الأكثر قراءة

فن الشارع في لبنان: صرخة جمالية واحتجاج اجتماعي

 

إكرام صعب

جريدة الحرة ـ بيروت

في زوايا بيروت القديمة، وعلى جدران بناياتها المتعبة من الحرب والنسيان، تتفتح ألوان لم يرسمها الزمن بل رسمها الإنسان. “فن الشارع” في لبنان ليس مجرّد زخرفة لجدران إسمنتية، بل هو لغة الناس، دفاترهم المعلّقة، وصرخاتهم المخبّأة تحت طبقات الطلاء.

هو تعبير بصري يتخطّى الجمال نحو الألم، والرسالة، والهوية. يرسمه فنّانون مجهولون في وضح النهار أو في عتمة الليل، متحدّين القيود، حاملين ريشة وعلبة بخّاخ، وعقلاً مثقلاً بالقضايا.

في هذا التحقيق، نسلّط الضوء على فن الشارع في لبنان، من خلال قصص افتراضية لفنانين، ناشطين، ومواطنين، لنفهم أعمق ما يقوله الجدار.

سلمى – بين الأمل واليأس

في حي مار مخايل، تتجوّل سلمى (29 عامًا)، فنانة تشكيلية بدأت تلوين الجدران بعد انفجار مرفأ بيروت في 4 آب 2020. تقول: “كنت أرسم على القماش… لكن بعد الانفجار، شعرت أن الجدران هي التي تحتاج إلى العلاج، ليست فقط الناس. فبدأت برسم وجوه الضحايا على الحيطان المهشّمة، كأنني أعيد لهم وجودًا سرقته اللحظة”.

رسومات سلمى لم تكن فقط تذكارًا، بل أصبحت محجًّا للمارّة، يضعون أمامها الزهور، يلتقطون الصور، ويتبادلون القصص. تقول: “تحوّل الحائط إلى مرآة تعكس الغضب، الحزن، والحنين. كثيرون بكوا أمام رسم. حينها عرفت أن الفن يداوي، لكنه أيضًا يفضح”.

جاد – رسام مقاوم

جاد (33 عامًا) يستخدم اسمًا مستعارًا: “ZAD”  لا يحبّ الظهور الإعلامي، ويعمل ليلًا. يُعرّف نفسه بأنه “فنان مقاومة”.

“فن الشارع هو سلاحي السلمي. لا أملك حزبًا أو منبرًا، لكن أملك رذاذ الطلاء”.

في الضاحية، أو في الحمرا، أو في صيدا، يترك جاد بصماته على الجدران:

وجه رجل يصرخ، علم ممزّق، نظرات امرأة حزينة، أو كلمات غرافيتي تقول: “من سرق الحلم؟”

يضيف: “كل جداريّة أرسمها هي فعل تمرّد. أرفض الصمت. أرفض أن يمرّ الفساد دون محاسبة. أنا أكتب التاريخ من وجهة نظر الشارع”.

يعتبر جاد أن فن الشارع اللبناني مختلف لأنه نابع من عمق أزمة مستمرة: “اللبناني لا يرسم ليتسلّى، يرسم لينجو”.

الجدران شاهدة… وناطقة

بيروت، طرابلس، صيدا، صور، كلها أصبحت منصّات فنّية بديلة. الجدران فيها ليست مجرد سطح، بل دفاتر عامة مفتوحة، تسجّل نبض الناس. في فترة انتفاضة 17 تشرين 2019، تحوّلت الساحات إلى معارض مفتوحة. وسط بيروت غُمر برسومات الغضب: قبضة الثورة، شعارات مثل “كلن يعني كلن”، وجدارية ضخمة لعين تدمع وسط العلم اللبناني.

الرسائل لم تكن فقط سياسية، بل اجتماعية ونفسية أيضًا. بعض الجداريات تحدّثت عن الاكتئاب، الانتحار، وغياب الأمل. شعارات مثل “نحنا تعبانين” أو “مش قادر أكمّل” كُتبت على جدران المدارس والمستشفيات.

رانيا – باحثة اجتماعية

رانيا الحاج (42 عامًا)، باحثة في علم الاجتماع من الجامعة اللبنانية، تتابع ظاهرة فن الشارع منذ سنوات. تقول: “فن الشارع في لبنان لم يعد مجرّد تزيين. هو انعكاس لواقع معقّد. في بلاد مثل لبنان، حيث الديمقراطية هشة، يصبح الجدار منبرًا، خصوصًا للشباب والمهمّشين”.

رانيا قامت بدراسة ميدانية حول مضمون الرسومات في بيروت، ووجدت أن أكثر من 60% منها ذات مضمون احتجاجي، بينما 30% توجّه رسائل أمل أو حب، و10% ذات طابع ديني أو ثقافي.

تضيف: “المفارقة أن الفن، الذي يُفترض أن يكون جماليًا، يحمل في لبنان وجهًا قاسيًا: صدمة، قهر، ومواجهة”.

البلديات: بين الرقابة والتشجيع

ليست كل البلديات في لبنان متسامحة مع هذا النوع من التعبير. بلدية بيروت مثلًا، قامت مرارًا بمحو الجداريات، بحجّة “تنظيف” المدينة. بينما في أماكن أخرى، مثل جبيل أو بدارو، ظهرت مبادرات لتخصيص جدران للرسم.

أحمد، موظف بلدي في بيروت، يقول: “نحن لسنا ضد الفن، لكن بعض الرسومات تحمل شتائم أو رسائل تحريض. علينا أن نوازن بين حرية التعبير واحترام القانون”.

من جهة أخرى، نظّمت جمعيات فنية مثل “أشكال ألوان” و”بيروت ديزاين ويك” مشاريع لدعم فناني الشارع، وتوفير مساحات قانونية للرسم.

من الجدار إلى المعرض

بعض فناني الشارع بدأوا يعبُرون نحو المشهد الفني الرسم: جاد، مثلاً، شارك مؤخرًا في معرض فني في متحف سرسق. وسلمى دُعيت لرسم جداريّة ضخمة في مدخل إحدى المدارس.

لكن هذه “الشرعنة” تثير تساؤلات: هل يفقد فن الشارع روحه عندما يدخل المعرض؟ هل يصبح أقل تمرّدًا؟

رانيا الحاج تجيب: “الفن قابل للتطوّر. إذا بقي مرتبطًا بقضايا الناس، فمكانه لا يغيّر رسالته.”

فن مقاوم… لكن إلى متى؟

وسط أزمة اقتصادية خانقة، وواقع معيشي يزداد قسوة، يبدو أن فن الشارع سيبقى حاضرًا. في غياب العدالة، يبقى الجدار هو القاضي، والفنان هو الشاهد.

كما تقول سلمى في ختام حديثها: “أرسم لأنني لا أستطيع أن أسكت. كل حيط هو جريدة. كل جدارية صرخة. وإذا مُسحت اليوم، سأرسم غدًا واحدة أكبر”.

فن الشارع في لبنان ليس رفاهية ثقافية، بل ضرورة وجودية. إنه فن الذاكرة، والمواجهة، والعيش رغمًا عن الألم. جدران المدن اللبنانية لا تبكي فقط، بل تصرخ، تُحب، وتكتب، وتُخبر من يمرّ: نحن هنا… لا زلنا نقاوم.

https://hura7.com/?p=53982

الأكثر قراءة