الأكثر قراءة

إصدارات أسبوعية

عن عكار و طرابلس: لبنان ليس أرضًا سائبة… ولا تعويضًا عن عجز الساقطين

د. بشير عصمت

 

جريدة الحرة ـ بيروت

  • جورج حبش: “الوطن ليس فندقًا نغادره حين تسوء الخدمة”
  • غسان كنفاني: “قضية الوطن لا تُحلّ على مائدة الآخرين”
  • جبران خليل جبران: “ويلٌ لأمة كثرت طوائفها و قل فيها الدين”

في ليلةٍ ملبّدةٍ بالهواجس، لا يعكّر صمتها سوى أزيز الطائرات المسيّرة الإسرائيلية التي ترصد الجنوب وتعدّ على الشمال أنفاسه، بدا المشهد اللبناني وكأنه على حافة مجزرة معلنة. السماء مُحمّلة بمشاريع القذائف، والأرض مُثقلة بالخوف، واللبنانيون يتنفّسون في انتظار تسوية لا تشبههم، أو ضربة تأديبية لا تفرّق بين المقاتلين والمدنيين، وبين المقاومة والبنية التحتية، وبين الوطن والهدف تتجه الأنظار إلى الضمانات – مطلب وطني صارخ: أن يُدمج الحزب في منظومة  المواطنية  والدفاع الشرعي، وتولي الدولة كامل دورها في حماية كل اللبنانيين والضيوف فيُستعاد القرار السيادي، لتنهض الدولة على قاعدة وطنية، لا طائفية ولا تبعية. أن يقف الجيش حيث يجب أن يقف، وأن تحيا المؤسسات بمنطق المواطنة لا بمنطق الامتيازات المذهبية.

طرابلس

الخطر لم يعد محصورًا بين صاروخٍ وغارة؛ بل تمدّد إلى الجغرافيا الاجتماعية. يأتينا من الشمال هذه المرة، لا على شكل جيش، بل في استغلال نزوحٍ و فلسفته بمشروع توسعة. حول عكار والضنية وطرابلس، ثمّة خطاب يرتفع من بعض أطياف المعارضة السورية الفاشلة والمنهكة أمثال اللبواني والمالح وأشباههما، خطاب لا يتحدّث عن العودة كحق، بل يستخدم اللجوء كمدخل لإعادة رسم الخرائط، في إحياءٍ جديد لمشروع بيرنارد لويس ورالف بيترز – تلك الخرائط التي تمسح الكيانات وتختزل الجغرافيا في الطائفة. لكن هذه المرة بلغة مذهبية لا تمت إلى الثورة أو الحرية بصلة، بل تستحضر أوهام القرون الوسطى: حيث الإمارة تعلو على الدولة، والثأر يحلّ محل القانون، والوصاية ترتدي  زورًا عباءة “الهويّة السنّية” لتُشعل الفتنة مع مكوّن لبناني أساسي.

لبنان الذي احتضن أكثر من مليوني نازح سوري، لم يكن يومًا وطنًا طاردًا. فتح قلبه وحدوده وبيوته، خصوصًا في عكار والبقاع وطرابلس وصيدا، لكنّه لم يكن يومًا أرضًا سائبة. ومن استُقبل بكرم، لا يردّ الجميل بخرائط جديدة. مشروعهم ليس وطنًا حرًا في دمشق، بل إمارة طائفية في طرابلس. وما زاد الطين بلة هو التواطؤ الخجول لبعض الأصوات اللبنانية، التي رأت في حكم جولاني النكهة، يزيدي الذاكرة، عودة “الهوية السنية” إلى دمشق، واستثمارًا ممزوجًا بالخوف والأمل في تفكك سوريا لصالح نفوذ طائفي عبر الحدود.

إن نقل منطق الحروب القروسطية إلى زمن الدولة الحديثة كارثةٌ مفاهيمية وسياسية، ويهدّد التركيبة اللبنانية الهشّة التي تقوم على العيش المشترك لا على الاستقطاب. فالخطاب الذي يقدّم طرابلس كمدينة “مسلوبة”، وعكار كأرض “يُفترض تصحيح انتسابها”، لا يعبّر عن ثورةٍ أو حقٍ تاريخي، بل عن رغبة دفينة في إعادة إنتاج الاستعمار بلغة دينية مذهبية. هو تمهيد لتفكيك السيادة اللبنانية وتحويل البلاد إلى فسيفساء من الإمارات المتناحرة، بما يتماشى تمامًا مع المشروع الإسرائيلي في تفتيت المنطقة.

