جريدة الحرة بيروت
خاص ـ بالمقارنة مع دول أوروبية أخرى، تفقد ألمانيا أهميتها تدريجيا كوجهة رئيسية لطالبي اللجوء، في تحول لافت يعكس تغيرات أوسع في خريطة الهجرة داخل أوروبا. وتساهم مجموعة من العوامل المتداخلة، من بينها تغير جنسيات القادمين، والانخفاض الحاد في أعداد طالبي اللجوء من سوريا وأوكرانيا، إلى جانب تشديد السياسات الحدودية في عدد من الدول الأوروبية، في تشكيل هذا التوجه الجديد.
انخفاض طلبات اللجوء بشكل ملحوظ
انخفض عدد طلبات اللجوء في ألمانيا بشكل ملحوظ خلال الربع الاول من عام 2026، مسجلا أدنى مستوى تاريخي له منذ أكثر من عقد. وبحسب ما أفادت به صحيفة “فيلت أم زونتاغ”، استنادا إلى بيانات غير منشورة سابقا من وكالة الاتحاد الأوروبي لطالبي اللجوء، بلغ إجمالي الطلبات المقدمة في ألمانيا 28,922 طلبا خلال الفترة الممتدة من يناير إلى نهاية مارس 2026.
ويمثل هذا الرقم تراجعا بنسبة 23% مقارنة بالفترة نفسها من العام 2025، وهو انخفاض كبير يعكس تحولا بنيويا وليس مجرد تقلب مؤقت.
هذا التراجع لم يؤثر فقط على الأرقام الإجمالية، بل أدى كذلك إلى تغيير موقع ألمانيا في ترتيب الدول الأوروبية المستقبلة لطالبي اللجوء. فلأول مرة منذ عام 2015، فقدت ألمانيا موقعها في الصدارة، لتتراجع إلى المركز الرابع.
وتصدرت فرنسا القائمة بـ 34,643 طلبا، تلتها إسبانيا بـ 32,630، ثم إيطاليا بـ 32,602. ويعكس هذا الترتيب الجديد تحولا في تفضيلات طالبي اللجوء، الذين باتوا ينظرون إلى دول أخرى باعتبارها أكثر جاذبية أو ملاءمة من حيث فرص الاستقرار أو سياسات الاستقبال.
الانخفاض في طلبات اللجوء لا يقتصر على ألمانيا
لا تزال بعض الدول الأوروبية تسجل أرقاما منخفضة للغاية، كما هو الحال في المجر التي سجلت 26 طلبا فقط، وسلوفاكيا التي سجلت 35 طلبا. وتثير هذه الفجوة الكبيرة بين الدول الأوروبية تساؤلات حول مدى توازن توزيع أعباء اللجوء داخل الاتحاد الأوروبي، وهي قضية طالما شكلت محور خلافات سياسية بين الدول الأعضاء.
وتستند هذه الأرقام إلى تقرير صادر عن المفوضية الأوروبية بتاريخ الأول من أبريل من العام 2026، وهو تقرير مصنف “سري” ويتناول وضع الهجرة في الاتحاد الأوروبي ودول أخرى مرتبطة به مثل النرويج وسويسرا.
يشير التقرير إلى أن الانخفاض في طلبات اللجوء لا يقتصر على ألمانيا وحدها، بل يمثل ظاهرة أوسع على مستوى القارة. فقد تم تسجيل 173,082 طلب لجوء في الربع الاول من العام في الدول السبع والعشرين الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، إضافة إلى النرويج وسويسرا، وهو ما يمثل انخفاضا بنسبة 18% مقارنة بالفترة نفسها من العام 2025.
يعكس هذا التراجع العام مجموعة من العوامل، من بينها تشديد الرقابة على الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي، وزيادة التعاون مع دول العبور، فضلا عن تغير الظروف في بعض دول المنشأ، مما أدى إلى انخفاض أعداد النازحين. كما لعبت السياسات الوطنية الأكثر صرامة في بعض الدول دورا في تقليل جاذبية أوروبا كوجهة للهجرة غير النظامية.
التحول الجغرافي في مصادر الهجرة
من أبرز المؤشرات على هذا التحول، التغير الواضح في جنسيات طالبي اللجوء. فقد تصدرت فنزويلا قائمة دول المنشأ بـ 21,542 طلبا، تلتها أفغانستان بـ 21,402، ثم بنغلاديش بـ 9,738.
ويعكس هذا الترتيب الجديد تحولا جغرافيا في مصادر الهجرة، حيث تراجعت أهمية بعض الدول التي كانت تقليديا في الصدارة. فقد تراجعت سوريا، التي كانت لسنوات طويلة المصدر الرئيسي لطالبي اللجوء إلى أوروبا، إلى المرتبة الخامسة، بعد تركيا.
