جريدة الحرة بيروت

بقلم : د. خالد العزي مدونة د. خالد العزي
عندما تقوم الجمهورية الإسلامية الإيرانية بشن هجوم باستخدام الطائرات المسيرة على أراضي حليف للولايات المتحدة، يجب أن ينتبه الأمريكيون لهذه التصرفات. لم يكن الهجوم الأخير من طهران على أذربيجان مجرد تصعيد آخر في منطقة بعيدة؛ بل كان عملاً عدوانيًا متعمدًا يهدف إلى زعزعة استقرار جنوب القوقاز وعرقلة السلام الهش بين أرمينيا وأذربيجان، الذي تم التوصل إليه بتشجيع من الرئيس ترامب.
أمل طهران في أن يؤدي الترهيب والإرهاب إلى تعطيل التقدم المحرز في المنطقة، لكن الحقيقة هي أن هذه التكتيكات اليائسة لن تنجح في نهاية المطاف.
لطالما كانت منطقة جنوب القوقاز مسرحًا لصراعات مجمدة، خاصة فيما يتعلق بالنزاع الطويل والمستمر بين أرمينيا وأذربيجان حول ناغورنو كاراباخ. ورغم جهود الوساطة التي فشلت في إحلال السلام على مر السنين، إلا أن حرب 2020 أعادت تشكيل الواقع على الأرض، وفتحت نافذة حقيقية لدفع المنطقة نحو اتفاق سلام دائم. الرئيس ترامب أدرك هذه الفرصة وبدأ في دفع الأطراف المعنية نحو طاولة المفاوضات.
من خلال جمع قادة أرمينيا وأذربيجان وتشجيعهم على التعاون في إطار من التكامل الإقليمي، ساعدت الولايات المتحدة في وضع الأسس لمصالحة تاريخية. أحد المكونات الرئيسية لهذه الرؤية هو تطوير ممرات النقل التي تربط أرمينيا وأذربيجان وجيب ناخيتشيفان الأذربيجاني، مما يفتح طرقًا تجارية يمكن أن تحول جنوب القوقاز إلى جسر حيوي بين أوروبا وآسيا.
إحلال السلام في هذه المنطقة لن يؤدي فقط إلى إنهاء عقود من الصراع، بل سيعزز أيضًا الأمن الاقتصادي الإقليمي وأمن الطاقة لحلفاء الولايات المتحدة، ويحد من نفوذ القوى المعادية التي تزدهر في ظل انعدام الاستقرار.
لماذا تعارض طهران هذا السلام؟
طهران لا ترغب في استقرار جنوب القوقاز وتكامله. لطالما استفادت الجمهورية الإسلامية من عدم الاستقرار في المنطقة من أجل الحفاظ على نفوذها على جيرانها الشماليين. فممرات النقل الجديدة التي تتجاوز الأراضي الإيرانية تهدد هذا النفوذ بشكل كبير.
إحدى المبادرات التي أثارت قلق طهران بشكل خاص هي “طريق ترامب للسلام والازدهار الدوليين” أو “TRIPP”، وهو مشروع للنقل الإقليمي يهدف إلى تحسين الاتصال بين أذربيجان وجمهورية ناخيتشيفان ذاتية الحكم، وتوسيع الطرق التجارية التي تربط آسيا الوسطى بالقوقاز وأوروبا. هذا المشروع يهدد بشكل مباشر مصالح إيران، إذ طالما اعتمدت أذربيجان على الأراضي الإيرانية لتوفير الإمدادات اللوجستية إلى ناخيتشيفان.
وجود ممر تجاري يتجاوز إيران سيكون له تداعيات كبيرة على النفوذ الجيوسياسي لطهران، وهو ما يفسر الهجمات الإيرانية الأخيرة بالطائرات المسيرة. من خلال استهداف الأراضي الأذربيجانية بالقرب من ناخيتشيفان، تسعى طهران إلى زعزعة استقرار المنطقة ومنع إنشاء ممرات اقتصادية جديدة.
إيران تحاول تخريب الفرصة الاقتصادية
هذه الهجمات ينبغي ألا تُفهم على أنها مجرد استفزازات معزولة. فهي جزء من محاولة أكبر تهدف إلى تخريب فرصة السلام والتنمية الاقتصادية في المنطقة. إذ إن أذربيجان قد أثبتت على مر السنين أنها شريك موثوق للاستثمار الدولي، خاصة في مجالات الطاقة والبنية التحتية. لقد جعلت مشاريع مثل “ممر الغاز الجنوبي” أذربيجان حجر الزاوية لأمن الطاقة في أوروبا وشركائها.
التصرفات الإيرانية تظهر ضعفًا، لا قوة. هذا الهجوم يعكس حالة من اليأس المتزايد في طهران، التي تسعى إلى تقويض جيرانها وزعزعة استقرارهم قبل أن تفقد آخر ما تبقى لها من نفوذ في المنطقة.
أذربيجان: تهديد استراتيجي لإيران
جمهورية أذربيجان تمثل تهديدًا عميقًا لطهران. فهي دولة علمانية مزدهرة، ذات أغلبية شيعية، قد رفضت الأيديولوجية الثورية الإيرانية. إلى جانب ذلك، يعيش ملايين الأذربيجانيين في شمال غرب إيران، وهم مرتبطون ارتباطًا وثيقًا بالهوية الثقافية واللغوية لجمهورية أذربيجان.
وجود دولة أذربيجانية قوية ومستقرة ليس مجرد تهديد جيوسياسي لإيران، بل هو تحدٍ أيديولوجي أيضًا، ما يعزز رغبة طهران في تقويض هذا النموذج.
المخاطر التي تهدد الولايات المتحدة
بالنسبة للولايات المتحدة، فإن استقرار جنوب القوقاز يحمل أهمية استراتيجية كبيرة. ذلك أن استقرار المنطقة يعزز وصول الغرب إلى موارد الطاقة من بحر قزوين، ويخلق طرقًا تجارية جديدة تربط أوروبا وآسيا، كما يقلل من نفوذ القوى المعادية مثل إيران وروسيا.
لذلك، ينبغي أن يُنظر إلى تصعيد إيران في المنطقة ليس كاستفزاز معزول، بل كجزء من جهد أوسع لتخريب فرصة نادرة لتحقيق السلام والتنمية في منطقة حيوية.
خاتمة: فرص السلام في مفترق الطرق
فتح الرئيس ترامب نافذة من الفرص لإعادة السلام والاستقرار إلى جنوب القوقاز من خلال العمل على المصالحة بين أرمينيا وأذربيجان. هذه المبادرة الاستراتيجية تقدم رؤية جديدة لربط أوروبا وآسيا عبر ممرات تجارية جديدة تعزز أمن الطاقة والتعاون الإقليمي. لكن طهران، التي تسعى إلى منع هذا التقدم، لن تنجح في عرقلة هذه الفرصة الهامة.
إذا استمرت جهود السلام هذه، فإنها ستسهم في تحويل جنوب القوقاز إلى مركز استراتيجي جديد بين الشرق والغرب، وتوفر حلاً طويل الأمد لمشاكل المنطقة، في مواجهة محاولات طهران للتخريب.


