الأكثر قراءة

إصدارات أسبوعية

عدوان الطاقة وانكسار الهيمنة

جريدة الحرة بيروت

بقلم : علي خليل ترحيني مدونة الكاتب علي خليل ترحيني

تتسارع الأحداث في الميدان لترسم ملامح مرحلة تتجاوز الخطابات التقليدية؛ إذ بلغت الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران ذروة التعقيد الإستراتيجي، حيث لم يعد السؤال متمحوراً حول القدرة على توجيه الضربات، بل حول كيفية صياغة مخرج سياسي ينهي حالة الاستعصاء العسكري.

إن القراءة العميقة للمعطيات الراهنة تشير إلى أننا أمام مشهد يتداخل فيه الضغط الميداني المكثف مع حراك دبلوماسي محموم تقوده قوى إقليمية ودولية، في محاولة لفرض تهدئة تمنع الانزلاق نحو حافة الهاوية، في ظل تغول عسكري يسعى لفرض واقع جيوسياسي جديد بالقوة.

■ سلاح الطاقة: تدمير البنية التحتية وارتداداته العالمية

دخلت هذه الحرب منعطفاً حاداً مع انتقال العمليات العسكرية لاستهداف العصب الحيوي للطاقة والكهرباء والمياه. إن هذا التحول لا يهدف فقط إلى إضعاف الداخل الإيراني، بل يمثل ضغطاً مباشراً على عصب الاقتصاد العالمي. إن ضرب منشآت الطاقة في أصفهان وخرمشهر، والتهديد باستهداف شبكات الكهرباء، أدى بالفعل إلى قفزات حادة في أسعار النفط تجاوزت حاجز 94 دولاراً، مع توقعات بوصولها إلى 150 دولاراً في حال استمرار إغلاق مضيق هرمز.

هذا الاستهداف الممنهج خلق أزمة مزدوجة؛ فواشنطن تواجه ضغوطاً داخلية كبرى مع اقتراب استحقاقات سياسية خشية رد فعل شعبي عنيف نتيجة ارتفاع أسعار الوقود، بينما بدأت القوى الأوروبية ممارسة ضغوط لخفض التصعيد بعد أن مسّت الأزمة أمنها الطاقوي. إن تحويل الطاقة إلى ساحة معركة يعني أن إنهاء هذه الحرب لم يعد مطلباً إقليمياً فحسب، بل ضرورة لاستقرار المنظومة المالية العالمية التي لا تحتمل ركوداً طويلاً.

■ عصب العالم تحت المجهر: مقامرة “الأيام الخمسة”

تكتسب مهلة الأيام الخمسة التي حددها البيت الأبيض أهمية قصوى تتجاوز البعد العسكري، لتلامس حدود الانهيار في سلاسل التوريد العالمية. إن التهديد الإيراني بإغلاق مضيق هرمز كلياً هو إعلان عن “حرب استنزاف طاقوية” قد تدفع الاقتصاد العالمي نحو ركود تضخمي غير مسبوق. فالمضيق، الذي يمر عبره نحو 20% من استهلاك النفط العالمي، يمثل “عنق الزجاجة” الذي لا يمكن تجاوزه ببدائل برية في المدى القريب.

إن فشل الدبلوماسية وانقضاء المهلة يعني دخول المنظومة الدولية في نفق مظلم، حيث تصبح السياسة تابعة لتقلبات أسعار النفط. إن استعادة استقرار سلاسل التوريد لن تتحقق عبر التحالفات العسكرية لتأمين الملاحة فحسب، بل عبر الضمانات السياسية التي ترفع الحصار عن عصب الطاقة مقابل وقف استهداف المنشآت الحيوية، وهو جوهر المخرج الذي تطرحه الوساطات لتجنب الصدام الشامل.

■ المبادرة المصرية: الدبلوماسية كبديل للتحالفات العسكرية

في ظل هذا التأزم، برزت التحركات الدبلوماسية المصرية كمسار موازٍ يسعى لاحتواء الحريق. ترتكز المبادرة المصرية، بالتنسيق مع تركيا وباكستان، على خلق مساحة للتفاوض بعيداً عن سياسة “حافة الهاوية” التي ينتهجها البيت الأبيض. وتدرك القاهرة أن تشكيل تحالفات دولية لتأمين الملاحة ليس حلاً مستداماً، بل هو علاج لظاهر الأزمة وليس لجذورها.

إن الاتصالات الرفيعة التي أجرتها القيادة المصرية تهدف إلى بلورة “تسوية مرحلية” تسمح لكل طرف بإعلان نصر سياسي؛ فواشنطن يمكنها الادعاء بأنها دمرت جزءاً من البنية الصاروخية، بينما تستطيع طهران التأكيد على صمودها وحماية سيادتها. هذا المخرج يوفر “سلماً” للنزول عن شجرة التصعيد، خاصة وأن الوساطة تظل السبيل الوحيد الموثوق في ظل شكوك حول جدوى الرهان على تغيير النظام من الداخل.

■ سيناريوهات النهاية: بين “الهدنة الهشة” و”التسوية الكبرى”

تتأرجح مآلات الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران بين خمسة مسارات، يبرز من بينها سيناريو “التهدئة التدريجية” كخيار واقعي، حيث تتراجع العمليات مع بقاء القضايا الجوهرية عالقة. ومع ذلك، فإن مهلة الأيام الخمسة تعكس رغبة في تحقيق مكاسب تفاوضية سريعة تحت ضغط التعزيزات العسكرية.

إن نجاح أي تسوية مرهون بقدرة الأطراف على تجاوز عقدة “الضمانات”؛ فطهران تطلب تعويضات واعترافاً بالعدوان، بينما تصر واشنطن وتل أبيب على تقويض الردع الصاروخي. وفي غياب وضوح سياسي كامل، قد تنتهي الحرب بـ “نصر معلق” بانتظار ترتيبات إقليمية أوسع، حيث تدرك جميع الأطراف أن كلفة استمرار هذا العدوان باتت تهدد الجميع بانهيار اقتصادي وأمني لا يستثني أحداً.

■ خارطة الحلول المستقبلية:

▪︎ تفعيل المسارات الدبلوماسية الإقليمية كضمانة لعدم عودة الحرب.

▪︎ فصل ملفات الطاقة والممرات المائية عن النزاعات السياسية لضمان أمن الاقتصاد العالمي.

▪︎ صياغة ميثاق أمني إقليمي يعالج هواجس الردع مقابل رفع العقوبات الاقتصادية.

https://hura7.com/?p=76650

الأكثر قراءة