جريدة الحرة بيروت
وكالات ـ دشنت فرنسا وألمانيا مرحلة جديدة من تعاونهما الاستراتيجي، بإطلاق سلسلة مبادرات دفاعية وسياسية واقتصادية تهدف إلى تعزيز الاستقلالية الأوروبية في مواجهة التحديات الأمنية والجيوسياسية، وذلك خلال اجتماعات مجلس الدفاع والأمن الفرنسي-الألماني والحكومتين في ألمانيا.
وشملت الاتفاقات توسيع التعاون في الردع النووي، وإطلاق مشاريع مشتركة في الذكاء الاصطناعي والصواريخ والفضاء، إلى جانب تسريع التنسيق بشأن أولويات الاتحاد الأوروبي، في وقت يسعى فيه البلدان إلى تجاوز تداعيات انهيار مشروع المقاتلة الأوروبية المشتركة FCAS وتعزيز مكانة أوروبا في مواجهة روسيا والصين وتراجع الالتزام الأمريكي. وللتعبير عن التقارب، وصل الزعيمان إلى قاعدة نورفينيش الجوية على متن يوروكوبتر “سوبر بوما”، وهي مروحية نقل تُعد رمزاً للتعاون الفرنسي-الألماني الناجح في مجال الصناعات الدفاعية.
تعزيز الردع النووي والتعاون العسكري
وأعلن المستشار الألماني فريدريش ميرتس أن ألمانيا ستشارك هذا العام، وللمرة الأولى، في مناورة نووية عسكرية فرنسية، مؤكداً أن الخطوة تأتي في إطار عمل “مجموعة توجيه استراتيجية” أنشأها البلدان لتعزيز الردع المشترك، مع التشديد على أن ذلك يكمل دور ألمانيا ضمن المظلة النووية لحلف شمال الأطلسي (الناتو) ولا يحل محله.
وأوضح ميرتس أن القوات الألمانية ستشارك بقوات تقليدية داعمة من دون أي دور في التحكم بالأسلحة النووية الفرنسية، كما ستساهم في تطوير أنظمة الرادارات والقدرات الفضائية المخصصة لرصد الصواريخ الباليستية وفرط الصوتية. من جانبه، جدد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون تأكيده أن قرار استخدام الترسانة النووية الفرنسية سيبقى حصرياً بيد رئيس الجمهورية الفرنسية، لكنه أكد على عقيدة “الردع المتقدم” التي أعلنها مطلع العام، والتي تتيح نشر مقاتلات رافال القادرة على حمل أسلحة نووية بصورة مؤقتة في قواعد الدول الحليفة، مع توفير الحماية لها من قبل قوات تلك الدول.
وقال ماكرون إن فرنسا ستتحمل المسؤولية الكاملة والدائمة عن دفع تكاليف ردعها النووي، وذلك رداً على سؤال حول ما إذا كانت فرنسا تفكر في أن تساعد ألمانيا في تمويل البرنامج النووي الفرنسي. وكانت ألمانيا وبريطانيا وبولندا وهولندا وبلجيكا واليونان والسويد والدنمارك قد وافقت على الانضمام إلى هذا المشروع الذي تقوده فرنسا، في حين يمثل امتداداً للتقارب النووي الفرنسي-البريطاني الذي كرسه إعلان نورثوود الموقع العام الماضي. كما أعلن ميرتس مشاركة ألمانيا في مناورة عسكرية فرنسية تقام خلال الخريف ضمن إطار “ائتلاف الراغبين” الداعم لأوكرانيا، بهدف اختبار جاهزية قوة متعددة الجنسيات يمكن نشرها بعد التوصل إلى وقف لإطلاق النار.
شراكة دفاعية جديدة
جاءت هذه المبادرات في محاولة لإنقاذ الشراكة الدفاعية الفرنسية-الألمانية بعد انهيار مشروع نظام القتال الجوي المستقبلي (FCAS) الذي كان يهدف إلى تطوير مقاتلة أوروبية من الجيل السادس، قبل أن يتوقف الشهر الماضي نتيجة خلافات طويلة بين شركتي داسو للطيران الفرنسية وإيرباص الألمانية حول قيادة المشروع وتقاسم التكنولوجيا والأعمال.
وأكد ماكرون أن فشل المشروع لا ينبغي أن يوقف التعاون العسكري بين البلدين، قائلا: “الوطنية نعم، أما القومية فلا..؛ الاعتقاد بأن كل دولة تستطيع وحدها بناء قدراتها الدفاعية هو تصور عبثي”. وفي المقابل، أعلن الجانبان إنشاء “معيار أوروبي موحد للقتال التعاوني” يتيح للمقاتلات والطائرات المسيّرة والطائرات العسكرية الأوروبية المختلفة العمل ضمن شبكة عمليات مشتركة، حتى وإن كانت من تطوير دول مختلفة.
كما اتفق البلدان على مواصلة تطوير الحل السحابي العسكري (Combat Cloud) الذي كان جزءاً من مشروع FCAS رغم إلغاء المشروع نفسه. وفي مشروع النظام الرئيسي للقتال البري (MGCS) الذي يهدف إلى استبدال دبابات ليوبارد 2 الألمانية ولوكلير الفرنسية بمنظومة من المركبات القتالية المأهولة وغير المأهولة، اتفقت الحكومتان على إطلاق برنامج بحثي يشمل تقنيات القيادة الذاتية، وأجهزة الاستشعار، وربط شبكات ساحة المعركة، وصولا إلى مرحلة إثبات الجدوى.
