جريدة الحرة بيروت
بقلم : د. خالد العزي مدونة د. خالد العزي

في خضم استمرار الحرب الروسية الأوكرانية وتصاعد الضغوط الدولية على موسكو، عاد ملف العقوبات الأمريكية إلى الواجهة من جديد، مع تحركات داخل الكونغرس لتمرير مشروع قانون قد يكون من بين أقسى الإجراءات الاقتصادية التي اتخذتها واشنطن ضد روسيا حتى الآن. غير أن الطريق نحو إقرار هذه العقوبات لا يبدو سهلًا، إذ بات المشروع نفسه ساحة مواجهة سياسية بين البيت الأبيض والمشرعين، ليس فقط حول كيفية معاقبة روسيا، بل أيضًا حول قضايا أخرى يريد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ربطها بالملف، وعلى رأسها إيران.
ويأتي مشروع القانون المعروف باسم مشروع غراهام-بلومنتال في لحظة حساسة من الصراع الجيوسياسي، حيث تحاول الولايات المتحدة استخدام الأدوات الاقتصادية للضغط على موسكو، وتقليص عائداتها من صادرات الطاقة التي تمثل أحد أهم مصادر تمويل الاقتصاد الروسي. وقد أعاد رحيل السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام، أحد أبرز الداعمين للمشروع، تسليط الضوء على المبادرة التي بقيت لفترة طويلة محل نقاش سياسي دون أن تتحول إلى إجراء تشريعي فعلي.
عقوبات ضد مشتري الطاقة الروسية
يقوم جوهر المشروع الأصلي على فرض رسوم جمركية ضخمة على واردات الدول التي تستمر في شراء الطاقة الروسية. فقد اقترح النص الأول فرض رسوم تصل إلى 500% على سلع الدول المستوردة للطاقة من روسيا، وهي خطوة كانت ستؤثر بشكل مباشر على قوى اقتصادية كبرى، وفي مقدمتها الصين والهند.
وقد أثار هذا المقترح جدلًا واسعًا منذ طرحه، إذ اعتبره منتقدون إجراءً يصعب تطبيقه عمليًا، نظرًا لاعتماد العديد من الاقتصادات الكبرى على إمدادات الطاقة الروسية، ولما قد يسببه من اضطرابات في التجارة العالمية. كما رأى بعض المراقبين أن المشروع يحمل أبعادًا سياسية داخلية، إذ يمنح واضعيه فرصة لإظهار موقف متشدد تجاه موسكو ودعم أوكرانيا.
لكن التطورات السياسية الأخيرة جعلت احتمال تمرير المشروع أكثر واقعية. فالرئيس ترامب أبدى تأييدًا لاستخدام العقوبات كوسيلة ضغط على روسيا، كما أن الجمهوريين يحتفظون بالأغلبية في الكونغرس، ما يزيد فرص وصول المشروع إلى مرحلة التصويت.
ترامب يريد تعديل المشروع
رغم تأييده العام لفكرة تشديد العقوبات، لا يبدو ترامب مستعدًا لدعم النسخة الأصلية من مشروع القانون. إذ يسعى البيت الأبيض إلى إدخال تعديلات توسع نطاق العقوبات لتشمل إيران وحلفاءها، وعلى رأسهم حزب الله.
يرى الرئيس الأمريكي أن ربط الملف الروسي بالملف الإيراني يمنح واشنطن أداة ضغط أوسع على خصومها الدوليين. غير أن هذا التوجه أثار اعتراضات من عدد من المشرعين، خصوصًا الديمقراطيين، الذين يعتبرون أن دمج القضيتين قد يؤدي إلى تعطيل العقوبات الخاصة بروسيا.
وأشار مؤيدو المشروع في الكونغرس إلى أن مواجهة روسيا وإيران تتطلب مسارين تشريعيين منفصلين، حتى لا تتحول الخلافات حول السياسة الأمريكية تجاه طهران إلى عقبة أمام إقرار العقوبات ضد موسكو.
نسخة جديدة أكثر مرونة
نتيجة للمفاوضات بين البيت الأبيض وأعضاء مجلس الشيوخ، بدأت ملامح نسخة معدلة من المشروع بالظهور. وتختلف هذه النسخة عن المقترح الأصلي في عدة نقاط رئيسية، أبرزها خفض الحد الأقصى للرسوم الجمركية المقترحة من 500% إلى 100%. كما تمنح النسخة الجديدة الرئيس الأمريكي صلاحية تحديد الدول التي ستُفرض عليها العقوبات ومستوى الرسوم المفروضة، مع إدخال استثناءات للدول التي تظهر خطوات جدية لتقليل اعتمادها على الطاقة الروسية.
