الإثنين, فبراير 9, 2026
21.9 C
Beirut

الأكثر قراءة

إصدارات أسبوعية

طرابلس مقابل الضاحية: مشروع إنقاذ لا مشروع هيمنة

د. مصطفى قراعلي

مبادرة التوافق المدني “طرابلس أولاً

جريدة الحرة ـ بيروت

بعد أن كسرت هيمنة التحالفات التقليدية، تتقدّم طرابلس اليوم الصفوف في معركتها ضد المركزية، وتطرح نفسها بقوة كنموذج لبناني قابل للتطبيق في مسار التعافي الوطني والانفتاح الاقتصادي. فإما أن تُفتح بوابة الإصلاح من طرابلس، أو يبقى الوطن معلّقًا على حبال الانهيار. وهنا يبرز دوركم، دولة الرئيس نواف سلام، في احتضان هذا المشروع الجريء والمستحق. فطرابلس الجديدة لا تنهض إلا بدعمكم الصريح والحاسم.

طرابلس ليست الضاحية

المجلس تحت المراقبة… ومهلة 100 يوم للتغيير الحقيقي

بعودة أعضاء “التوافق المدني” عن الاستقالات، ودخولهم إلى المجلس البلدي الجديد بعد نيلهم نصف المقاعد وإن لم ينالوا الرئاسة، يطرح السؤال نفسه في طرابلس: هل ما حدث إنجاز سياسي غير مسبوق لـ”التوافق المدني”، أم انتكاسة لصالح تحالف “النواب”، أم هو انتصار استراتيجي ضد البلوكات والماكينات والوجوه التي ملّها الناس؟

هذا هو النقاش الحقيقي اليوم في شوارع طرابلس وأوساطها، خصوصاً بعد الصدمة السياسية التي فجّرها الأعضاء الـ12 حين قدّموا استقالاتهم الجماعية. ولو استمروا بها، لكانت الحكومة مرغمة على الدعوة لانتخابات جديدة. لكن الضغوط الهائلة التي مورست عليهم، وعلى المهندس وائل زمرلي شخصيًا، أدّت إلى التراجع، رغم أن الإرادة الشعبية كانت، ولا تزال، مع الاستمرار في المواجهة.

رغم التحالف الرباعي… التوافق المدني يعود بشروط واضحة

ورغم هذا التراجع التكتيكي، يدرك الشارع أن طرابلس اليوم أمام فرصة غير مسبوقة: بلدية نصفها اليوم مكوّن من نواة مدنية صلبة أثبتت جرأتها واستقلاليتها. وقد عاد هؤلاء بشروط واضحة لا لبس فيها: 100 يوم فقط لتطبيق مبادئ الحوكمة الرشيدة، تحت رقابة صارمة، مع تعهد علني بألّا يخضع أي قرار بعد اليوم لإملاءات النواب أو توجيهات “الجهات الخارجية “.

هذه الشروط لا تُعدّ تفاصيل إدارية بل إعلان قطيعة كاملة مع النظام البلدي السابق، الذي كان غارقًا في الصفقات والانقلابات، والذي وصل إلى الانفجار بسبب خيانة سياسية موصوفة قادها حلفاء النظام التقليدي في المدينة – أولئك الذين ما زالوا يديرون طرابلس بعقلية “حصص من المركز”، مستخدمين الطائفة كغطاء، بينما يبيعون مصالح المدينة المهمشة مقابل بقائهم في الصورة.

لكن المدينة تعرفهم جيداً، واحداً واحداً. وفضيحتهم الأخيرة كانت اصطفافهم خلف لائحة ادّعت زورًا أنها “مصنوعة في السعودية”. نحن نتحداهم: أكاذيبهم ساقطة، وافتراءاتهم على المملكة مفضوحة، وتحالفهم لم يُبنَ على مشروع بل على “غريزة البقاء”. إنهم يلتصقون ببعضهم من شدّة الخوف لا من وضوح “الرؤية”، ويتحركون بدافع الذعر من السقوط أمام موجة التغيير التي تهدد زعاماتهم وامتيازاتهم.

السعودية ولبنان

المركزية خذلت طرابلس لعقود… والآن وقت استعادتها

بهذا المعنى، جاءت استقالات “التوافق المدني” لتكسر نظام التهميش المركزي من جذوره. ما قبلها شيء، وما بعدها شيء آخر. لقد ضُرب جدار الخوف للمرة الأولى منذ عقود، وبدأت طرابلس تكتب سرديتها من جديد، من موقع يتماهى مع المشرق العربي الجديد، عبر مجلس بلدي مشروط ومراقَب، على أن يكون “شفافًا ومهنيًا، يعيد الثقة .. ويعزز المساءلة أمام الناس”.

نحن الآن في لحظة انعطاف حقيقية. مرحلة جديدة من العمل السياسي بدأت فعلاً في طرابلس، ووقعها كالزلزال داخل معسكر “النواب”، الذين بدأوا يتخبّطون في محاولات فاشلة لتحويل التحالف البلدي إلى تحالف نيابي. لكن الواقع لا يرحم: 67% من الأصوات ذهبت لخيارات المجتمع المدني، مقابل 32% فقط لتحالف النواب. الصندوق قال كلمته، والمدينة اختارت وجهها الجديد.

