الحرة بيروت
بقلم روني عبد النور
لسنوات طويلة، افترض الباحثون أن أدمغة الأطفال ليست ناضجة كفاية لتكوين ذكريات دائمة. وتضاربت النظريات حول ما إذا كان السبب ينمّ عن عدم نضج بيولوجي أم يرتبط بعوامل نفسية. عدم الشعور، كفرد، بالذات في “البدايات”، أو نقص القدرة على استخدام اللغة للتعبير احتمالان شائعان. لكن هناك المزيد. إنها ذكريات الطفولة، إذاً. اللغز المحيّر كأحلام ليالي الصيف التي تمرّ ولا تبقى. إنها “البدايات” التي – ربما – تبدأ قبل أن تبدأ.
لطالما اعتقد العلماء أننا لسنا مبرمجين للاحتفاظ بذكريات الطفولة. لماذا؟ لأن الحُصين – أي الجزء الدماغي المسؤول عن حفظ الذكريات – يواصل النمو حتى مرحلة المراهقة بلا قدرة على تشفير ذكريات السنوات الأولى. لكن بحثاً أميركياً جديداً، نُشر في مجلة “Science” الشهر الماضي، يخبرنا بأن ذلك ليس صحيحاً تماماً.
وفق الفريق، السمة المميزة لهذا النوع من الذكريات (العرضية) هي إمكانية وصفها للآخرين. فقد عرض الباحثون على رضّع تتراوح أعمارهم بين أربعة أشهر وسنتين صورة وجه أو شيء أو مشهد جديد. ثم بعد مشاهدة عدة صور أخرى، عرضوا عليهم صورة سبقت لهم مشاهدتها بجانب صورة جديدة. فاستنتجوا أن مشاهدة الرضّع لشيء ما مرة واحدة فقط، أتاحت توقّع تحديقهم به أكثر عند رؤيته مجدداً – وبالتالي التعرّف عليه.
كان فريق البحث رائداً على مدار العقد الماضي في أساليب إخضاع الرضّع المستيقظين للتصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي. وهو أمر ليس بالهيّن لقصر فترة انتباه الرضّع وعدم قدرتهم على البقاء ساكنين أو اتباع التوجيهات. ومن خلال قياس نشاط حُصين الرضّع أثناء مشاهدة للصور، وجد الباحثون أنه كلما زاد نشاط الحُصين عند النظر إلى صورة جديدة، كلما طالت مدة التمعّن بها لدى ظهورها لاحقاً.

فما الذي يحدث لهذه الذكريات؟ ثمة احتمالات، بحسب الفريق. أحدها هو عدم تحوّلها إلى ذاكرة تخزين طويلة المدى. أما الآخر – الأكثر ترجيحاً – فيتمثل ببقاء الذكريات لفترة طويلة بعد تشفيرها، دون إمكانية الوصول إليها. وهذه عودة بالزمن إلى الخلف. إذ عرّف عالِم النفس، سيغموند فرويد، “فقدان الذاكرة الطفولي” بصعوبة تواجه معظم البالغين في تذكّر أحداث السنوات الأولى. وأظهرت الأبحاث اللاحقة في عِلم النفس المعرفي ندرة الذكريات اللفظية لتجارب الحياة المبكرة.
في بحث لجامعة إيموري الأميركية، نُشر عام 2013 في مجلة “Memory”، طلب باحثون من مجموعة آباء التحدث مع أطفالهم البالغين من العمر ثلاث سنوات حول أحداث حياتهم الأخيرة. وبعد سنوات، طُلب من الأطفال استرجاع التجارب المبكرة نفسها. فوجد الفريق أن الأطفال الذين بلغوا ست أو سبع سنوات تذكّروا ما يصل إلى 72% من الذكريات، بينما لم يستطع أقرانهم في سن الثامنة والتاسعة من استرجاع سوى نصف النسبة تلك.
ثم، في دراسة أجريت عام 2020 وعرضتها مجلة “Psychological Science”، وجد باحثون أن الأفراد يحافظون على ذكريات أقل عن أحداث العالم الحقيقي كلما مر وقت أطول على حدوثها (لتصبح أقل تفصيلاً مع الوقت). وقبلها بسنوات، في دراسة نُشرت في مجلة “Child Development” عام 2011، أجرت كارول بيترسون، عالمة نفس الأطفال والأستاذة في جامعة ميموريال في نيوفاوندلاند، وزملاؤها، مقابلات مع أطفال تتراوح أعمارهم بين 4 و13 عاماً حول ذكرياتهم الأولى. ولما أعادوا مقابلتهم بعد عامين، وجدوا أن “الأحداث المفعمة بالعاطفة كانت أكثر عرضة للاستمرار”.
كذلك، رفع امتلاك الطفل لذاكرة واضحة – أي منظمة ومرتبة زمنياً – من احتمال تذكّرها. وبرزت صلة قوية بين العاطفة والتذكّر الدقيق؛ فالأحداث المؤلمة غالباً ما أنتجت ذاكرة أعلى جودة. لكن في بعض الحالات، يمكن للأشخاص – والأطفال خصوصاً – تكوين ذكريات زائفة، أو أخرى حية لأحداث لم تحصل قط. وقد تكون هذه الذكريات واقعية ومفصلة بشكل ملحوظ، ما يصعّب تمييزها عن الحقيقي منها.
جدير بالذكر أن ثمة دراسات أظهرت معاناة العديد من الثدييات الأخرى من الأمر نفسه أيضاً، ما يستبعد ارتباط المسألة باللغة أو الوعي الذاتي حصراً. إذ ربما يخدم النسيان غرضاً تطوّرياً ما، سواء أكان مساعدة أدمغة الصغار على تعلّم كيفية إعطاء الأهمية المناسِبة للأحداث أو تطوير إطار لأنظمة الذاكرة للاستخدام اللاحق.