ومن بين الدول التي قد يشملها القانون الصين والهند وسلوفاكيا والمجر وأذربيجان، باعتبارها من أبرز مشتري الطاقة الروسية. إلا أن الصلاحيات الواسعة الممنوحة للرئيس قد تجعل تطبيق العقوبات مرتبطًا بالقرار السياسي للإدارة الأمريكية، سواء بإدراج هذه الدول أو استثنائها. اذا، لا يقتصر المشروع المعدل على الرسوم التجارية، بل يتضمن أيضًا إجراءات مالية إضافية، من بينها فرض قيود محتملة على البنك المركزي الروسي، وهو ما قد يمثل تصعيدًا كبيرًا في استخدام الأدوات الاقتصادية ضد موسكو.
العقوبات بين روسيا وإيران: معركة داخل واشنطن
لم يعد الجدل حول مشروع القانون مرتبطًا فقط بالعقوبات على روسيا، بل تحول إلى جزء من الخلاف الأوسع حول سياسة إدارة ترامب الخارجية. فاقتراح إضافة إيران وحزب الله إلى نص المشروع فتح مواجهة سياسية داخل الكونغرس، خصوصًا في ظل التوترات المتزايدة بشأن تحركات واشنطن العسكرية تجاه طهران.
يرى بعض الديمقراطيين أن ربط العقوبات الروسية بالملف الإيراني قد يكون محاولة لإبطاء تمرير المشروع أو استخدامه كوسيلة للحصول على دعم تشريعي لسياسات أخرى للبيت الأبيض. كما اعتبروا أن التعامل مع إيران يجب أن يكون عبر تشريع مستقل، لا من خلال مشروع صُمم أساسًا لمواجهة روسيا. لقد انعكس هذا الخلاف على ملفات أخرى داخل الكونغرس، حيث شهدت مناقشات ميزانية الدفاع الأمريكية توترًا سياسيًا، بعد اعتراض عدد من الديمقراطيين على سياسات ترامب المتعلقة باستخدام القوة العسكرية دون تفويض واضح من المشرعين.
اختبار للعلاقة بين البيت الأبيض والكونغرس
يكشف الجدل حول مشروع العقوبات أن السياسة الخارجية الأمريكية لا تُصاغ فقط عبر المواجهة مع الخصوم الدوليين، بل أيضًا عبر التوازنات الداخلية بين مؤسسات الحكم في واشنطن. فبينما يتفق الجمهوريون والديمقراطيون على ضرورة ممارسة ضغط أكبر على روسيا، فإن الخلاف يكمن في حدود هذا الضغط والأهداف التي ينبغي أن يخدمها. أما في حال تمسك ترامب بإضافة بنود تتعلق بإيران، مقابل إصرار الديمقراطيين على فصل الملفات، فقد يتأخر تمرير العقوبات خلال الفترة القريبة. أما إذا تم التوصل إلى صيغة توافقية، فإن العقوبات قد تصبح واقعًا تشريعيًا، لتشكل مرحلة جديدة في المواجهة الاقتصادية بين الولايات المتحدة وروسيا.
خاتمة
يمثل مشروع قانون غراهام-بلومنتال أكثر من مجرد حزمة عقوبات اقتصادية؛ فهو يعكس الصراع الأوسع حول دور الولايات المتحدة في إدارة الأزمات الدولية واستخدام القوة الاقتصادية كأداة للسياسة الخارجية. وبينما تسعى واشنطن إلى زيادة الضغط على موسكو وإضعاف قدرتها على تمويل عملياتها العسكرية، تكشف الخلافات داخل الكونغرس أن القرارات الكبرى لا ترتبط فقط بالحسابات الخارجية، بل أيضًا بالتوازنات السياسية الداخلية.
اذن، فإن مستقبل هذا المشروع سيعتمد على قدرة البيت الأبيض والمشرعين على تجاوز الخلافات حول إيران وتحديد الأولويات الاستراتيجية. فإذا نجح الطرفان في الوصول إلى تسوية، فقد تشهد المرحلة المقبلة واحدة من أشد حزم العقوبات الأمريكية ضد روسيا، أما استمرار الخلافات فقد يؤجل القرار ويكشف حدود التوافق السياسي في واشنطن تجاه الملفات الدولية الأكثر حساسية.


