الأكثر قراءة

طاولة المفاوضات المتعثرة وساحة المواجهة: مسارات حرجة ترسم مصير لبنان

جريدة الحرة بيروت

بقلم: د. فريد لخنش مدونة الكاتب د. فريد لخنش

تتخبط الساحة اللبنانية برمتها بين مسارين بالغي الخطورة والتعقيد؛ فهناك جولات تفاوضية محتدمة تدور في العاصمة الإيطالية روما برعاية أمريكية صريحة، وهناك في المقابل جبهة جنوبية مشتعلة ترسم حدودها بالنار والبارود. هذا التباين الحاد بين طاولات الدبلوماسية وصخب الميدان يعكس عمق الأزمة السياسية والأمنية التي تعصف بالبلاد، في وقت تتقاطع فيه الحسابات الإقليمية والدولية مع مصير سيادة الدولة اللبنانية ومستقبل استقرارها الداخلي.

طاولة روما: دبلوماسية مشدودة تحت مقصلة الشروط

تشهد العاصمة الإيطالية مخاضًا عسيرًا عبر جولة جديدة وحساسة من المباحثات، تسعى من خلالها الدبلوماسية اللبنانية إلى انتزاع التزام إسرائيلي بانسحابات مرحلية ومنظمة من الأراضي الجنوبية. غير أن هذه المساعي تصطدم بتعنت واضح، يتجسد في محاولة فرض شروط أمنية صارمة، وما رافق ذلك من انسحاب مبكر للوفد الإسرائيلي من جلسات التفاوض، تخللته اتهامات متبادلة حول تسريب تفاصيل حساسة للإعلام.

هذه التعقيدات تزيد من هشاشة المشهد السياسي، خصوصًا مع اتساع الهوة بين الأطراف المحلية حيال آليات معالجة الملف الأمني والسيادي، مما يضع الوفد المفاوض أمام اختبار صعب للتوازن المجهد بين مقتضيات السيادة الوطنية وضغوط الميدان الحارقة.

الجبهة الجنوبية: صراع الغارات وقسوة الميدان

على الأرض، لا تهادن الجبهة الجنوبية؛ إذ تكبد الجيش الإسرائيلي خسائر بشرية ملحوظة تمثلت بمقتل جنديين، لترد آلة الحرب الإسرائيلية بتصعيد دموي وعنيف طال مناطق واسعة في قضاء صور وبلدات البرج الشمالي. استهداف الأحياء السكنية بالغارات الجوية وقصف المدفعية يعيد إلى الأذهان الكلفة الإنسانية الباهظة التي يدفع ثمنها المدنيون يومياً في بيئتهم المحلية.

هذا التصعيد المتبادل يؤكد أن الأطراف الفاعلة على الأرض لا تزال تراهن على منطق القوة الخشنة لتحسين شروطها التفاوضية، مما يجعل الجنوب اللبناني ساحة مفتوحة لكافة الاحتمالات العسكرية والأمنية.

الموقف الحزبي وتأثيره على أفق التسوية

يأتي هذا المخاض العسكري والدبلوماسي في ظل موقف حاسم لحزب الله، الذي يعبر بوضوح عن رفضه القاطع لأي مسار تفاوضي من هذا النوع، معتبراً أن الانخراط في الترتيبات الحالية يمثل تفريطاً بالثوابت الوطنية. هذا الرفض يضع مؤسسات الدولة اللبنانية والفرقاء السياسيين أمام مأزق حقيقي، حيث تتجاذب البلاد رغبة ملحة في وقف النزيف والدمار، وحسابات الرفض الاستراتيجي لأي ترتيبات أمنية تفضي إلى نزع السلاح أو فرض وقائع جديدة على الأرض.

مآلات المشهد اللبناني

يقف لبنان اليوم على مفترق طرق مصيري، مشدوداً بين رغبة شعبية عارمة في طي صفحة الحرب والدمار عبر تسوية سياسية تحقن الدماء وتضمن الانسحاب، وبين واقع ميداني وسياسي معقد تحكمه لغة النار وشروط الرفض الحزبي والمناورات التفاوضية المتعثرة. إن قدرة الدولة على العبور من هذا النفق الحرج تظل رهناً بمدى تماسك قواها الداخلية وقدرتها على صياغة موقف موحد يحمي المدنيين ويصون الاستقرار الوطني وسط ركام الصراعات الإقليمية والدولية المتلاحقة.

https://hura7.com/?p=82592

الأكثر قراءة