الأكثر قراءة

إصدارات أسبوعية

عطش “الأرض الموعودة”: جنوب الليطاني بين الأطماع الاستيطانية والسيادة الوطنية

جريدة الحرة بيروت

بقلم : علي خليل ترحيني مدونة الكاتب علي خليل ترحيني

تتشابك في جنوب لبنان خيوط الجغرافيا والتاريخ مع معتقدات غيبية استيطانية، لم تكن يوماً مجرد نصوص عابرة، بل تحولت إلى عقيدة سياسية وعسكرية تحكم العقل الاستراتيجي الصهيوني منذ ما قبل إعلان الكيان. إن النظرة الصهيونية لجنوب لبنان، وتحديداً المنطقة الواقعة جنوب نهر الليطاني، تنطلق من مرتكزات تزعم أن هذه الأرض هي جزء أصيل من “الميراث التوراتي” لقبيلتي “أشير” و”نفتالي”، وهي مزاعم يُعاد إحياؤها اليوم بقوة في ظل حكومة اليمين المتطرف بقيادة بنيامين نتنياهو، لشرعنة الاحتلال، أو فرض مناطق عازلة، أو انتزاع ترتيبات أمنية تمس جوهر السيادة اللبنانية. ويبدأ هذا الفكر التوسعي بالمزاوجة بين الحاجة الحيوية للموارد والمزاعم المذهبية؛ حيث تُستخدم هذه الخريطة المتخيلة كغطاء أخلاقي لتبرير العدوان، وهي التي كانت حاضرة في مفاوضات رسم الحدود عام 1919، حين طالبت الحركة الصهيونية بضم جنوب لبنان حتى مجرى النهر بذريعة تأمين البقاء الاقتصادي عبر السيطرة على منابع المياه في الليطاني والحاصباني وجبل الشيخ.

هذا التوظيف للمعتقدات الغيبية يجعل من مصطلحات مثل “الحزام الأمني” أو “المنطقة العازلة” مجرد مفردات عسكرية لمشروع استيطاني أعمق، يسعى لتعطيل الحياة في الأرض وجعلها ملحقة وظيفياً بالأمن والموارد الإسرائيلية. ومنذ نشأة الكيان، لم يتوقف الاستهداف الممنهج للجنوب، متخذاً أشكالاً متعددة من الاعتداءات، كانت بدايتها محاولات منع لبنان من استثمار مياهه، وصولاً إلى اجتياح عام 1978 الذي مثل أول تجسيد عسكري علني للوصول إلى ضفاف النهر. ورغم القرارات الدولية، رفض الاحتلال الانسحاب الكامل، محاولاً فرض واقع احتلالي دائم، وهو ما تكرر في اجتياح عام 1982 ومحاولات عام 2006 لفرض وقائع ميدانية، إلا أن تلك الأطماع اصطدمت دائماً بصمود وطني أعاد تثبيت الخطوط السيادية للدولة اللبنانية.

وفي ظل التحديات الراهنة، تحاول سلطات الاحتلال استخدام لغة الاستعلاء لفرض شروط تمس عمق الدولة، محاولةً مقايضة وقف العدوان باعتراف رسمي بوقائع ميدانية هجينة وبقاء قواتها في نقاط استراتيجية داخل الأراضي اللبنانية. ولا يمكن فهم هذا الفكر دون إدراك المطامع في المياه؛ فقد كان نهر الليطاني دائماً هو الهدف الرئيس والكنز المفقود في الحسابات الصهيونية. وتاريخياً، استُبعد النهر من كل محاولات المحاصصة الدولية باعتباره نهراً وطنياً لبنانياً خالصاً، مما دفع الاحتلال لتبني سياسة المنع بالقوة والتهديد العسكري الدائم لأي مشروع تنموي، كما حدث في أزمة مياه الوزاني عام 2002. إن هذا التعنت يثبت أن الاحتلال لا يتعامل مع الحدود كخطوط قانونية، بل كمجالات حيوية لموارده، مع الإصرار على إبقاء منطقة جنوب الليطاني منزوعة التنمية.

أمام هذه الضغوط، يبرز الموقف اللبناني المرتكز على أسس قانونية ودولية راسخة، تبدأ بالتمسك بالحدود التاريخية المرسمة والمثبتة منذ عام 1923، ورفض أي شكل من أشكال المناطق العازلة التي تمس السيادة، مع التأكيد على أن الأمن المستدام يتحقق عبر بسط سلطة الدولة وتعزيز مؤسساتها، ومن خلال التنسيق والتفاهم العميق بين كافة المكونات اللبنانية بعيداً عن الصراعات الداخلية. إن المعركة القانونية والتنموية على الموارد، ولا سيما مشاريع الري الوطنية، تمثل الرد الأقوى على الأطماع الاستيطانية، مؤكدة أن مياه الليطاني هي عصب الحياة للجنوبيين وليست فائضاً لأي طرف آخر.

إن الحلول المستقبلية للبنان لا تكمن في الإذعان لترتيبات أمنية مجحفة، بل في صياغة استراتيجية وطنية شاملة تقوم على تثبيت السيادة المطلقة وانتزاع اعتراف دولي نهائي بالنقاط الحدودية كافة، بما فيها مزارع شبعا وتلال كفرشوبا، دون أي مقايضات. كما تتطلب المرحلة تحويل جنوب الليطاني إلى مساحة للصمود التنموي عبر استكمال مشاريع البنية التحتية التي تربط المواطن بأرضه. إن منتظر ساعة الإشراق للبنان يبدأ من تعزيز الحوار الداخلي الرصين الذي يهدف لحماية الدولة وصون استقلالها، ليكون لبنان قوياً في مواجهة الأطماع التوسعية. وسيبقى الليطاني شرياناً سيادياً يتدفق بالكرامة، وتتحطم عند ضفافه كل الأساطير التاريخية الزائفة أمام صلابة الحقائق الجغرافية والوحدة الوطنية.

https://hura7.com/?p=76250

الأكثر قراءة