كما أعلنت باريس وبرلين أنهما ستعملان مع المملكة المتحدة لدراسة التعاون في مجال الصواريخ بعيدة المدى التي قد يصل مداها إلى2500 كيلومتر، مع بحث الاستفادة من قدرات شركة أريان غروب الفرنسية-الألمانية. وفي قطاع الفضاء، تعهد البلدان بتعزيز التعاون في أقمار الاستطلاع العسكرية، وزيادة الاعتماد على الصواريخ الأوروبية، وعلى رأسها أريان 6، لإطلاق المعدات العسكرية إلى الفضاء.
بديل أوروبي لـ”بالانتير” وتعزيز السيادة الرقمية
وفي خطوة تعكس توجه أوروبا نحو تقليص اعتمادها على التكنولوجيا الأمريكية، أعلنت باريس وبرلين عزمهما دراسة تطوير بديل أوروبي لبرمجيات شركة “بالانتير” الأمريكية المستخدمة في مجالات القيادة العسكرية وتحليل البيانات. واتفق البلدان على دراسة إنشاء بنية رقمية أوروبية سيادية تعتمد على الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية، مع التركيز على سيادة البيانات والأمن الرقمي.
وأشار البيان المشترك إلى منصة “أركاديا” الفرنسية، المدعومة بالذكاء الاصطناعي، باعتبارها نموذجاً أوروبياً بديلاً لبرنامج “مافين” الذي تطوره شركة بالانتير ويستخدمه أيضاً حلف الناتو، إضافة إلى حلول ألمانية مماثلة. ويأتي ذلك بعد إنهاء أجهزة الاستخبارات الداخلية الفرنسية عقدها مع بالانتير، واختيار وكالة الاستخبارات الألمانية شركة “ChapsVision” الفرنسية بديلا عن البرمجيات الأمريكية. كما جددت باريس وبرلين دعمهما لإدراج شركة “KNDS” الأوروبية المتخصصة في تصنيع الدبابات والأنظمة البرية في البورصة، إذا توفرت الظروف المناسبة وحصل توافق حكومي.
تسريع الأولويات الأوروبية في مواجهة التحديات العالمية
إلى جانب الملفات الدفاعية، تعهد ماكرون وميرتس بتسريع التوصل إلى اتفاقات بشأن أبرز القضايا الأوروبية قبل نهاية العام، مؤكدين أن ذلك يستجيب لحاجة اقتصادية ملحة أكثر من كونه مرتبطاً بالاستحقاقات السياسية الفرنسية المقبلة.
واتفق البلدان على الإسراع في:
- مواجهة تدفق الصادرات الصينية المدعومة إلى السوق الأوروبية.
- إنجاز الإطار المالي متعدد السنوات للاتحاد الأوروبي (ميزانية السنوات السبع المقبلة).
- إنشاء اتحاد أوروبي لأسواق رأس المال على غرار النموذج الأمريكي.
- دراسة مقترح المفوضية الأوروبية بشأن الموارد الذاتية الجديدة لتمويل ميزانية الاتحاد.
- تعزيز أدوات الدفاع التجاري الأوروبية وإطلاق مزيد من التحقيقات في الممارسات التجارية الصينية.
- إعداد خطة فرنسية-ألمانية مشتركة بهذا الشأن قبل نهاية العام.
كما ناقش الجانبان تعزيز القدرة التنافسية الأوروبية، وتنظيم الاقتصاد الرقمي، ومكافحة حملات التضليل، والتعاون في مجال الذكاء الاصطناعي عبر تجميع قدرات الحوسبة الأوروبية وإنشاء هيكل مشترك لاستقطاب أفضل الباحثين. ورغم تأكيد الزعيمين أن تسريع التعاون الأوروبي تمليه اعتبارات استراتيجية واقتصادية، فقد حضرت الانتخابات الرئاسية الفرنسية المقبلة بقوة في النقاشات.
وأكد ماكرون أن استطلاعات الرأي لا تحسم النتائج، داعياً إلى “الثقة بالشعب الفرنسي وعدم توقع أسوأ السيناريوهات دائماً”، وذلك رداً على أسئلة بشأن احتمال وصول زعيمة اليمين المتطرف مارين لوبان إلى قصر الإليزيه. من جهته، شدد ميرتس على أن ألمانيا ستواصل الحفاظ على تعاون وثيق وعميق مع فرنسا، بغض النظر عن خيار الناخبين الفرنسيين. غير أن تقارير إعلامية أشارت إلى أن باريس تسعى إلى ترسيخ الاتفاقات العسكرية الجديدة قبل نهاية ولاية ماكرون، بحيث يصبح التراجع عنها أكثر صعوبة بالنسبة لأي رئيس فرنسي مقبل، في وقت يرى فيه حزب التجمع الوطني أن توسيع المظلة النووية الفرنسية لأوروبا “لا يمكن أن يتم دون مقابل سياسي أو استراتيجي”.