من يروّج لفكرة “الامتداد الطبيعي” بين طرابلس ودمشق، عليه أن يراجع تاريخ المنطقة قبل خطوط سايكس-بيكو. فسوريا نفسها لم تكن يومًا دولة موحّدة بالمعنى الحديث، بل كانت نسيجًا من السريان والآراميين والآشوريين والكلدان، ثم ولايات خضعت للعثمانيين فالفرنسيين. سوريا ليست كتلةً واحدة متراصّة، ولا يمكن استخدام حطامها لخلط الأوراق وإعادة ترسيم حدود لبنان.

هل نُسقط الحدود اذا ما ضاقت الأحوال  بأهل الهرمل؟ وهل نستنسخ “الخلافة” عندما تضيق أرزاق أهل الشمال؟ هذا منطق استعماري مُقنّع: يستخدم الفقر والتهميش لتبرير مشاريع الضمّ. إنه يستبدل مشروعًا تحرّريًا في دمشق بإمارةٍ طائفية في طرابلس، تغذيها أدوات خارجية، وتُراكم فوق مأساةٍ لبنانية لم نتعافَ منها بعد.

وإذا كانت المظلومية هي الحُجّة، فكل الطوائف تملكها. من الشيعة في الجنوب، إلى المسيحيين في الأطراف، إلى الدروز في الجبل، إلى السنة في الشمال، الفقر يوزّع بالتساوي، والفساد يحكم باسم الجميع. من سرق لبنان ليس مذهبًا، بل طبقة سياسية ومالية وأمنية، لها وكلاؤها من كل مذهب. فلا يحق لأحد أن يدّعي ملكية “الحق التاريخي”، ولا يحق لأحد أن يختطف الشمال بذريعة النكبة السورية.

لا يمكن تجاهل الحقيقة المُرّة: حزب الله، وهو أحد أبرز أطراف المعادلة اللبنانية، ورّط البلاد في مأساة عميقة خلال انخراطه العسكري والسياسي في الحرب السورية. تلك المعركة كلّفت لبنان أثمانًا باهظة في علاقاته الإقليمية، وفي اقتصاده، وفي صورته السيادية. وبينما نحاول الخروج من تبعات هذا التورّط، تطلّ علينا جبهة النصرة بثوبٍ سياسي، ساعيةً إلى إعادة إنتاج مأساة جديدة على الأرض اللبنانية. إنها تساهم في إبقاء صنّاع الخرائط المسمومة مرتاحين، أولئك الذين يصفّق لهم العدو الإسرائيلي سرًا، لأنهم يضعفون جبهة المقاومة ويحوّلونها إلى ذريعة لمزيد من التشظّي الداخلي، بدل أن تبقى مشروعًا تحرّريًا جامعًا لكل اللبنانيين.

من يريد أن يحرّر الجولان، فليتجه إلى تل أبيب لا إلى طرابلس. من يسعى إلى تصحيح الحدود، فليبدأ من أنطاكية ولواء إسكندرون، لا من البقاع أو المنية. من لم يُحرّر شبرًا في عهد الأسد، لا يحق له أن يرسم خرائط تبدأ من باب التبانة. لبنان الذي دحر الاحتلال الإسرائيلي، وخرج منه جيش الوصاية السورية مذلولًا، لن يستقبل مشاريع وصاية جديدة تأتيه عبر بوابة النزوح ومآسي الثورات المضادة.

أهل الشمال قلقون، أهل الجنوب فقدوا بيوتهم والفقر يعمّ ويتوسع. هل من يصغي؟ هل من يستجيب؟ لكن كل الثقة باللبنانيين، مقاومون أشداء يؤمنون بنهائية وطنهم المنسجم مع  محيطه العربي و هو جزء منه.

هذا البلد الذي قاوم الغزاة ودفنهم في ترابه، ليس لقمةً سائغة. سيبقى حرًا مدنيًا ديمقراطيًا سيدًا  يحضن كل أبنائه. ومن انسحب منه تحت قرقعة التنك لن يعود إليه على إيقاع قرقعة الخطابات. ومن جر أذيال الهزيمة من بيروت إلى مارون الراس لن يقوى على دحره من الداخل أو الخارج. ومن راهن على تفكّكه سيكتشف أنه أصلب عودًا من عواصمهم. ومن حلم بابتلاعه سيختنق بحجم هذا الحلم.

لبنان ليس جغرافيا فقط. إنه فكرة، والفكرة لا تُحتل. هو وطنٌ لا يُختصر، عقدٌ اجتماعيّ لا يُسوّى على موائد المحاور. دولة، لا غنيمة. هوية، لا ممرّ.

فليُكتَب هذا على حدودنا… وعلى جباههم.

باحث وأستاذ جامعي في التاريخ الاجتماعي والسياسات العامة

للتواصل مع كاتب المقال: osmatbachir@outlook.com

https://hura7.com/?p=61060

الأكثر قراءة