طرابلس خارج لعبة السلاح: نموذج سيادي جديد

في ظل الشلل الوطني الناتج عن أزمة السلاح المتجدّدة، والمرتبطة بالقرار 1701، تبرز طرابلس كحالة استثنائية. هذه المدينة لم تحتضن مخازن سلاح، ولم تكن يوماً جزءاً من معادلاته أو توازناته. لا في النسيج الشعبي، ولا في البنية الأمنية، ولا في خطابها المدني. ولهذا فإن طرابلس مؤهلة اليوم أكثر من أي وقت مضى لتكون النموذج اللبناني الحرّ: مدينة خارج لعبة السلاح، جاهزة للانخراط في مشروع إصلاحي واقعي.

إخراج طرابلس من مقايضة السلاح هو بداية استرداد السيادة الاقتصادية والسياسية للبنان. المدينة التي طالما تم تهميشها لأنها لم تدخل نادي التواطؤ مع المركز، تُقدّم اليوم فرصة تاريخية للخروج من دوامة الانهيار. لم ترفع طرابلس السلاح، بل رُفع عليها؛ لم تحظَ يوماً بغلاف سياسي، بل كانت الضحية الأولى للصفقات التي تدار في بيروت وضاحيتها، على ظهرها ومن حسابها.

سوريا الجديدة

اللامركزية الاقتصادية تبدأ من الشمال: آن أوان استرداد الحق

هذا الخروج يتطلب قراراً شجاعاً منك، يا دولة الرئيس نواف سلام. قرار حكومي يقف إلى جانب طرابلس، لا باعتبارها مدينة منكوبة، بل باعتبارها النموذج البديل: اللامركزية الاقتصادية لطرابلس تفتح طريق الإصلاح، وتستعيد ثقة العرب، وتشقّ درب التعافي عبر البوابة السورية الجديدة، وصولاً إلى الرياض.

مطلب اللامركزية الطرابلسية ليس ترفاً. إنه حقٌ مكتسبٌ، واستحقاق وطني. هذه اللامركزية ليست شعاراً، بل مشروعاً فعلياً يبدأ من بلدية قوية، بصلاحيات موسّعة، تخضع للرقابة، وتُدار بشفافية. بعد تجربتنا السابقة في أستراليا، نطرح اليوم مجلس بلدية طرابلس كـ”حكومة محلية” قادرة على تنفيذ مشاريع تطوير ومتابعة الملفات الإدارية والخدمية، تماماً كما هو معمول به في البلديات الكبرى في الدول المتقدمة اقتصاديًا.

طرابلس ودمشق والرياض: طريق مشرقي بديل عن زمن العزلة

دولة الرئيس، طرابلس ومحيطها الشمالي – الذي يضم المنية والضنية –  مناطق خالية من مخازن السلاح، خارج مراقبة اللجنة الخماسية، وخارج بنك الأهداف الإسرائيلية. هذه مناطق محرّرة بالفعل. والمطلوب الآن أن تُعامل كذلك. نطالبك اليوم، بصفتك رئيس حكومة إصلاحية، أن تجعل من طرابلس أول نموذج لامركزي اقتصادي في لبنان، وأن تمنحها الصلاحيات الضرورية لتقود عهد لبنان الجديد، لا كعبء، بل كرافعة.

بهذا النموذج، نستبدل تجربة الضاحية الجنوبية التي جُرّبت في عهد الرئيس السابق ميشال عون، بتجربة مشرقيّة منفتحة، تنطلق من طرابلس، وتمرّ بدمشق الجديدة، وتنفتح على الرياض “عاصمة العالم” الاقتصادية. طرابلس قادرة على أن تكون نقطة التقاء حقيقية للمشرق العربي الجديد. واحة للتنمية والإنتاج، لا منطقة للعرقلة والإقصاء. فرصة للمستقبل، لا صدى للماضي.

نواف سلام

دولة الرئيس نواف سلام: مسار الإنقاذ يبدأ من طرابلس

مصلحة لبنان لم تعد تحتمل الانقسام بين محاور. الخيار واضح: سوريا جديدة بقيادة أحمد الشرع، وتحالف اقتصادي سعودي، أو محور ممانعة يعزل لبنان عن جيرانه ويمنع عنه الإصلاح والاستثمار. وطرابلس، بصفتها المدينة الوحيدة المحرّرة من عبء السلاح والمقايضات، تقف اليوم جاهزة لتكون المنصة الوطنية الأولى لإطلاق ورشة التعافي والإصلاح. لدينا المشروع، والإرادة، والحاضنة الشعبية.

ما ننتظره الآن هو موقف شجاع منكم، دولة الرئيس نواف سلام، يفتح الباب للقاء مباشر، نضع فيه خارطة الطريق لهذا المسار الوطني الطموح. “التوافق المدني” لم يأتِ ليحجز مقعدًا في الماضي، بل ليصنع مستقبلًا يليق بطرابلس. المدينة مستعدة، وأهلها ينتظرون شراكة على قدر الحلم. فلنلتقِ. فلنبادر. ولنبدأ الآن.

https://hura7.com/?p=57755

الأكثر قراءة