لفت بحث ظهر عام 2016 في مجلة “Nature Neuroscience”، إلى أن القوارض الصغيرة قادرة أيضاً على الوصول إلى الذكريات المكبوتة مع بعض المساعدة. إذ قام فريق من جامعة نيويورك بتوجيه صدمة كهربائية في القدم لمجموعة من الجرذان عند دخولها إلى حجرة مظلمة داخل صندوق أبيض. فأتقنت الحيوانات البقاء خارج الحجرة الخطرة، لتنسى ما أتقنته بعد ذلك بوقت قصير. وبمجرد أن بلغت، تبيّن أنه يمكن للجرذان تنشيط ذاكرتها من خلال إظهار الصندوق الأبيض لها وصدمها في صندوق بلون مختلف.
بعد عامين، جرى فحص الاتصالات الخلوية الأساسية لدى القوارض. فاستُخدمت فئران صغيرة معدلة وراثياً لإنتاج بروتين حساس تجاه الضوء في مجموعة الخلايا العصبية في الحُصين التي أطلقت أثناء تعلّم الحيوانات ربط الصندوق بصدمة القدم. وبعد شهر، عندما نسي الفأر الذكرى، سلط الباحثون ضوءاً على دماغه من خلال ألياف بصرية. فبدا واضحاً أن البروتين أعاد تنشيط المنطقة الدماغية المعنية. إذ تجمد الفأر، تحسّباً لصدمة ربما، حتى لو كان خارج الصندوق.

فهل يسمح كبت الذكريات للدماغ بتسخير المزيد من قوة الحوسبة لفهم كيفية عمل العالَم مع منح الحُصين وقتاً للتطوّر؟ نعود إلى فرويد. فقد جادل بأننا نقمع ذكرياتنا المبكرة لأسباب جنسية. ولتكوين ذكريات طويلة المدى، يجب أن تتوافق مجموعة من العوامل البيولوجية والنفسية، بينما يفتقر معظم الأطفال إلى الآلية اللازمة لذلك. فالمادة الخام تصل للذاكرة وتسجَّل عبر مركز الإدراك في القشرة المخية. لكن كي تصبح المادة ذاكرة، يجب أن تتجمع في الحُصين الذي يربط المادة تلك بأخرى مماثلة مخزّنة في الدماغ. وبما أن بعض أجزاء الحُصين لا يكتمل تطوّرها قبل المراهقة، يصعب على دماغ الطفل إكمال العملية بنجاح.
وبما لا يقل أهمية، يمكن أن تُشوَّه ذكرياتنا بذكريات الآخرين حول حدث ما – أو بمعلومات جديدة، خاصةً إن كانت مشابهة لأخرى مُخزّنة بالفعل. كما يُمكن فقدان الذكريات عندما تتلاشى المشابك العصبية التي تربط الخلايا العصبية نتيجةً لعدم الاستخدام. فقد يكون فقدان الذاكرة، في الواقع، نتيجة ثانوية لتكوين ذكريات جديدة معطّلة للروابط القديمة.
هنا، لا بدّ من التعريج على أعمال عالِم النفس الآخر، كارل يونغ، الذي تمايز عن فرويد لناحية عدم تقبّله لاعتقاد الأخير بأن معظم السلوك البشري هو نتيجة “جنسانية مكبوتة”. فيونغ تجاوز الحدود تلك بفكرته عن “اللاوعي الجمعي” – أي العقل البشري الأوسع نطاقاً الذي يتجلى في الرموز والأحلام والأساطير، وليس الفرد سوى جزء منه.
تماشياً مع الفكرة تلك، ربّ سائل: هل الطفولة هي البداية المطلقة للأحداث؟ صحيح أن المجتمع العلمي تجاهل طويلاً مفهوم استمرارية الحياة بعد الموت. لكن ثمة باحثين “استقصائيين” حاولوا نقل المفهوم المذكور من نطاق الدين والثقافة إلى رحاب العِلم. وأحد هؤلاء هو طبيب النفس الكندي – الأميركي إيان ستيفنسون. فعلى مدى ثلاثة عقود، منذ منتصف الستينيات، حقق ستيفنسون في – وتحقّق من – أكثر من 2600 حالة تتعلق بذكريات ميلاد سابقة. ووقع – من خلال التعامل مع الذكريات العفوية – على تفاصيل استعادها الأطفال عن “حيوات” سابقة ليتبيّن أنها دقيقة فعلاً.
بدءاً بفرويد، مروراً بيونغ ووصولاً إلى ستيفنسون، إننا بإزاء موضوع شائك، بلا شك. لكن مساهمات الأخيرَين تلقي ضوءاً مغايراً تماماً على ذكريات الطفولة – لا بل على تعريف الطفولة كأولى مراحل “العمر” من أصله. وهو ضوء يستدعي التفكّر بما يتخطى ذكريات “البدايات” وكيفية استخراجها والأسباب.
المراجع:
https://www.science.org/doi/10.1126/science.adt7570
https://www.tandfonline.com/doi/abs/10.1080/09658211.2013.854806
https://journals.sagepub.com/doi/abs/10.1177/0956797620954812?journalCode=pssa&
https://srcd.onlinelibrary.wiley.com/doi/abs/10.1111/j.1467-8624.2011.01597.x
https://www.nature.com/articles/nn.4348
لتصفّح العدد كاملاً: https://hura7.com/?p=49848


