الأكثر قراءة

إصدارات أسبوعية

عبد الرحمن الخطيب ـ سوريا ولبنان والعراق واليمن: تقسيم المقسّم وتجزئة المجزّأ

الحرة بيروت ـ  بقلم: عبد الرحمن الخطيب

صرّح وزير الخارجية الأمريكي بأنه في حال لم تنجح الهدنة في فلسطين وسوريا ولبنان فإن المنطقة متجهة نحو التقسيم. وأشار وزير الخارجية الروسي أنه في حال خرق الهدنة من جانب المعارضة السورية فإنه لا حلّ إلا بتقسيم سوريا. وقبل شهرين أعلن رئيس الاستخبارات الفرنسي أن حدود سوريا والعراق لن تعود كما كانت.

كنت أعتقد سابقاً أن التقسيم الطائفي في سوريا والعراق ولبنان سوف يؤدي إلى التقسيم الجغرافي ولن يستغرق ذلك سوى عامين أو ثلاثة على أبعد تقدير. وبخاصة بعد سيطرة “قسد” على عدة مناطق في سوريا، وإعلان استقلال أربعة أقاليم. ولا يغيب عن القاصي والداني من ساندهم لتحقيق مآربهم. كل ذلك سرّع في طرح موضوع تقسيم سوريا والعراق وربما هذا الأمر سينسحب على معظم بلدان المنطقة.

إن من يعتقد أن ما يحصل الآن في المنطقة العربية بعامة وفي سوريا بخاصة هو عمل ارتجالي أو وليد اللحظة فقد جانب الصواب. فصناعـة القـرار الغربي تـعـتمد عـلى الكـثـير من الدراسات والبحـوث الأكاديمية العلمية، والسياسية، والاجتماعية، والإستراتيجية. بل إن هناك دراسات في ردهات صنّاع القرار السياسي في الغرب عن مخططات إستراتيجية لتقسيم الدول العربية وضعت أساساتها قبل أكثر من ثلاثة عقود.

من المعروف أن منطقة الشرق الأوسط جرى تقسيمها عقب اتفاقية (سايكس بيكو) عام 1916م. حين تمّ اقتسام ما تبقى من المشرق العربي عقب الحرب العالمية الأولى بين إنجلترا وفرنسا، والذي أعقبها وعد بلفور عام 1917م لليهود في فلسطين. ولكن، على ما يبدو، فإن الغرب لديه رغبة مستدامة في تقسيم المقسم وتجزئة المجزأ في كل قرن تقريباً.

فتبنّي طرح تقسيم منطقة الشرق الأوسط بدأ التخطيط له اليهودي الأشكنازي البريطاني الجنسية بـرنار لويس عام 1980م. كما طرحه زبيغنيو بريجـنسكي، المستشار السابق للأمن القومي لدى الرئيس الأمريكي جيمي كارتر عام 1980م بقوله: “إن منطقة الشرق الأوسـط ستحتاج إلى تـصـحـيح الحـدود التي رسمتها اتفاقية سايكس بيكو ومقررات مؤتمر فرساي”.

وفي العام 1983م وافق الكونجرس الأمريكي بالإجماع في جلسة سرية على مشروع برنارد لويس، وتم اعتماده وإدراجه في ملفات السياسة الأمريكية الإستراتيجية لسنوات مقبلة. لويس هذا قدّم خرائط قسّم فيها أغلب الدول العربية. تحقق منها اليوم انفصال السودان إلى دولتين: دولة الشمال السوداني الإسلامي، ودولة الجنوب السوداني المسيحي. بل إنه ذكر دارفور، لفصلها عن السودان بعد فصل الجنوب مباشرة، إذ إنها غنية باليورانيوم والذهب والبترول.

وتكلّم أيضاً عن تفكيك ليبيا، وهذا ما يُخشى منه الآن. كما ألغى الكويت وقطر والبحرين وسلطنة عمان واليمن والإمارات العربية من الخارطة التي قدمها، ومحا وجودها الدستوري بحيث تتضمن شبه الجزيرة والخليج ثلاث دويلات فقط هي: دويلة الإحساء الشيعية، وتضم الكويت والإمارات وقطر وعمان والبحرين. ودويلة نجد السنية. ودويلة الحجاز السنية. كما خطط لتقسيم العراق إلى دويلات: دويلة شيعية في الجنوب حول البصرة، ودويلة سنية في وسط العراق حول بغداد، ودويلة كردية في الشمال والشمال الشرقي حول الموصل (كردستان)، تقوم على أجزاء من الأراضي العراقية والإيرانية والسورية والتركية.

