الماضية ساهم في تفاقم الأوضاع الداخلية في أفغانستان، الأمر الذي انعكس لاحقاً على شكل موجات هجرة متزايدة نحو “قلب القارة العجوز”، أي أوروبا. وبذلك، يُصوَّر أن سياسات الضغط والعزل التي انتهجها الاتحاد الأوروبي كانت أحد العوامل غير المباشرة التي أسهمت في تعقيد أزمة الهجرة.

كما يُقدَّم التحول الأوروبي الحالي نحو فتح قنوات تواصل مع طالبان – حتى وإن كان بشكل محدود ومرتبط بملف الهجرة – باعتباره تراجعاً عن مواقف سابقة، وعودة إلى مقاربة واقعية بعد نحو خمس سنوات من الجمود السياسي. فالاتحاد الأوروبي، وفق هذا الطرح، بات يركز بشكل أساسي على إدارة تدفقات طالبي اللجوء والحد من الهجرة غير النظامية، أكثر من اهتمامه بإعادة تشكيل المشهد السياسي داخل أفغانستان أو الدفع نحو حلول سياسية شاملة في كابول.

وفي المقابل، تُبرز هذه السرديات الروسية أن الحوار المباشر مع الأطراف الفاعلة على الأرض قد يكون أكثر فاعلية من سياسات العزل والضغط، وأن معالجة جذور الهجرة تبدأ من دعم استقرار الدول المصدِّرة للمهاجرين، بما يتيح للأفغان البقاء داخل بلادهم بدلاً من دفعهم إلى البحث عن اللجوء في أوروبا.

وهكذا، يتحول ملف الهجرة من قضية إنسانية وأمنية إلى أداة في الصراع الإعلامي والجيوسياسي بين القوى الكبرى، حيث يُستخدم لتقييم سياسات الخصوم وإعادة صياغة روايات النفوذ الدولي.

الاتحاد الأوروبي يفتح الحوار مع طالبان

وبحسب معطيات متداولة في وسائل إعلام دولية، بينها تقارير صحفية أوروبية، فقد تم إصدار تأشيرات دخول لوفد أفغاني صغير مكوَّن من خمسة مسؤولين، وصلوا إلى بلجيكا لعقد محادثات مع ممثلين عن الاتحاد الأوروبي. وجرت هذه اللقاءات خلف أبواب مغلقة، دون إعلان تفاصيل دقيقة، في محاولة واضحة لتقليل الأثر السياسي والإعلامي لهذه الخطوة الحساسة.

ورغم حساسية الموضوع، أكدت المفوضية الأوروبية أن هذه الاتصالات لا تعني أي اعتراف رسمي بحركة طالبان، بل تندرج حصراً ضمن إطار مناقشة قضية الهجرة غير النظامية وملف ترحيل بعض طالبي اللجوء الأفغان الذين رُفضت طلباتهم داخل دول الاتحاد. ويشمل ذلك أيضاً البحث في آليات إعادة المواطنين الذين يُعتبرون تهديداً أمنياً أو مدانين بجرائم خطيرة.

لكن خلف هذه الصياغة التقنية للبيانات الرسمية، تتكشف حقيقة أكثر عمقاً: أن أوروبا، ذات القيم المعلنة حول حقوق الإنسان وحماية اللاجئين، تجد نفسها اليوم أمام معادلة صعبة بين المبادئ والضرورات السياسية والأمنية.

فمن جهة، يواجه الاتحاد الأوروبي ضغطاً متزايداً من صعود التيارات السياسية الرافضة للهجرة، ومن جهة أخرى، يواجه واقعاً ديموغرافياً وأمنياً يجعل من إدارة الهجرة ملفاً مركزياً في سياساته الداخلية والخارجية. وهكذا، تتحول قضية الهجرة تدريجياً من ملف إنساني إلى أداة في الحسابات الجيوسياسية.

الانتقادات الأوروبية للانفتاح على طالبان

وفي المقابل، أثارت هذه الخطوة انتقادات حادة داخل المؤسسات الأوروبية نفسها، حيث اعتبر بعض البرلمانيين أن التواصل مع طالبان، حتى وإن كان محدوداً، يمثل تناقضاً مع الخطاب الأوروبي حول حقوق الإنسان. وذهب بعضهم إلى حد اعتبار ذلك تراجعاً عن القيم المؤسسة للاتحاد، خاصة في ظل استمرار التقارير الدولية التي تتحدث عن انتهاكات جسيمة داخل أفغانستان، بما في ذلك القيود المفروضة على النساء.

المقاربة الواقعية لملف اللجوء

ومع ذلك، برز صوت آخر داخل النقاش الأوروبي يدعو إلى مقاربة أكثر واقعية، معتبراً أن الهجرة ليست “أزمة وجودية”، بل ظاهرة تاريخية مستمرة، وأن التعامل معها يجب أن يتم بعيداً عن الذعر السياسي أو الخطابات الشعبوية، مع التأكيد على أن ملايين الأوروبيين يشكلون مجتمعاً كبيراً لا ينبغي أن يشعر بالتهديد من أعداد محدودة من المهاجرين.

ومنذ عودة طالبان إلى السلطة عام 2021، تصاعدت موجات الهجرة الأفغانية نحو أوروبا في ظل أوضاع أمنية واقتصادية صعبة داخل أفغانستان. وفي المقابل، باتت سياسات بعض الدول الأوروبية أكثر تشدداً تجاه قبول اللاجئين، وسط جدل متزايد حول المخاطر التي قد يتعرض لها المُرحَّلون عند إعادتهم، حيث تشير تقارير أممية إلى حالات اعتقال وسوء معاملة بعد العودة.

وهكذا، تكشف هذه الواقعة عن تحول أعمق في طبيعة العلاقات الدولية، حيث لم تعد القيم المعلنة وحدها كافية لتوجيه السياسة الخارجية، بل باتت الضرورات الأمنية وإدارة الهجرة والضغط الداخلي عوامل حاسمة في رسم مواقف الدول الكبرى، حتى عندما يتعلق الأمر بجهات مثيرة للجدل مثل طالبان.

وفي النهاية، يبدو أن الجغرافيا السياسية الجديدة لم تعد تفصل بين “المرفوض دبلوماسياً” و”المطلوب عملياً”، بل تفرض على الأطراف المختلفة الدخول في مساحات رمادية تُدار فيها السياسة أكثر مما تُعلن.

https://hura7.com/?p=80683

الأكثر قراءة