وانخفض عدد الطلبات المقدمة من السوريين بنسبة 63% ليصل إلى 5,556 طلبا فقط بنهاية مارس 2026. ويعد هذا التراجع الكبير مؤشرا على تغيرات عميقة، سواء في أوضاع السوريين داخل المنطقة، أو في سياسات الدول الأوروبية تجاههم.
لماذا تراجعت طلبات اللجوء في ألمانيا؟
شهدت طلبات اللجوء من أوكرانيا انخفاضا ملحوظا، حيث بلغ عددها 4,073 طلبا، بانخفاض نسبته 57%. ويأتي هذا التراجع في سياق استمرار الحرب، لكنه يعكس كذلك اعتماد العديد من الأوكرانيين على أنظمة الحماية المؤقتة داخل الاتحاد الأوروبي، بدلا من التقدم بطلبات لجوء رسمية.
يرى خبراء الهجرة أن الانخفاض الكبير في أعداد السوريين والأوكرانيين يعد العامل الرئيسي وراء تراجع طلبات اللجوء في ألمانيا بشكل خاص. ففي السنوات الماضية، شكل مواطنو هذين البلدين النسبة الأكبر من طالبي اللجوء في ألمانيا، وكانوا يفضلونها بسبب نظامها الاجتماعي المتطور، وفرص العمل، وسياسات الاندماج. إلا أن هذا النمط بدأ يتغير، مع توجه أعداد متزايدة نحو دول أخرى، أو البقاء في دول قريبة من مناطق النزاع.
تظهر البيانات الحديثة أن نسبة طلبات اللجوء المقدمة من السوريين في ألمانيا لم تتجاوز 9%، في حين أصبح المواطنون الأفغان يشكلون المجموعة الأكبر بنسبة 38%. ويعكس هذا التغير تحولا في طبيعة الهجرة، حيث باتت ألمانيا تستقبل موجات مختلفة من طالبي اللجوء، تختلف من حيث الخلفيات الثقافية والاجتماعية، وكذلك من حيث احتياجات الاندماج.
ملف اللجوء والهجرة من القضايا المركزية
لا يقتصر تأثير هذه التحولات على الأرقام فقط، بل يمتد إلى السياسات العامة والنقاشات السياسية داخل ألمانيا. فقد أصبح ملف اللجوء والهجرة من القضايا المركزية في النقاش العام، خاصة في ظل الضغوط التي تواجهها الحكومة لتحقيق توازن بين الالتزامات الإنسانية والاعتبارات السياسية والاقتصادية.
ومن جهة أخرى، يشير هذا التراجع إلى نوع من إعادة التوازن داخل أوروبا، حيث لم تعد دولة واحدة تتحمل العبء الأكبر من طلبات اللجوء. وقد يكون هذا التطور إيجابيا من حيث توزيع المسؤوليات، لكنه يطرح كذلك تحديات جديدة تتعلق بتنسيق السياسات بين الدول الأعضاء، وضمان معايير موحدة للتعامل مع طالبي اللجوء.
كما أن تراجع أعداد الطلبات لا يعني بالضرورة انتهاء الضغوط المرتبطة بالهجرة، إذ لا تزال هناك تحديات قائمة تتعلق بعمليات الترحيل، واندماج اللاجئين، ومكافحة الهجرة غير النظامية. إضافة إلى ذلك، فإن الأوضاع في العديد من مناطق النزاع لا تزال غير مستقرة، مما يعني أن موجات جديدة من اللجوء قد تظهر في أي وقت.
الانخفاض قد يكون مؤقتا
يحذر بعض المراقبين من أن الانخفاض الحالي قد يكون مؤقتا، خاصة إذا ما شهدت بعض الدول أزمات جديدة، سواء كانت سياسية أو اقتصادية أو بيئية. كما أن التغيرات في السياسات الأوروبية قد تؤثر بشكل مباشر على تدفقات الهجرة، سواء من حيث الزيادة أو الانخفاض.
يمثل تراجع طلبات اللجوء في ألمانيا نقطة تحول مهمة في مسار الهجرة الأوروبية. فهو يعكس تغيرا في الاتجاهات والأنماط، ويشير إلى مرحلة جديدة قد تتسم بمزيد من التوازن، ولكن أيضا بمزيد من التعقيد. وبينما تسعى الدول الأوروبية إلى تطوير سياسات أكثر فاعلية واستدامة، يبقى ملف اللجوء أحد أكثر القضايا حساسية وتأثيرا على مستقبل القارة.