ثم في تاريخ 29/9/2007م صوّت مجلس الشيوخ الأمريكي، شرطاً لانسحاب القوات الأمريكية من العراق، على تقسيم العراق إلى هذه الدويلات الثلاث. أما سوريا فقد قسمها لويس إلى: دولة علوية شيعية، تمتد من دمشق مروراً بحمص إلى لواء اسكندرون؛ ودولة سنية في المنطقة الشمالية والشرقية؛ ودولة الدروز في الجولان ولبنان، ودولة كردية في الشمال. وقد كلّف البنتاغون الكولونيل المتقاعد من الجيش الأمريكي رالف بيتر، بإعداد تقرير وسيناريو مفصل عن إمكانية تحقيق تلك المخططات من الناحية اللوجستية والعسكرية.

وفي هذا المضمار، فإن عبارتي “الشرق الأوسـط الجديد”، و”الفوضى الخلاقة” اللتين صرّحت بهما وزيرة الخارجية الأمريكية كونداليزا رايس في نيسان عام 2005 لصحيفة واشنطن بوست الأميركية، لم تكونا وليدة أحداث 11 سبتمبر 2001، أو بدعة من إدارة المحافظين الجدد فى البيت الأبيض لينفذها جورج بوش الابن، آنذاك، بل كانتا مشروعاً متكئاً على الدراسات السابقة.

من الملاحظ، من مجريات الأمور في سوريا، والعراق، ولبنان، واليمن، وليبيا… وتكاثف الحديث، وكثرة الأطروحات والتحليلات السياسية، بأن الحلول النهائية والناجعة تتجه باتجاه تقسيم تلك البلدان. وأن هذا الحل هو الحل الأقرب لحال منطقة الشرق الأوسط. يقود هذا الحل الولايات الأمريكية المتحدة وروسيا من أجل تنفيذ مخطط تحقيق حلم دولة إسرائيل الكبرى، والسيطرة على الأماكن الغنية بالنفط والثروات الطبيعية.

يؤكد هذا المنحى إعادة صحيفة نيويورك تايمز نشر خارطة تظهر فيها خمس دول بالشرق الأوسط وقد قسمت إلى 14 دولة وفقاً لاعتبارات دينية، وطائفية، ومذهبية، وتعلّلاً بأن العرب والمسلمين قوم فاسدون مفسدون فوضويون، لا يمكن تحضرهم. وإذا تركوا لأنفسهم فسوف يفاجئون العالم المتحضر بموجات بشرية إرهابية تدمّر الحضارات. ولذلك فإن الحل السليم للتعامل معهم هو إعادة تقسيم أراضيهم أو استعمارها بطرق حديثة مبطنة.

وإذا أردنا الحديث عن تحقيق مشروع الشرق الأوسط الكبير الذي نادى به بعض زعماء الغرب فإن مؤشراته قد لاحت في الأفق القريب. كما أن التصريحات الغربية العلنية بأن الصراع المسلح في المنطقة سيمتد أمده لسنوات طوال باتت تشنف آذاننا يومياً. ثم لم يعد خافياً على أحد أن الأقمار الصناعية التجسسية تصور أدق تحركات القوى المتصارعة على الأرض في المنطقة، من نقل أسلحة ومعدات، وجنود، ومرتزقة أجانب، وخلافه؛ بل لديها إمكانية تصوير أرقام السيارات.

وبطبيعة الحال فإن الاستخبارات الغربية تعلم بأدق تفاصيل التغيير الديموغرافي الذي ينتهجه النظام الإيراني والسوري والعراقي وحزب الله اللبناني في المنطقة. كما لم يعد يخفى على أحد الدعم العسكري غير المحدود للفصائل الكردية الشيوعية التي تقاتل شمال سوريا، والتي أعلنت عن تعيين سفير لها في موسكو. والتي يحج إلى مناطقهم يومياً الكثير من المسؤولين وضباط الاستخبارات من أمريكا وروسيا وبريطانيا وألمانيا وإسرائيل، تمهيداً لتأسيس دويلتهم الكونفيدرالية.

من هنا يمكن القول أن زعم الغرب بأنه يدعم الأنظمة الديمقراطية، أو يعادي الأنظمة الديكتاتورية، لترويضها لتتحول إلى أنظمة ديمقراطية ما هو إلا مسرحية مبتذلة، وفيلم هندي قديم. وإن الهدف الأول والأخير من تقسيم المقسم أصلاً سوف يزيد من حدة الصراعات والحروب، وسوف يستنزف ثروات وخيرات البلدان العربية، وسيؤدي إلى صوملة المنطقة، بما يعود بالفائدة الجليلة على مصانع الأسلحة، وبالتالي سيعمل ذلك على تحسين الاقتصاد الغربي والروسي المتدهور.

إن ما حصل ويحصل في سوريا هذه الأيام ليس سوى بداية تقسيم سوريا إلى عدة دول: دولة سنية تشمل حلب وإدلب وحماة وحمص، دولة كردية تشمل عدة مناطق في الشمال، دولة درزية في الجنوب لتحمي حدود إسرائيل، دولة علوية في الساحل. أما العاصمة دمشق وريفها فربما سيكون أمرها مرهوناً للجهة الأقوى وبخاصة أن إيران لن تتخلى عن دمشق وريفها.

https://hura7.com/?p=38958

الأكثر قراءة